الحياة بعد الأربعين
0

في الرحلة المسماة بالحياة يمر الإنسان بالعديد من المراحل لكل منها سماتها الواضحة واضطراباتها وأولوياتها، ووحده الفرد العاقل من يستطيع تحقيق التوازن عن طريق فهم طبيعة كل مرحلة، فلا يحمّل نفسه ما لا يطيق من أعباء ولا يتهاون في تحقيق السلام النفسي له.

ففي العشرينيات يسمح الجميع للفرد بالتعلم وارتكاب الأخطاء، فهي مرحلة من التخبط، هي المرحلة الأولى التي يبدأ فيها الفرد بالخروج من الدائرة الآمنة ويبدأ في مواجهة الحياة بمفرده، يبدأ في اختيار مجال عمله وتحديد أصدقائه وربما يبدأ قلبه في الخفقان الحقيقي ويقابل حبه الأول، يساعده في ذلك قوة صحته ووجود الفرص كثيرة أمامه فهو يمتلك الوقت والصحة.

في الثلاثينيات يختلف الأمر قليلاً، فالقوة الجسدية ما زالت موجودة ولكن ضيق الوقت ومحاولة إثبات الذات في المجال المهني أصبحا حاضرين في المشهد وبقوة، لذا فإن الثلاثينيات فترة يحكمها العقل أكثر، فهي مرحلة أكثر هدوءًا وإنتاجية.

أما الأربعينيات فهي مرحلة حرجة للغاية، يمر بها الرجل والمرأة على حد السواء بالعديد من التغيرات الجسدية والنفسية والاجتماعية تضعهما أمام حقيقة واضحة… العمر يمر. قد يظن البعض أن ذلك يعني أن الحياة بعد الأربعين هي أمر يزهد به الإنسان، ولكن الواقع غير ذلك.

في هذا المقال نناقش بعض التغيرات التي تحدث في العقد الخامس من العمر، كما نقدم بعض النصائح التي تساعدك على تجاوز أعباء تلك الفترة، فكما ذكرنا لكل فترة طبيعتها المزعجة بعض الشيء.

اقرأ أيضًا: كيف تجد الجرأة لترك وظيفة ناجحة، وما الذي يدفعك لذلك؟

الأربعينيات: نشاط أقل بمقابل استقرار أكبر

تعد مرحلة الأربعينيات من المراحل التي تحدث بها العديد من التغيرات الملحوظة على مستوى الشكل والجسد والطباع، فالمرحلة التي تبدأ بالقدرة على العمل لساعات طويلة وأحلام تصل لحد السماء والمجازفة بدون عقل وأكل سريع لسد الجوع أثناء العمل، تنتهي ببعض الشعر الأبيض وتوصيات بأكل صحي وبعض الحكمة المكتسبة وربما القيام للمرة الأولى بزيارة طبيب العظام لمشاكل في عظام الركبة أو الرقبة.

بالرغم من ذلك فالنضج على كافة المستويات يصبح أكثر وضوحًا، والاستقرار المهني والمادي والاجتماعي تتحرك أسهمه دائمًا لأعلى، لذا فإن تلك المرحلة بها بعض التغيرات الجيدة التي تصقل من شخصية المرء وتحوله إلى نسخة أكثر نضوجًا وحكمة.

ما تخبئه لك الحياة بعد الأربعين

 على مستوى الجسد

تظهر في تلك المرحلة آثار ما اتبعته في سنين عمرك المنصرمة، فالشخص الرياضي سينال نصيبًا أكبر من عمل الجسد بكفاءة عن الشخص الذي عاش عمره بعادات صحية خاطئة.

في ذلك السن تبدأ بعض المشاكل الصحية في الظهور لدى غالبية البشر، كمشاكل ارتفاع ضغط الدم والنسب المرتفعة من الدهون الضارة مثل الكوليسترول نتيجة لتغيرات في عمليات الأيض.

ربما تظهر أيضًا بعض المشاكل لدى الأشخاص المدخنين أو متناولي الكحوليات كتليف في الكبد أو مشاكل في الرئة قد تصل لتكوين جلطات.

أما على مستوى شكل الجسد الخارجي، فيكون من السهل ملاحظة مخالطة الشعر الأبيض للشعر الأسود وبعض التجاعيد في الوجه خصوصًا في الجبهة وحول العينين.

على المستوى الاجتماعي

تنال العلاقات جزءًا مهمًا في أولويات الشخص الأربعيني، فبعد قطع للعلاقات في العشرينيات لكل من يخالفك الرأي، ومحاولة كسب المختلف في الثلاثينيات وإجباره على اعتناق رأيك، ستجد أن الأربعينيات تحمل مساحة أكبر من التسامح والتفهم والقبول.

يتضح ذلك جليًا في العلاقة بالآباء ومحاولة استرضائهم والعناية بهم بشتى الطرق سواء كانت نفسية أو مادية.

تنال العلاقة بالأبناء أيضًا بعض التغيرات، فتصبح أكثر احترامًا لمشاعرهم وأفكارهم وتتقبل كونهم أشخاصًا يختلفون عنك لهم ميول ومعتقدات من الممكن أن تخالف معتقداتك.

العلاقة بالأصدقاء تصبح أكثر هدوءًا وأكثر عمقًا، فبالرغم من أن الفرص لا تنضب من ضم أصدقاء جدد بشكلٍ دائم، إلا أن السعي إلى توطيد العلاقات السابقة ميزة أساسية في ذلك العمر.

على المستوى النفسي

ربما يعاني المرء من بعض التغيرات الهرمونية التي تؤدي إلى بعض الاعتلال في المزاج العام، مثلًا تُعتبر فترة منتصف الأربعينيات للسيدات فترة حرجة هرمونيًّا، حيث تزيد احتمالية انقطاع الطمث مما يؤدي إلى قلة في هرمون الأستروجين والذي يؤدي إلى تقلبات مزاجية -سنذكر بعد قليل كيفية التغلب على معظم مشاكل الأربعينيات- أما في الجانب الآخر فتكون للخبرات الحياتية التي اكتسبتها دور فعال.

الحياة بعد الأربعين

يتأثر الشخص بما مر به من مشاكل وأزمات ويستطيع رؤية الصورة بشكل أعم وأوضح، لذا فإن الشخص الأربعيني يعتبر أكثر استقرارًا نفسيًّا ممن يصغرونه لأنه يترفع عن الضغائن فهو أكثر قدرة على التحكم بانفعالاته وتصرفاته.

حتى أنه يستطيع التعامل بشكل صحيح وعقلانية مع التراكمات النفسية التي لازمته طوال حياته.

على المستوى المهني

ها قد انتهت مرحلة الانتقال من مجال لآخر، فمن المحتمل أنه بوصولك للعقد الخامس من عمرك أنك قد وصلت لمصدر دخلك الأساسي، وربما ستبدأ جني ثمار ذلك العمل من الناحية المادية.

الاستقرار المهني يضمن لك العديد من اتجاهات الأمان والراحة، مثلًا الاستقرار في عمل ثابت أساسي يكفل لك بعض المغامرة في البدء بمشروع إضافي يدر لك المزيد من الأموال التي تساعدك على حياة كريمة في الكبر.

كما يساعدك على امتلاك بعض الرفاهيات والقيام بالعديد من الأشياء التي من شأنها تحسين حالتك النفسية كالسفر أو امتلاك بيت أفضل.

عادات تجعل حياتك أفضل بعد الأربعين

 روتين نوم جيد

يعتبر النوم عملية حيوية في حياة الإنسان، تتدخل في تنظيمها العديد من أجهزة الجسم والعوامل النفسية والبيئية، وتتأثر بصحة النوم الحالة البدنية والنفسية للشخص.

توصي الدراسات بأن متوسط مدة النوم للشخص البالغ من 7-8 ساعات يوميًا، إن كنت أهملت من قبل في عدد الساعات فلا مجال لك في هذا الآن.

بدّل عاداتك السيئة

بالطبع يجب على الإنسان الإقلاع عن كل عاداته السيئة، تلك الصورة المثالية للأمر، لكن إن تكلمنا بواقعية ففي أغلب الأوقات نظل نمارس عادات سيئة ما دمنا لا نرى تأثيرها علينا بشكل واضح.

لذا دعني أخبرك أنك سترى انعكاسات عاداتك السيئة في الأربعينيات من عمرك ما لم تقلع عنها.

بصورة أوضح، التخلي عن عادة بسيطة كالمشي لا يؤثر على عظامك قبل ذلك، أما في السابعة والأربعين ستجد أن عضلاتك وعظامك بدآ يتسببان لك بالألم، لذا فحتى تتجنب الوصول لتلك المرحلة ابدأ بالإقلاع عن عاداتك الضارة. اكتسب عادات جيدة لنطيب لك الحياة بعد الأربعين بجد..

اقرأ أيضًا: كيف يمكن اتباع نظام حياة يجنبنا السمنة؟

لا بد من زيارة الطبيب

أخبرونا سابقًا أن الوقاية خير من العلاج، والوقاية في تلك المرحلة تعني الالتزام بنظام حياة صحي بجانب اكتشاف أي خبايا ليست مرغوبة والتعامل معها وعلاجها.

نعم، عليك زيارة طبيب العيون وإجراء فحص شامل لمستوى السكر والدهون في الدم بصورة منتظمة.

كما يوصي الأطباء بأن تجري الإناث الفحوص الدورية للثدي والتحاليل الطبية لقياس نسبة الهرمونات لمتابعة أي تغيير والوقوف على أسبابه.

نظام غذائي متوازن وصحي

أجسادنا في العقد الخامس لن تتحمل ما تحملته من قبل، فلا طاقة لمعدة أربعينية بهضم كل الدهون الضارة الموجودة في وجبات الطعام السريع دون أن تتضرر.

لذا فإنه كلما كان الغذاء متوازنًا ويحتوي على مكونات طبيعية تم طهوها بطريقة صحيحة فإن ذلك يزيد من قدرة الجسد على البقاء صحيحًا.

يوصي أخصائيو التغذية بضرورة احتواء الوجبات على نسبة عالية من البروتينات لأنها المسؤولة عن بناء الأنسجة والخلايا.

قلل من التكنولوجيا وأكثر من الناس

من المستحيل في وقتنا الحالي إغفال وسائل التواصل الاجتماعي فهي تعتبر من أساسيات الحياة اليومية.

فما الحل؟

ببساطة لا تستخدم وسائل التواصل إلا للضرورة ولا تأخذ أيًا من الأجهزة إلى غرفة نومك. بدلًا من اتصالك الهاتفي بأحد معارفك اذهب إليه في زيارة فمن شأن ذلك أن يعزز حالتك النفسية.

 بعض الرفاهية لا يضر

في الثلاثينيات يكرس المرء وقته بالكامل تقريبًا للعمل، الآن يمكنك السفر للأماكن التي تخطط لها من سنوات، يمكنك أخذ إجازة من عملك لبعض الوقت لتحسين حالتك النفسية.

حسن علاقاتك: الحياة بعد الأربعين بحاجة وسط اجتماعي

الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، وتعد العلاقات من الأسس الرئيسية في حياة البشر. جدد/ي علاقتك بزوجك أو زوجتك، تحدث بثقة وحب ووضوح واحكي عما يزعجك.

جدد علاقاتك مع أبنائك، فعلى الأغلب لم يعودوا أطفالًا، عليك تقبل الأمر والتعامل معهم بحب على أنهم أفراد مستقلين بشخصياتهم عنك.

بالنهاية، الحياة بعد الأربعين ليست مرحلة صعبة ولا سهلة هي مرحلة فقط بها بعض التغيرات المهمة التي يجب فهمها حتى تحياها بسعادة.

0

شاركنا رأيك حول "ما عليك أن تعرفه عن الحياة بعد الأربعين: تهيّأ فحياتك السابقة مجرد أبحاث الآن بدأت الرحلة الفعلية"