قيمة العمل
0

هل يمكن للمرء أن يتخيل الحياة من دون عمل؟ حياةٌ تقوم على حلقة مغلقة من الأكل والشرب والرفاهية والممارسات الجنسيّة في بعض الأحيان؟ قد يبدو في الأمر شيء من مستوى مثاليّ يسعى الجميع له هروبًا من الشقاء، لكن قد يكون فيه كذلك انطباق تامّ مع دائرة الحياة الحيوانية: الحيوان بدوره لا يسعى لشيء سوى لإشباع حاجاته البيولوجية بغية البقاء. فما الذي يميّز الكائن العاقل إذًا؟ وإذا كان العمل ارتقاء من درجة الحيوانية إلى درجة الإنسانيّة، ففيم يكمن الجوهر الحقيقيّ له؟

ما قبل ظهور العمل

لقد أخذ معنى العمل قوالب كثيرة في التاريخ البشريّ، وتطور بمرور الزمن واختلاف الحضارات وظهور تيارات فلسفية وفكرية كثيرة ساهمت كلّ واحدة منها في صياغة الجوهر الحقيقيّ لهذا الفعل كلّ وفق مبادئها ورؤيتها الخاصة. ولغرض فهم ذلك، نحاول العودة معًا إلى نقطة البداية: إلى الإنسان الأول أو “إنسان ما قبل التاريخ” إذا جاز التعبير والذي اقتصرت نشاطاته الإنسانية على الصيد، وجني الثمار، والعيش في الكهوف من أجل البقاء.

قيمة العمل

لم يكن العمل يمثل لهذا الأخير شيئًا سوى وسيلة لاستمرار الوجود، ولم يكن لديه هذا التصور الذي في أذهاننا عن العمل بالمعنى الحديث، على الأقل بالمعنى الذي يدرجه قاموس أكسفورد – Oxford على أنه نشاط يتضمّن جهدًا فكريًّا أو جسديًّا يتم القيام به للوصول إلى نتيجة أو تحقيق غاية في إطار مجتمعيّ.

إنسان ما قبل التاريخ كانت مساراته واضحة: أيّ نشاط يقوم به فهو لضمان استمرار العيش: أنا أفعل، إذًا أنا موجود، لا أكثر من ذلك ولا أقلّ. لم تكن له رؤية محدّدة عن المعاني، وجوهر الحياة، والمغزى من الوجود، والعلاقات الانسانية والتنظيم المجتمعي وغير ذلك. فكانت حياته في مجملها لا تتعدّى درجة إشباع الحاجات البيولوجية، يصارع من أجل ذلك الطبيعة تارةً، ويستفيد منها في غالب الأحيان.

كيف تتمّ هذه الاستفادة؟ هنا مربط الفرس: لقد كان يأخذ ما يسدّ حاجاته مباشرةً من الطبيعة، بشكلها الخام، دون ترويض أو تحوير أو تغيير أو إضافة. يأكل اللحم نيئًا، ويتغطى بأوراق الشجر، ويعيش في المغارات الطبيعية. هل يضيف لمسته الخاصة؟ لم يرتقِ فعلًا إلى تلك المرحلة، ليس بعد.

اقرأ أيضًا: 10 روايات تدور حول البحث عن الذات، من أشهرها رواية الخيميائي لمؤلفها باولو كويلو

العمل وصناعة الحضارة

بمرور الزمن، انتقل الإنسان من مرحلة الصيد وجمع ما تمنحه له الطبيعة من خيرات وثمار إلى مرحلة الزراعة والصناعة؛ أي من التلقي المحض إلى المساهمة في الصنع. فساهم هذا الانتقال من الإنسان البدائيّ الذي لم يكن يشغله شيء غير الأكل والنوم والصيد والجنس، إلى إنسان يبني الأكواخ، ويزرع القمح، ويصنع أدوات لذلك باستخدام عظام الحيوانات، ثمّ الحديد فيما بعد، وينسج ملابس بالاستعانة بخيوط دودة القز، وغير ذلك، ساهم في تطور مفهوم العمل.

هو يُخضع الطبيعة إذًا إلى سيطرته، ويضيف لعناصرها لمسته الخاصة: هناك تغيير، هناك ترويض، وبالتالي هناك عمل.

العمل هو مُواجهة الإنسان للطبيعة. – كارل ماركس

وينتقل من مرحلة الترحال من مكان إلى آخر، إلى مرحلة الاستقرار، في الأكواخ والبيوت أو عند الأنهار، إلى فعل الحضارة، التي تعاكس في جوهرها فعل البداوة أين يسود نظام الترحال وتغيب العلاقات الاجتماعية. الإنسان هنا يطوّع كلّ ما في طريقه من عناصر طبيعية من أجل العمران وبناء المجتمع الذي لا يتجزّأ عن فعل صنع الحضارة حسب ابن خلدون.

قيمة العمل

كما توجد تبعًا لذلك نظرية في علم الاجتماع الحضري مفادها بأنّ “كلّ شيءٍ نيء ينتمي للطبيعة، وكلّ شيء مطبوخ ينتمي للثقافة“. الإنسان بدأ مع الوقت في طبخ المنتجات الطبيعية، أي إعادة هيكلتها، فبدأ بالموازاة مع ذلك في تشكيل عناصر الثقافة. الكيمونو اليابانيّ مثلًا لا يشبه التنورة الاسكتلندية رغم حقيقة صنعهما من نفس المادة الأولية الموجودة في الطبيعة، الأمر ذاته ينطبق على البيتزا الإيطالية، والكسكسي المغاربيّ. حضارة بلاد الرافدين كمثال آخر كانت قائمةً على الزراعة، الحضارة المصرية القديمة قامت على الصناعة وهكذا دواليك؛ هذه العناصر المشكّلة للثقافة ساهمت هي الأخرى في صنع حضارة ما وتعزيز ما يميّزها عن غيرها. انتقال الإنسان للعمل هو إذًا انتقال حتميّ لصناعة الحضارة: وهذا هو الجوهر الأول له.

اقرأ أيضًا: لا تقلق لست وحدك في هذا: ما الذي يمنعك من الاستيقاظ الآن وتحقيق أهدافك؟

العمل وصناعة الفكر

مع قيام الحضارة اليونانية، وانتشار فعل الفلسفة بشكل استثنائيّ ولافت للنظر، بدأ مفهوم العمل يتوسّع أكثر فأكثر، حتى صارت الفروقات الطبقية تقوم على أساسه. اقتصر بذل المجهود على العبيد، واستثني المواطنون من ذلك، فصارت الأعمال البدنية مرتبطةً بفئة اجتماعية أقلّ قيمة.

العمل الجسديّ في نظر أرسطو على سبيل المثال، لا يعدو عن كونه إحدى الملهيات التي تشغل الإنسان الشريف عن التفكير، والاهتمام بالسياسة وحيازة الفضيلة. وهو أحد الأسباب المؤدية إلى ضرورة وجود فوارق طبقية في المجتمع، تعينها الطبيعة تبعًا للعوامل الوراثية والاجتماعية فتحدّد بذلك من سيكون العبد، ومن سيكون المواطن الحرّ. أرسطو يرى بأنّ العمل اليدويّ إكراه طبيعيّ، وبأنّ الإنسان وجد لغاية أسمى وأكثر نبلًا.

هذه المرحلة من مراحل تطور مفهوم العمل، ورغم امتدادها للحضارة الرومانية فيما بعد، وتعزيزها للفروقات الطبقية المهينة، واستمرار وجود فئة العبيد في المجتمعات، إلّا أنّها ساهمت في ظهور أول تصنيف أو تقسيم إنساني للعمل، ونفت فكرة أنّ العمل متعلق بالجهد الجسديّ فقط، فهو نوعان: عمل بدنيّ، وعمل فكريّ. الانشغال بالسياسة، وممارسة التدريس، والتفكير في الظواهر المحيطة، والتأمل في القيم وصياغة النظريات، لا تخرج عن حيّزه كذلك.

الجوهر الثاني للعمل يخبرنا بأنّ الحضارات لا يمكن أن تقوم دون مرجعية فكرية، أو نظرية، أو رؤية محكمة مهما كان الفعل الجسديّ فيها متطورًا، لأنّ هذا الفعل الجسديّ هدفه أولًا وأخيرًا إشباع الحاجات البيولوجية، فماذا عن الحاجات النفسية والفكرية، والروحية؟ أثينا مثالٌ على ذلك، ففي ربوعها ازدهرت الكثير من الأفكار الداعية إلى الفضيلة والأخلاق، ونبذ الرذائل.

يحضرني كذلك مثالٌ آخر للرياضيّ الفذّ برتراند راسلBretrand Russel الذي أشار في كتابه “في مديح الكسل” إلى التركيز على القدرات الذهنية، وعلى جودة الحياة باعتبارها هي الأخرى جوهر أساسيٌّ للعمل، و”الكفّ عن النّظرِ إلى النّاسِ على أساس أنّهم آلاتُ إنتاج“. يوافقه في ذلك الفيلسوف الألمانيّ فريدريك نيتشه –  Friedrich Nietzsche الذي يرى في كتابه “هكذا تكلّم زرادشت” بأنّ العمل الشاقّ يساهم في ضمور القدراتِ الذهنيّة. الهدف الأساسيّ من العمل إذًا أن يكون مساهمًا في صناعة الفكر، وما سوى ذلك مضرّة أكثر ممّا هو منفعة.

كيف يُحرّر العمل المرء؟ وكيف يستعبده؟

في جدلية “السيّد والعبد” التي صاغها الفيلسوف الألمانيّ هيجل، يرى هذا الأخير بأنّ العبد في الحقيقة سيّد لسيّده، لأنّه بعمله وإحاطته بأمور لا يعرفها غيره قد جعل من وجوده معترفًا به أولًا، ولا غنى عنه ثانيًا. العبد المستعدّ للتضحية بحياته والمواجه للموت في إطار عمله يكون قد حقّق بذلك مسمّى الحرية حتى لو كان في الحقيقة مملوكًا، فقد تحرّر من أسر الطبيعة بمواجهتها وتطويعها، وتحرّر من أسر سيّده بإحاطته بأمور أكبر منه. جوهر آخر للعمل على غرار تعزيز العلاقات الاجتماعية هو تحقيق الحرية.

لقد غيرت هذه الجدلية في القرن التاسع عشر من الفكرة السائدة باقتصار العمل الجسديّ على العبيد في أوربا. كما ساهمت حركات الإصلاح الدينيّ في ذلك، والنشاطات الحقوقية، ومع قيام الثورة الصناعية بدأ مفهوم العمل يأخذ منحى آخر مغايرًا، ويكتسب طابع الإلزامية على مختلف أطياف المجتمع.

وعودةً لفكرة الحرية من جديد، فقد أصبحت هناك أعمال تخضع المرء للعبودية بمفهومها الشامل حتى لو كان حرًّا، وتتحكم في ذلك نظرة المجتمع إلى صاحبها. فعامل النظافة مثلًا، ومهما ادّعى الآخرون تقديرهم لعمله، إلّا أنّهم يصنفون هذا العمل كدرجة ثانية. الطبيب أفضل منه حتى لو تسبب هذا الأخير في موت أبرياء، والمعلم خير منه حتى لو ارتكب جريمةً في حقّ عقول الصغار المساكين. لماذا؟ لأنّ النظرة المجتمعية تصنف الآخرين بناءً على أعمالهم. فكان لزامًا أن يحقّق العمل ذات المرء على غرار تحقيقه لنفع مجتمعيّ، حتى يضمن حرية صاحبه.

تذكرون مسرحية الزواريب؟ لقد أشارت إلى نقطة إثبات الذات عن طريق العمل في دور عامل النظافة الذي أدّاه ببراعة الفنان رفيق علي أحمد، والذي استطاع أن يثبت نفسه ويحقق حريته بكونه أشجع فتيان الحيّ، وأكثرهم حكمةً وذكاء، رغم حقيقة نظرة الآخرين لعمله، حتى أطلق مقولته الشهيرة:

أرني زبالتك، أقول لك من أنت. – مسرحية الزواريب

هي صياغة جديدة للمفاهيم، تنافي الأعراف السّائدة، ولكنها لا تتعارض مع الحقيقة، وتنجح في تحقيق الحرية رغم نوع العمل.

العمل السّائل: لعنة العالم الحديث

مع انتشار النظام الرأسماليّ بشكل جنونيّ، وهيمنة اقتصاد السّوق، وغزو العولمة للعالم، فقد العمل جوهره. شأنه بذلك، شأن الحياة، والعلاقات، والمشاعر، ومختلف النظم الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ أصبحت أنماط الحياة الحديثة هشةً، سريعة التغيّر، متقلبةً، لا تعبر عن معنى أو هدف ثابت. ولا يهمها سوى المزيد من كلّ شيء، والجديد من كلّ شيء، تخشى الرتابة، والثبات وتسعى نحو تغيير شكلها بصفة دورية.

لقد أصبحت هناك سيولة في كلّ جوانب الحياة، واختفت تلك الصلابة التي كانت تسبك خيوطها بشكل محكم، واكتسب العمل بدوره هذه السيولة. فبعد أن كان الهدف منه هو تحقيق الحاجات الضرورية، وإحداث أثر ظاهريّ، صار الهدف أن يوفر جميع وسائل الرفاهية في الحياة. الرفاهية في نهاية الأمر ليست شيئًا خاطئًا: جميعنا نطمح للدراسة في أعرق الجامعات، وارتداء أحسن الملابس، وإمضاء الصيف في منتجعات سياحية.

لكن الخطر يكمن في عدم وجود سقف لهذه الرفاهية: استهلاك وراء استهلاك وراء استهلاك، فيشكّل ذلك هدفًا من دون حدود، وبالتالي يستلزم ألّا تتوقف آلة الإنتاج مطلقًا. ثمّ يزيد الخطر إذا اكتست بعض عناصر تلك الرفاهية حلة الاحتياجات الضرورية، فيصبح عدم تحصيلها شقاء بمعناه الحرفيّ. من يستطيع منّا أن يستغني عن شراء آخر صيحات الموضة الصادرة في شهر يوليو على الأقل؟ هل فقدت ملابس شهر مايو ألقها مثلًا؟ هل تمزقت؟ هل أصابها خطب ما؟ الإجابة معروفة.

قيمة العمل

عالم الاجتماع البولنديّ الفذّ زيجمونت باومانZygmunt Bauman الذي عالج النقطة بإسهاب وتفصيل غاية في الروعة في سلسلة السيولة، يقول في كتاب الحداثة السائلة:

لقد صار يُتوقّع منه (العمل) أن يبعث على الانبساط في حدّه، لا أن يُقاس بالآثار الحقيقيّة أو الظاهرية التي يجلبها لإخوة المرء أو أخواته في البشريّة، أو لقوة الأمّة أو البلد، فضلًا عن سعادة الأجيال القادمة.

السيّد زيجمونت يخبرنا بأنّ الجوهر الحقيقيّ للعمل يتحدّد بما يمكن أن يتركه من أثر على المجتمعات، وبخروجه من حيّز الفردانية الشخصية، إلى حيّز أكثر اتّساعًا. فالعمل الذي يعزّز من الفعل الاستهلاكيّ بغضّ النظر عن أهميته وحاجة العالم إليه لن يساهم في شيء غير التسبّب في بؤس الإنسان. وفي هذا يقول جان جاك روسوJean Jacques Rousseau في كتابه أصل التفاوت بين الناس:

لا نكادُ نرى حولنا غير أناسٍ يتوجّعون من حياتهم، ونرى آخرين بسطوتهم وقوّتهم ينتزعون حيوات هؤلاء النّاس. – جان جاك روسو

لم يكن الهدف من العمل أن يُجرّد الناس من حياتهم.

وممّا يؤسف له كذلك، هو تدني قيمة العمل في العصر الحديث بسبب اعتماد معظم النّاس له كمهنة فقط، وغياب الحرفة. فسوق الاقتصاد الحرّ سمح للجميع بامتهان الأعمال حتى إن لم تكن من تخصصهم. هناك فرق كبير مثلًا بين نجار أمضى كلّ حياته بين الخشب والمطرقة، ونجار حديث أجرى دورة تدريبية لمدّة ستّة أشهر سمحت له بفتح محلّ للنجارة. فأيّهما يستحق هذا اللقب فعلًا؟ كم رأينا كذلك أشخاصًا يعملون في المكاتب العامة، رغم أنّهم هم أنفسهم لا يفرقون بين الرواية والقصة القصيرة؟  يقول آلان دونو في كتاب نظام التفاهة:

لقد فُقدت الحرفة. يُمكن للنّاس الآن إنتاجُ الوجبات على خطوط الإنتاجِ من دون أن تكون لهم معرفةٌ بالطّبخ في البيت… إنّ الفخر بالعمل المنتج جيّدًا صار أمرًا في طور الاضمحلال.

اقرأ أيضًا: كيف تتعامل مع العملاء الصعبين؟ إليك هذه النصائح لتجنب إحباطات العمل

قبل الختام: لماذا يعمل الإنسان؟

الغاية من العمل لم تقتصر يومًا على توفير الحاجات الفيزيولوجية وضمان استمرار الحياة، والمعاني التي أشرنا إليها لا تنفي هذه النقاط السريعة التي تسلط الضوء على الهدف من وراء عمل الإنسان.

  • الجزاء:  قد يعمل الإنسان لأنّه يبحث عن الجزاء، ويخشى العقاب. صحيحٌ أنّ مرجعيات البشر في ذلك مختلفة؛ فالأديان مثلًا تربط جزاء العمل بتحقيق الحياة السعيدة، ونيل المكافأة في حياة ما بعد الموت، والمبادئ الكبرى التي يتبناها المرء تحتّم وجود ثمرة طيبة لكلّ عمل طيب، والقوانين العلمية تؤكّد على أنّ نفس الأسباب تؤدّي حتمًا إلى نفس النتائج، والسنن الكونية تعلمنا بأنّ الأيام تداول بين الناس، وبأنّ ما زرع لا بدّ وأن يحصد، وما مُنح، لا بدّ وأن يرجع.
  • الشغف: كان سقراط يجول في أثينا ويعلم الشباب مبادئ الفلسفة دون أن يأخذ منهم مقابلًا، فقيامه بذلك دليل على شغفه بهذا الفعل. حب المرء لمجال ما يقوده إلى العمل به ولو من دون مقابل. هل قرأتم سلسلة شارلوك هولمز؟ لقد كان هذا المتحرّي الذكيّ يبدع في حلّ معضلات الجرائم الصعبة من دون أن يتقاضى أجرًا على ذلك، فقط لأنّه كان يجد مراده في هذا العمل.
  • التمكين: لا ننكر حقيقة واضحة بأنّ نيل الفرص في هذه الحياة، وبلوغ مراتب المجد، وتحصيل العلم لن يظفر به حليف الوسائد. لا بدّ من تعب، لا بدّ من جهد، لا بدّ من عمل. يقول المتنبي:

لولا المشقّة ساد النّاس كلّهمُ

الجوعُ يفقر والإقدامُ قتّالُ

أولئك الذين تربّوا في القطن، ولم يواجهوا الحياة بمختلف صعابها لا يمكن لهم أن يحقّقوا أي تطور على أيّ صعيد. كتب إقليدس على باب أكاديميته: “لا يوجد طريقٌ مَلكيّ إلى الرياضيات“، من أراد الظفر بشيء، فليسلك سبل ذلك.

  • الأثر: تقاس قيمة المرء بمقدار ما يتركه من أثر على صعيد الحياة الاجتماعية، وقضايا الأمة. لقد كان من المفترض ألّا يعدم العمل من هذه القيمة القَيّمة لولا الحياة الحديثة التي أسهمت بشكل ملحوظ في تراجع مفاهيم الخير العام، والهم العام والتشارك في العمران والاجتماع الإنسانيّ أمام الهمّ الخاص والمصالح الشخصية.
  • المعنى: يقف العمل في وجه الفلسفة العدمية التي تنفي وجود هدف من الحياة. ويؤكد على أنّ ما نمنحه لهذه الحياة من قيم مضافة هو ما يجعل من وجودنا على الأرض مستحقا.

إن الجوهر الحقيقيّ للعمل مرتبطٌ أساسًا بصفة النبل، وما أجري عليه من تشويهات هي أبعد ما تكون عن معناه الحقيقيّ.

اقرأ أيضًا: كيف قضى الاحتلال الإنجليزي أو الفلسفة النفعية على روح الإنسان؟

0

شاركنا رأيك حول "في معنى العمل والجوهر الحقيقيّ له: لماذا يعمل الإنسان؟"