human relations - العلاقات البشرية
0

في ذات مرة وفي خلوة مع الذات، تساءلت إن كان الفرد منا بحاجة فعلية لوجود الناس من حوله؟

وعندما عجزت عن الرد بنفسي، بدأت في طرح هذا السؤال على بعض الزملاء، وبالطبع كان هناك طرفان؛ المؤيد بشدة لحاجة الإنسان ولو لوجود فرد واحد فقط بغرض الدعم النفسي على الأقل، والمعارض بشدة والقائل إن كل إنسان يستطيع أن يكتفي بذاته وأن يستغني عن وجود أصدقاء أو أي عوامل بشرية في دوائر علاقاته البشرية..

وتتالت الأحاديث حتى وصلنا إلى كيف للإنسان الحفاظ على علاقاته البشرية -إن اضطر إلى ذلك؛ منعًا للتحيز إلى أي من الطرفين- كان رد أحدهم لم يُمحَ من ذاكرتي حيث قال: “لو أن كليهما أراد ذلك”.

الذاتية ومعنى كينونة الإنسان

العلاقات البشرية - Human relations - ريكور

أحيانًا يتراءى لنا أننا لا نستطيع أن نتحمل مسؤولية أنفسنا حتى نتحمل وجود أشخاص آخرين في حياتنا، وأن التحول نحو الذاتية هو أمر مريح بالأخص للشخصيات الانطوائية بطبعها، وما أكثر الأسئلة الوجودية التي تواردت على أذهاننا في ساعات الليل المتأخرة ونحن نحاول أن نلملم شتات أنفسنا، وبالأخص سؤال “من أنا؟”، أن نفهم كينونتا الإنسانية ذلك يعني أن رؤيتنا لكثير من الأمور الحياتية التي نبذل فيها جهدًا كبيرًا في التفكير ستتضح بشكل مناسب.

“بول ريكور”؛ وهو فيلسوف فرنسي انتشر اسمه في أطروحة الوعي واللاوعي، وفي دراسة “بول” عن ماهية الذات في كتابه “Oneself as Another – الذات كآخر”، صنف الهوية إلى اثنتين: هوية Idem؛ وهي الهوية التي تمثل أنفسنا دائمًا في مختلف الأوقات بالرغم مما قد نفقده أو يتغير بداخلنا، وهوية Ipsy؛ هي الهوية التي تُعبر عما نحن عليه، أو الجوهر الداخلي الذي يصعب على كل منا تفسيره! ولمزيد من التبسيط في تلك الأطروحة، قال “ريكور” أن هوية Idem يمكننا أن نجيب عليها من خلال سؤال مما تتكون الذات، بينما إن سألنا ما هي الذات؟ فسيكون إجابة هذا السؤال تعبر عن هوية Ipse.

فإن سُئلت الآن، ما إن كنت الشخص ذاته منذ 10 سنوات؟ فهل ستكون إجاباتك نعم أم لا؟

في الواقع، تحتمل الإجابة الاثنين! فمثلًا، إن كنت أتحدث عن ذاتي بهوية Idem، فبالتأكيد ستكون الإجابة، نعم، ما زلت نفس الشخص الذي وُلد من رحم أمه، لكن إن كنا نتحدث من منظر هوية Ipse، إذًا الإجابة هي قطعيًا لا، فعوامل الزمن وما مررت به من مواقف حياتية على طول ما سبق من عمري، قد غير الكثير في بنائي الشخصي وفي منظوري الحياتي، لذلك بالتأكيد لا.

اقرأ أيضًا: الانطوائية والانفتاحية: كيف فسر العلم الصراع الداخلي بينهما؟

المعادلة بين أنواع العلاقات البشرية

أحيانًا عند الحديث عن العلاقات، لا يفهمها الناس سوى بمعنى علاقات عاطفية، على الرغم من أن دوائر العلاقات البشرية هي أوسع من مجرد اختصارها في علاقات عاطفية، فيذكر العلماء أن من أكثر العناصر تأثيرًا في حياة الإنسان هي علاقاته، فإن كان علينا اختيار متغير واحد بين الجمال والمال والعلاقات، فكفة ميزان العلاقات يجب أن ترجح بالتأكيد، انتشرت العديد من النظريات العلمية والطبية عن أن الأشخاص ذوي العلاقات الأسرية السوية، أو لهم علاقات صداقة مقربة، أو علاقتهم مع زملائهم بالعمل جيدة، تتمتع حياتهم بصحة وسعادة أكثر من غيرهم من ملازمي الوحدة ومسطحي العلاقات.

هناك ما يُعرف بـ “رقم دنبار – Dunbar’s number”؛ ووضعه عالم الأنثربولوجيا البريطاني “روبن دنبار”، هذا الرقم يضع حدًّا أقصى لعدد الأشخاص الذي يسمح لك بالحفاظ على علاقة اجتماعية صحية ومستقرة مع من حولك، فقدر العالم “دنبار” هذا الرقم بـ 150 شخصًا! أي أنه طالما لم يزد عدد من حولك عن هذا الرقم، فستضمن لنفسك استمرار علاقات اجتماعية مستقرة، ولا ننسى أن العلاقات البشرية لا تُقاس بالكم بل بالجودة؛ أي ليس بكم شخص حولك، لكن بصفات من حولك، كما في شعار “Quality not Quantity”.

العلاقات البشرية - رقم دنبار - Human relations - Dunbar's number

دعونا لا نستعجب من مقدار الرقم، حيث أن معرفة 150 فردًا لا تُعتبر بالكثير إن تم احتساب الفئات الآتية: أفراد الأسرة الأساسيين؛ الأب والأم، والعائلة؛ كالزوج والأبناء، زملاء العمل ورؤساؤك في العمل، الأصدقاء المقربون، المرشدون، بالتأكيد دائرة معرفتك تشمل فئات أخرى، لكن الفئات الأكثر تأثيرًا على حياتك سواء بالسلب أو الإيجاب، تنحصر في الست فئات السابقة، ولكل فئة ما تؤثر به، فمثلًا:

  • الزوج/ة: اختياره/ا يعد من أكثر القرارات الحاسمة في حياة الإنسان، فهو شريك الحياة وتعتمد عليه سعادة الحياة في كثير من الأحيان.
  • الأبناء: ليسوا اختيارًا، لكن هم إرثك في الحياة، هم من تتركهم من بعدك وتأثيركم في حياة بعضكم البعض متوازن.
  • الأصدقاء: أولئك من تشاركهم اهتماماتك وأحاديثك التي لن يفهمها غيركم، وتأثيرهم في حياتك هو أمر غير قابل الشك، فكما يُقال دائمًا “الصديق قبل الطريق”، أو أحيانًا في بلادنا نقول: “الصاحب ساحب”.
  • رؤساء وزملاء العمل: اختيار زملاء العمل وبيئة العمل ذاتها إن لم يكن صحيًّا كفاية لاستقرارك في الشركة، لن تنعم في حياتك بشيء، إذا أن عملك يستهلك من حياتك جزءًا كبيرًا قدره البعض بثلث حياتك، وينطبق الكلام على رؤسائك في العمل.
  • مرشد: وجود مرشد في حياتك العلمية أولًا، وتاليًا مرشد أو مستشار في عملك تتعلم منه ومن خبراته، أو حتى مستشار لحياتك الاجتماعية، هو من الأشياء الواجب عليك تحقيقها حتى تستكمل المعادلة بين جميع جوانب حياتك.

دوائر العلاقات البشرية

العلاقات البشرية - دائرة العلاقات - Human relations - circle of relations

بناءً على ما سبق من فئات العلاقات الاجتماعية الكثيرة، هناك ما يُعرف بدوائر العلاقات البشرية الاجتماعية، الآن يمكننا التعرف على الدوائر بشكل أقرب وبطريقة عملية أيضًا، يمكنك جلب ورقة وكتابة أسماء أكثر الأشخاص الذين تتفاعل معهم بشكل يومي أو أسبوعي، وبالتأكيد يمكنك الاستعانة بالفئات السابق ذكرها، وبعد أن تنتهي، قم بجلب ورقة بيضاء أخرى وارسم أربع دوائر بداخل بعضها البعض، وداخل أصغرها ارسم ما قد يمثلك وليكن مربعًا، كما موضح بالصورة التالية، والآن نحتاج لتسمية كل دائرة من الأصغر إلى الأكبر على الترتيب:

دائرة العلاقات الحميمة – The circle of intimacy

هذه الدائرة تشمل أقرب الأقرباء، الأهل، والزوج والأبناء، أقرب صديق، أولئك ممن لا يمكنك أن تتخيل الحياة دون وجودهم، وعند غيابهم تشعر بالضعف، هم أكثر من تثق بهم ثقة لا حدود لها، وتشاركهم المعيشة والحياة.

دائرة الصداقة – The circle of friendship

وحتى لا نتشتت بذكر الأصدقاء في أكثر من دائرة، فالصديق في الدائرة السابقة، هو أكثر صديق مقرب، وهناك دائمًا لكل منا صديق واحد مُفضل دونًا عن باقي الأصدقاء، أما هنا في دائرة الصداقة فهي تشمل من تبقى من مجموعة الأصدقاء، أولئك من تشاركهم لحظات المرح والحزن، تشاركهم كل جديد عنك وتتبادلون الأخبار فيما بينكم.

دائرة المشاركة – The circle of participation

هذه الدائرة هي دائرة أقل في فرص الثقة، تضم أولئك من تشاركهم مكان العمل، المعارف، زملاء في الفصل الدراسي، جيران، أو من تشاركهم الأنشطة الرياضية أو الترفيهية ولكن لا تشاركهم مجريات أحداث حياتك.

دائرة التبادل – The circle of exchange

تحوي الأشخاص الذين تجري معهم معاملات، أي تتبادل خدمة مقابل شيء آخر، كالطبيب، المحامي، مساعدك الشخصي، وكل من قد يقوم لك بعمل مقابله شيء مثل المال.

الآن بعد أن تعرفت على كل دائرة، يمكنك البدء في تصنيف الأشخاص في قائمتك السابق إعدادها، ستتعرف على المكانة الحقيقية لكل شخص تتعامل معه بصفة دورية، وستمكنك من مراجعة علاقات غير وطيدة لا يبادلك أصحابها ذات المكانة التي تعطيها لهم في دائرتك، أو في طي ذاكرتك لأنهم ليسوا في حياتك بالفعل، ووجود هذه الورقة سيتيح لك فرصة مراجعتها بعد فترة زمنية حتى تتعرف على ما يطرأ من تغييرات في حياتك الاجتماعية وعلاقاتك، كما أنها ستجعلك تتعرف أكثر على دائرتك المقربة والتي تختارها بحكمة حتى تهتم بها وبالحفاظ على أعضائها.

اقرأ أيضًا: قوة الانطوائية: أشياء تجعل من الانطوائيين فخورين بميولهم غير الاجتماعية

الاحتياج في العلاقات البشرية: الإنسان لا يمكن أن يكتفي بذاته

لا أدري مدى صحة مشاعر اكتفاء الإنسان بذاته، أحيانًا أشعر بكونها مجرد تزييف أو خداع الإنسان لعقله، حتى يُصدق وأنها فقط نابعة من تجارب سيئة ليس أكثر، حتى يقرر حينها الإنسان الانغلاق على ذاته كونه أكثر شخص يمكن أن يفهم نفسه، فهل هي نابعة من الوحدة أم هي حقيقية فعلًا؟ لأن الاحتياجات البشرية إن نظرنا لها بنظرة أدق وأشمل، سنجد أنه لا يمكن أن يلبي الشخص ذاته كل احتياجاته، وهذا واضح جدًا في هرم ماسلو للاحتياجات البشرية.

عرض ماسلو -عالم النفس الأمريكي- هرم الاحتياجات بعد أن صنف الاحتياجات إلى فئتين؛ فئة الحاجة النابعة من الحرمان أو النقص، والحاجة إلى النمو، ويستسرد ماسلو ذاكرًا أن احتياج النقص كلما مر الوقت دون أن يتم تعويض هذا النقص، سيزداد شعور الاحتياج أكثر فأكثر، كما أنه لا يجب إشباع احتياجات قبل غيرها، لذلك رتبها على هيئة هرم حتى يتمكن المرء من إشباع المستويات الأقل أولًا حتى يتمكن من استكمال إشباع المستويات الأعلى فيما بعد.

العلاقات البشرية - Human relations - abraham harold maslow - ماسلو

وكان اعتراض ماسلو واضحًا على نظرية “إما الكل أو اللاشيء”، حيث أن المشاعر لا تعمل بهذا المبدأ، بل مجرد شعور الإنسان بالاكتفاء قادر على نقله إلى مرحلة أعلى للبدء في إشباع الرغبة التالية، لذلك نجد أن فئة الحاجة للنمو تتربع على قمة هرم ماسلو، إذ أنها ليست نابعة من حرمان أو غيره، بل أنه بعد أن أشبع جميع احتياجات نقصه، يحتاج الإنسان ليبدأ العمل على ذاته حتى يستكمل شعور الرضا التام.

وهنا المفارقة في الذاتية والغيرية، إذ أن احتياجات النقص أغلبها يحتاج لأشخاص آخرين لإشباع هذا الاحتياج.

هرم ماسلو

العلاقات البشرية - هرم ماسلو - Human relations - Maslow's Hierarchy of Needs

قسم ماسلو الهرم إلى خمس طبقات؛ الأربع الأولى هي احتياجات نقص وحرمان، لكن المرحلة الخامسة هي احتياج نمو، فيبدأ الهرم من الأسفل للأعلى وبالترتيب من المرتبة الأقل للمرتبة الأعلى.

الاحتياجات الفسيولوجية

الاحتياجات الفسيولوجية للإنسان هي الاحتياجات التي تضمن بقاء الإنسان؛ كالماء، الهواء، الغذاء، النوم، والتكاثر، وهو بالأخص الأهم لبقاء سلالة البشر، ومع ذلك لا يمكن للإنسان التكاثر دون وجود الذكر والأنثى سويًا، وهنا نجد أول ظهور لاحتياج الإنسان لغيره، أما بالنسبة لفئة الاحتياج الفسيولوجي ككل، يظل يبحث عنها الفرد دائمًا، حتى يضمن وجودها ومن ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية من الاحتياجات.

الاحتياج لوجود أمان

احتياج وجود الأمان مسؤول عنه بعض أعضاء المجتمع كالجهات القانونية وأفراد الشرطة والأطقم الطبية، لكن في نطاق أقل أي في حدود المنزل والجدران الأربع، فمسؤول عنه أفراد الأسرة ككل، مثلًا في حالات الانهيارات العصبية لأحد الأفراد بالمنزل، جميع أفراد الأسرة مسؤولون عن تهدئة الشخص إلى أن يتم نقله لاختصاصيين، رغم أنه قد لا يحتاج سوى لوجود شخص قريب من الأسرة ليتحدث إليه ويُعلمه أنه موجود، وها نحن ذا في ثاني مرحلة وهي أيضًا تحتاج إلى مبدأ الغيرية.

احتياج الحب والانتماء

هذه المرحلة هي اجتماعية بحتة، تبحث في أهمية وجود الإنسان ضمن جماعة، وشعور الانتماء إلى كيان أو مجموعة وذلك متمثلًا في علاقات عاطفية أو علاقات صداقة، لذلك هي معتمدة على الغيرية، ودعوني ألفت النظر إلى ما قيل سابقًا من ماسلو، أن عدم تلبية إحدى الرغبات الأقل، لن يمكنك من العبور إلى النقطة الأعلى، لذلك عدم تلبية هذا الاحتياج ولو بشكل مبدئي وبسيط وليس كُليًا، ليس كافيًا لبدئنا في تلبية رغبة الاحتياج للتقدير والاحترام.

احتياج التقدير والاحترام

أما عن هذه المرحلة، فهي تنقسم إلى فئتين، احترام الشخص لذاته، والاحترام من الآخرين -مبدأ الغيرية للمرة الرابعة- وهذا يتحقق من خلال سمعة الشخص ومكانته عن طريق إنجازاته، وعند الوصول والاكتفاء من هذه النقطة، يبدأ الإنسان في البحث عما هو أعلى.

احتياج تنمية وتحقيق الذات

هي أعلى قمة الهرم وآخر مراحل الاكتفاء، تعني الوصول إلى ذروة تنمية قدرات ومهارات الفرد، أي أنها الوسيلة التي توصل الفرد إلى أفضل نسخة ممكنة من ذات.

لذا كما يمكن أن نستنتج، أن المراحل الأربع جميعها تحتاج إلى وجود علاقات بشرية لتحقيقها، وتحقيقها يعني القدرة على الوصول إلى المرتبة الخامسة وهي تحقيق الذات، بالتالي هي أيضًا تحتاج لوجود العلاقات البشرية لكن بشكل غير مباشر، والآن يمكن أن نعود لبداية المقال مرة أخرى حتى نكرر طرح السؤال ذاته، هل الفرد منا بحاجة فعلية لوجود الناس من حوله؟

الإجابة واضحة بعد كل ما تقدم!

0

شاركنا رأيك حول "العلاقات البشرية أهم بكثير مما تعتقد: للجالسين بأبراج عاجية إليكم الدليل"