أناقة القتل في الأسطورة ودموية التاريخ البشري
0

في ساحات الوغى، رماحٌ تُضرَب، وأسهم تتراشق، وصياح يعلو مع صليل السيوف. دموع تنهمر، وأطراف بشرية تُقطَع، عيونٌ وأشلاء ودماء تتناثر. مع كل جثة تتهاوى في إحدى الزوايا، كانت ذكريات الأحبة تُمحى، أو حضن أبٍ دافئ يبرد، أو شوق لوالدين مهمومين ينقطع. في كل تلك المذابح البشرية والهلع والدمار، كانت بعض الآلهة في عليائها تستمتع، وبعض البشر يصلون لها!

أوّد أن أطرح سؤالًا: هل تعتقد أيها القارئ العزيز أنّ القتل هو القتل، أيًا كان القاتل وأيًا يكن المقتول؟ فهل يعقل إن كان الجاني بشرًا، فيُقتَل، أما إذا كان إلهًا، فيُعبَد!

لماذا كل هذا العنف والدم في التاريخ البشري، في حين أنّ القتل في الأسطورة قد لا يكون سوى عملًا أنيقًا مُهابًا، يعاقب القاتل فيه بالسيادة والربوبية الزائدة، أو بالخلود على أقل تقدير!

في هذا المقال، سوف نستعرض بعض الأمثلة التي تروي عن دموية التاريخ البشري، وأمثلة توضح أناقة القتل في الأسطورة.

اقرأ أيضًا: أن تخلق عالمًا زوربيًا: فلسفة الحياة على طريقة الأسطورة الخالدة زوربا اليوناني

القتل في الأسطورة، مجدٌ وخلود

الأسطورة كما عرفها فراس السوّاح في كتابه “مغامرة العقل الأولى” هي حكاية مقدّسة، أبطالها ليسوا من البشر، وإنما من الآلهة أو أنصاف الآلهة. كانت الأسطورة معتقدًا راسخًا في الأزمنة الأولى، عدم تصديقها كان يعني الكفر بالقيم والأخلاق، وفقدان الإحساس بمعنى الحياة. وكانت تنتقل من الأجداد إلى الآباء، فهي بمثابة ذاكرة الشعب، التي تحفظ وتصون قيم وعادات وطقوس هذه الجماعة، وتنقلها إلى الأجيال التالية.

وكي لا نكون منحازين لحضارة دون أُخرى، سوف أحاول أن أذكر عدة أساطير من بعض الحضارات التي حدثت فيها جريمة قتلٍ.

مردوخ البابلي يقتل أم الخليقة

تروي أسطورة الخلق البابلية “إينوما إيليش” الحكاية التالية: في قديم الزمان، عندما لم يكن في الوجود لا سماء ولا أرض، لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى متمثلة بزوجين إثنين من الآلهة: آبسو إله المياه العذبة، وتعامة (تيامات) إلهة المياه المالحة، بالإضافة إلى الإله ممو وهو الضباب المنتشر فوق تلك المياه.

أناقة القتل في الأسطورة
ألواح الخلق السبعة الخاصة بالحضارة البابلية (إينوما إيليش)

بعد زمن من السكون والصمت، تبدأ الآلهة بالتناسل، فأنجبت تعامة العديد من الآلهة القديمة، ثم امتلأ جوفها بالآلهة الشابة المليئة بالنشاط والطاقة والحيوية. هذه الحركة الدائمة والنشاط عكّرت صفو آلهة السكون الأبديّ، وأغضبتها، إذ يشكو الإله أبسو لزوجته عدم قدرته على الراحة نهارًا ولا الرقاد ليلًا، لذا يقرر أن يقتل أبناءه، علّه يجد الهدوء والسكينة مرةً أُخرى. إلا أنّ تعامة تغضب وتصرخ في زوجها قائلةً: “لماذا ندمر من وهبناهم نحن الحياة؟ إنّ سلوكهم مؤلم حقًّا، ولكن دعونا ننتصرف بلين وروية”.

لكن الوالد يظل مقتنعًا بضرورة قتل أبنائه. وصل إلى مسامع الأبناء مؤامرة والدهم، الذين ارتعبوا جميعهم ما عدا الإله إيا (إنكي)، والذي حمى أخوته بحلقة سحرية، وألقى تعويذة سحرية على أبسو جعلته ينام، ثم ذبحه وهو نائم، واستولى على لقبه الإلهي فأصبح إله المياه العذب.

بعد حين، تذهب الآلهة القديمة إلى الأم تعامة يلومونها على عدم مساعدة أبسو عندما ذبحته الآلهة الحديثة الشابة، ويحرّضونها على ضرورة الانتقام، وفعلًا وجدت تعامة نفسها مقتنعةً بضرورة السير على ذات الطريق، فالآلهة الصغيرة لم تغير طريقتها في الحياة، بل ازدادت غرورًا وتصميمًا على سلوكها السابق خصوصًا بعد انتصارها على والدها.

جهّزت تعامة جيشًا من الوحوش المخيفة من تنانين وزواحف وحشرات عملاقة، ونصّبت عليه الإله كينغو قائدًا للجيش وزوجًا لها. ارتعب معسكر الآلهة الشابة من جيش تعامة، كلهم ما عدا الإله الشاب مردوخ ابن الإله إيا، والذي وافق على قتال الوحوش بشرط إعطائه امتيازات استثنائية. وافقت الآلهة على ذلك، وأعطته قوة تقرير المصائر، ونصبّوه سيدًا عليهم، ثم مضى إلى الحرب.

عندما التقى الجيشان، طلب مردوخ من تعامة قتالًا منفردًا، فوافقت عليه، ثم دخلا في صراع مميت. انتصر مردوخ وقتل تعامة، ثم قسم جثتها إلى قسمين، رفع واحدةً وجعلها سماءً، وبسط الأُخرى وجعلها أرضًا. ثم شرع في عمليات الخلق، فخلق النجوم أماكن راحة للآلهة، وخلق الشمس والقمر وحدد مساريهما، وخلق الإنسان من دماء الإله الأسير كينغو، كما خلق النبات والحيوان.

الإله مردوخ يقاتل تعامة

بعد قتل أمهم، وذلك الانتصار على إلهة السكون والفوضى، احتفلت الآلهة بمردوخ وتوّجوه إلهًا للكون، ثم بنوا مدينة بابل، وشيدوا في منتصفها معبدًا له يناطح السحاب هو معبد إيزاجيلا، وأعلنوا في هذا الاحتفال العظيم عن أسماء الإله مردوخ الخمسين.§

زيوس الإغريقي يطيح بوالده

تقول أسطورة الخلق الإغريقية إنّه وفي بداية الأزمان، بعد أن أبصرت إلهة الأرض جيا النور، أنجبت نظيرها أورانوس إله السماء، والذي أحاط بها من كل الجوانب، ومن اتحادهما تلد جيا بقية أبنائها وهم: ثلاثة سايكلوبس (عمالقة بعين واحدة)، وثلاثة هيكاتونشير (عمالقة كل واحدٍ منها بخمسين رأس ومائة يد)، واثني عشر فردًا من التيتان (الجبابرة).

ومع ذلك، كان أورانوس والدًا وزوجًا سيئًا، كان يكره أبناءه العمالقة، فسجنهم في أعماق الأرض. ذلك ما أثار غضب واستياء جيا، فقررت الانتقام، صنعت منجلًا من الصوان، وطلبت من أبنائها الجبابرة مهاجمة أبيهم. لكن الجميع كانوا خائفين، كلهم ما عدا أصغرهم، كرونوس. والذي نصب بمساعدة والدته كمينًا لوالده، إذ أمسك بوالده وقطع أعضاءه التناسلية بالمنجل الحجري، وألقى بها في المحيط.

أناقة القتل في الاسطورة
كرونوس يقضي على والده

أصبح كرونوس هو الحاكم الآن، سجن أخوته العمالقة في الجحيم المسمى “تارتاروس”، وتزوج أخته ريا، وأنجب العديد من الأبناء. كان من الممكن أن يبقى كل شيء على ما يرام إلى أبد الآبدين، لولا تلك النبوءة التي سبق وأن قالها أورانوس، وهي أنّ أحد أطفال كرونوس سيكبر ليذبح والده.

ذلك ما أرعب كرونوس وجعله يبتلع كل طفل تلد زوجته بعد ولادته على الفور. لكن، وعندما حان موعد ولادة الطفل السادس، أخفت ريا نفسها، وأعطت طفلها للحوريات في جزيرة كريت لترعاه، في حين خدعت زوجها، وأعطته حجرًا ملفوفًا بقطعة قماش على أنه طفلها المشؤوم، والذي ابتلعه زوجها على الفور.

أناقة القتل في الاسطورة
كرونوس يبتلع أطفاله

كبر زيوس ليصبح قويًا وشجاعًا. وبطريقةٍ ما، استطاعت ريا إقناع زوجها كرونوس بقبول ابنه، والسماح له بالعودة إلى جبل الأوليمب كساقي له. إلا أنّ زيوس أضاف إلى شراب والده وصفة كان قد أعدّها سابقًا، تحضّه على تقيؤ أخوته، والذين خرجوا من جوف والدهم إلى نور الحياة، ونصبّوا زيوس قائدًا عليهم. ثم نشبت الحرب بين الأب والأبن، واستمرت 10 أعوام، امتلأت بالتحالفات والقتال، وانتهت بقضاء زيوس على والده، وأصبح إله السماء والصواعق، رب الأرباب عند الآلهة والبشر.

سِت المصريّ قاتِلُ أخيه

في الأساطير المصرية، يرجع فراعنة مصر نسبهم للإله حورس، وهو ابن أوزوريس وإيزيس، اثنان من أعظم آلهة التاسوع المقدّس عند المصريين. تبدأ القصة عندما ينجب إله الأرض جب وإلهة السماء نوت أبناءهم: أوزوريس الإله البكر، إيزيس، ست، نفتيس.

أناقة القتل في الاسطورة
التاسوع المقدس عند المصريين

وبحكم البكريّة، أصبح أوزوريس حاكمًا لأرض المصر، وقد أعطى البشر الثقافة والحضارة، وعلّمهم الزراعة، وأعطاهم القوانين، ووجّههم إلى الطرق الصحيحة لعبادة الآلهة. وقد تزوّج من أخته إيزيس المتميزة بقوى الشفاء السحرية، والتي علّمت البشر التعاطف والتسامح، فسادت المساواة بين البشر جميعًا، رجالًا ونساءً، وأصبح  الطعام وفيرًا، ولم يعاني أحدٌ من أي عوز.

لكن وكما يقال لا شيء يدوم، فقد شعر ست بالغيرة الشديدة من أخيه، وفي بعض روايات القصة، يُقال إنّ سِت اشتعل غيظًا بعد أن تنكّرت زوجته نفتيس في زيّ إيزيس وأغرت الملك العظيم، وحملت منه بابنها الإله أنوبيس.

الإله ست قاتل أخيه

على كل الأحوال، قرر ست الإطاحة بأخيه، فصنع نعشًا رائعًا مصممًا وفقًا لقياسات أوزوريس، ثم أقام حفلة كبيرة. وبعد المأدبة، كشف عن الصندوق المذهل، والذي سيقدمه هديةً لأي شخص يتناسب مع قياسه. صعد الضيوف واحدًا تلو آخر إلى النعش لتجريبه، حتى جاء دور أوزوريس. استلقى في النعش، وبالطبع، يناسبه تمامًا. وهنا أطبق ست الغطاء وألقى بالنعش إلى نهر النيل. طفى النعش على نهر النيل حتى وصل إلى مدينة جبيل في فينيقيا.

أناة القتل في الاسطورة
ست يخدع أوزوريس ويضعه في النعش

وفي تلك الأثناء في مصر، اغتصب سِت الحكم، وفُقِد التوازن والنظام الذي ساد في حكم أوزوريس وإيزيس، بل وانتشرت العواصف والجفاف، وانقلب الناس على بعضهم البعض، بالمختصر، حلت الفوضى محل النظام.

بحثت إيزيس عن جثة زوجها في كل مكان، حتى وجدته في جبيل، فأعادته إلى مصر وأخفته بمساعدة أختها نفتيس في مستنقعات دلتا النيل، ريثما تجد الأعشاب اللازمة لإعادة إحيائه. لكن ست يجد الجثة، فيقطعها، ويلقي أجزاءها في جميع أنحاء مصر.

مرةً أُخرى، تحاول إيزيس العثور على أجزاء أوزوريس وتجميع جثته علّها تستطيع إحيائه، وهو أمرٌ لم تستطع تحقيقه، لأنّ جزءًا من جثته بقي مفقودًا. وبسبب عدم اكتمال جسده، لن يستطيع السيطرة على الأحياء إن عاد للحياة، لذا يذهب إلى العالم السفليّ ويصبح سيد الموتى وقاضي النفوس، لكنها استطاعت قبل نزوله إلى العالم السفليّ، أن تحمل منه بابنها الإله حورس.

أناقة القتل في الاسطورة
الإله حورس

بعد أن كبر حورس، طالب بحقه بالحكم. لذا أمرت الآلهة بتنظيم منافسات بين حورس وست، انتهت هذه المعارك جميعها والتي استمرت لأكثر من 80 عامًا بفوز حورس، أما مصير سِت، فيقال في بعض الروايات أنّ حورس طرده من الأرض، وبعضها يقول أنّه قُتل في إحدى المعارك.

في حين أنّ نسخة أُخرى من الأسطورة تقول أنّ إله الشمس رع قد تبنّى سِت بعد هزيمته، فأصبح الرعد في السماء، ليؤمن حماية رع من الثعبان الشرير أبوفيس أثناء سفر الشمس ليلًا عبر العالم السفلي.

ميديا تقتل أطفالها

تقول الأسطورة الإغريقية أنّ ميديا كانت ساحرةً وعرافة ذات نسبٍ إلهي، فجدها هيليوس إله الشمس. تبدأ القصة عندما تلتقي ميديا بالفتى جيسون وتقع في غرامه، لذا تساعده في الحصول على الصوف الذهبي من والدها أيتس ملك كولخيس.

تتزوج ميديا من جيسون ويهربا معًا. يطاردهما والدها، لذا تقوم بالتعاون مع زوجها على قتل شقيقها أبسيرتوس، وتقطيع جثته أشلاء ورميه في البحر، كمحاولةٍ لكسب الوقت وتأخير والدها. وعندما يصلا إلى اليونان، يطلب جيسون مساعدتها للانتقام من عمه بيليا (بيليوس) الذي قتل أباه وأخاه في غيابه، وبالفعل تقتله.

أناقة القتل في الاسطورة
ميديا تقتل أطفالها

يصل العاشقان إلى كورينث، ويستقران هناك مع ابنيهما. لكن جيسون يخونها مع ابنة الملك كريون، ملك كورينث. يتملّكها الغضب، فتقتل الملك وابنته، وتقتل طفليها انتقامًا من جيسون. ثم تلجأ إلى ايجوس ملك أثينا، بعدما أرسل لها جدها هيليوس عربة تجرها تنانين ضخمة. تتزوج ايجوس، وتحاول تسميم ابنه ثيسيوس، لكنها لا تنجح، فتهرت إلى منطقة ما في آسيا.

وعندما تكبر، تذهب إلى هيليسيا بيديا، وتتزوج أخيل وأصبحت من الخالدين أبدًا.

اقرأ أيضًا: هل ما زال العقل البشري مرتبطًا بالأسطورة؟

لماذا تقتل الآلهة؟

يمكن القول إنّ الآلهة سابقة الذكر لا تقدّم أفضل نموذج يمكن أن يحتذى به لعلاقة صحية بين أفراد العائلة، صحيح!

لماذا ينبغي أن تكون عملية الخلق في الأسطورة خاصةً في البابلية والإغريقية قائمةً على ذلك العنف؟ فإن كانت الآلهة الأولى (التي قُتلِت على أيدي أطفالها) هي آلهة الشر الذي يجب التخلص منه، فهل يسبق أصل الشر أصل الأشياء؟

الفوضى (التي تمثلها تعامة، أورانوس، كرونوس) تسبق النظام (يمثله مردوخ، زيوس)؟ في هذه الحالة، الشر موجود قبل الخير. والعنف، وهو الحل الذي يلجأ إليه الآلهة الآباء لحل مشاكلهم مع الأبناء، هو عنفٌ متأصلٌ في الألوهية. إذًا، الشر مكوّن لا يمكن القضاء عليه في الحقيقة المطلقة، ويمتلك أولوية وجودية على الخير!

هل اعتقد أجدادنا عندما كتبوا تلك الأساطير أنّ الشر ببساطة هو حقيقة أساسية. أصلنا هو العنف، والقتل في دمائنا. هل اعتقدوا أنّ الإنسانية ليست منشأ الشر، بل هي تجد الشر موجودًا بالفعل، وفقط تديمه.

وفي هذه الحالة، يصبح القتل فعلًا أنيقًا يمر غالبًا دون عقاب في دراما الخلق، إذ لا مشكلة في قمع عنيف للأنثى (تعامة)، وانعكاسه على الحياة الاجتماعية من خلال اضطهاد الرجال للنساء. ولا مشكلة في قتل الأب لأبنائه، وقتل الابن لأبيه في حرب مقدسة، وقتل الأخ لأخيه، وانتقام عبر الحرب دون كلمة فصل من الآباء تبين الحق. والخلود فقط عقوبة أم قتلت أطفالها في نوبة غضب غيرة على زوجها!

اقرأ أيضًا: ألغاز وأسرار من حضارات الشرق الأوسط القديم لم نستطع فهمها حتى اليوم: من سومر كانت البداية

القتل في التاريخ البشري، دم وبؤس

إن كانت الآلهة تقتل بعضها، فلم العتب على البشر! لكنّ القتل عند البشر ليس بتلك الأناقة، وليس بذلك المجد، بل هو جريمة لا تغتفر، ووصمة عار لن تمحى أبدًا. ففي التاريخ البشري أحداث دموية قُتِل فيها الملايين من البشر، على اختلاف أسبابها، سواء كانت حروب فتح، أو نزاع عائلي، أو صراع ديني، أو حروب هيمنة، أو تطهير عرقي، أو استعمار، أو حروب أهلية، وغيرها من الأسباب. في المحصلة، تموت الملايين من البشر ظلمًا.

أناقة القتل في الاسطورة
الحروب الطاحنة

على سبيل المثال، في العصور القديمة، سببت حروب وسقوط الدولة الرومانية موت ما يقارب 7 ملايين شخص، كما سببت حروب ممالك الصين موت ما يقارب 4.1 مليون شخص، بالإضافة إلى أنّ ألعاب المصارعة التي كانت تُجرى في تلك الأزمان بهدف التسلية سببت موت 3.5 مليون شخص.

في العصور الوسطى، قام جنكيز خان بتوحيد قبائل المغول وغزا فيها بلدان آسيا، وقتل ما يقارب 40 مليون إنسان، أي أنه أباد أكثر من 10% من سكان الأرض في تلك الأيام على أقل تقدير. كما سببت تجارة العبيد على طول الساحل الشرقي لإفريقيا في القرنين السابع والتاسع عشر موت ما يقارب 18.5 مليون إنسان. وأيضًا، اجتاح تيمور خان آخر الغزاة المغول آسيا الوسطى وقتل بوحشية حوالي 17 مليون إنسان.

في عصر النهضة، أدى سقوط سلالة مينغ في الصين إلى موت 25 مليون إنسان، كما سببت الحرب المدعوة بحرب الثلاثين عامًا بموت 7.5 مليون إنسان، وأدى احتلال الأوربيين للأمريكيتين إلى موت 15 مليون إنسان.

في عصر التطور الصناعي وصعود الدول القومية، أدى الاستغلال الاستعماري واقتصاد عدم التدخل الذي فرضته بريطانيا على الهند إلى موت 27 مليون إنسانًا جوعًا، كما مات في حروب الكونغو حوالي 10 مليون إنسان، حروب نابليون بونابرت أدت إلى قتل 4 مليون شخص.

وفي العصور الحديثة، أدت الحربان العالميتان الأولى والثانية إلى موت 81 مليون إنسان، كما أدت بعض القرارات التي اتخذها ماو تسي تونغ زعيم النظام الشيوعي الصيني إلى موت حوالي 40 مليون إنسان ما بين مجاعة وإعدام وغيره. كما تسببت المجاعة العقابية التي فرضها جوزيف ستالين على شعب أوكرانيا إلى موت 20 مليون إنسان. حرب فيتنام قتلت 4.2 مليون شخص، الحرب الكورية 3 مليون شخص، حرب السودان 2.6 مليون.

يمكننا أن نكتب مئات المقالات عن الأحداث الدموية التي سببها البشر لبعضهم البعض، وقتلوا فيها بعضهم البعض، لكن ذكرنا القليل منها لإيصال الفكرة فقط. والسؤال، لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟

لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان

لماذا يقتل البشر؟

إن لم تكن أيها القارئ العزيز موافقًا على أنّ العنف متأصل في الألوهية، عليك أن تعلم أنه بالتأكيد متأصل في الجينات البشرية! إنّ العنف والحرب جزءٌ من الطبيعة البشرية، وجزءٌ من تكويننا البيولوجي.

في إحدى الدراسات الحديثة والتي أجريت على 1024 نوعًا من الثدييات بغية تحديد النوع الأكثر شراسةً وفتكًا من باقي الأنواع، وجدت أنّ نسبة الوفيات في الأنواع المدروسة والناتجة عن قتل الأفراد لبعضهم البعض في نفس النوع تكون 0.3% من متوسط الوفيات الكليّ لهذا النوع، في حين أنّ معدّل العنف المميت في نوع الإنسان العاقل أعلى من باقي الأنواع بـ 7 مرات.

يمكن إرجاع أسباب هذا العنف عند البشر إلى أسلافنا من الرئيسيات، وهم مخلوقات عنيفة بشكل استثنائي، تقتل بعضها البعض بمعدل 2.3%، كما نفعل نحن أيضًا. تشير هذه البيانات إلى أنّ التكرار المستمر للقتل والحرب والعنف عبر التاريخ المسجل وعصور ما قبل التاريخ في جميع الحضارات البشرية له جذور ضاربة في شجرة تطورنا.

جزئيًا، يبدو أنّ أسباب هذا القتل الذاتي المتفشي تتعلق بأدمغتنا الكبيرة والإدراك الواعي، والتواطؤ والتآمر باستخدام هذه القوة العقلية الكبيرة، لكن وبشكل أساسي فإنه ينتج عن جانبين رئيسيين آخرين للإنسان العاقل والرئيسيات الأُخرى، وهي العيش في مجموعات اجتماعية، والسلوك المكانيّ الشرس أو الإقليمية (نمط سلوكي يظهره الحيوان عند إنشاء أراضيه والدفاع عنها).

يرتبط العنف القاتل عند جمبع أنواع الثدييات ارتباطًا وثيقًا بهذين العاملين، ووجود هذان العاملان معًا يسبب عنفًا مضاعفًا. على سبيل المثال، تعتبر الحيتان كائنات اجتماعية جدًّا، لكن لديها معدلات منخفضة جدًّا من العنف القاتل، كونها لا تتمتع بالسلوك المكاني على الإطلاق.

إذًا نحن مهيأون من الناحية التطورية والوراثية للاندفاع في أعمال عنف مميتة. لكن وبالمقارنة مع الحيوانات الأُخرى، فقد وهبت البيولوجيا نوعنا شيئًا استثنائيًا، فالدارات العصبية الخاصة بالعنف والتي تجعلنا ننفجر غضبًا وعنفًا، تقع عميقًا في الدماغ تحت القشرة الدماغية حيث ينشأ الوعي. يمكن للفصوص الأمامية للدماغ كبح دارات الغضب هذه التي نتشاركها مع الثدييات الأُخرى، لكن هذه السيطرة الواعية لدوافعنا العنيفة هي أبطأ من دارات العنف المتفجر في أعماق دماغنا.

أي أننا نستطيع عند التعرف على محفزات العنف المتأصلة فينا بيولوجيًا وجزئيًا أن نشرك الجزء الذي يميز دماغ الإنسان عن باقي الثدييات الأُخرى، وهو الدماغ الأمامي، في كبح العنف المفاجئ. أي يمكن لدارات مقدمة الدماغ إلى دارات اكتشاف التهديدات أن تكبح العنف المفاجئ والعدوان، وذلك في حال تمهل الإنسان جزءًا من الثانية للتفكير، سواءً كان على الطريق، أو في المنزل، أو داخل المجتمعات أو الدول أو في حالة حرب.

وعندما درس الباحثون كيفية تأثير أنواع المجتمعات البشرية على معدل القتل، وجدوا أنّ العنف المميت كان شائعًا في المجتمعات المنظمة في قبائل، وأنّ العنف الشديد شائع في المشيخات. في حين أنّ العنف قد انخفض في المجتمعات التي تديرها الدولة، وذلك لأنّ المنظمات الاجتماعية والسياسية للسكان في المجتمعات التي تديرها الدولة تعمل على تثبيط النزعة الفطرية والميول الوراثية عند الناس لقتل بعضهم بعضًا.

في الحقيقة، استطاعت الدولة منذ نشوء المدن الأولى التفريق بين مفهومي العنف والحرب، والسيطرة على العنف من خلال إقناع الشعب أنّ العنف الذي أقرّته الدولة فقط، وبواسطة الآلهة، هو العنف الشرعيّ المسموح به فقط. أي يمكن القول إنّه حتى في الحضارات الأولى، نشأت علاقة حميمة بين النخب السياسية ومؤسسات الدولة والدين، والتي استمرت في أجزاء كثيرة من العالم حتى العصر الحديث. وهذا يعني أنّ الدول غالبًا ما تستخدم الدين لتطالب الآلهة بالموافقة على العنف الذي ترغب به الدولة.

اقرأ أيضًا: أهم كتب تلخص لك تاريخ البشرية أو جزءًا منه بإيجاز

0

شاركنا رأيك حول "بين أناقة القتل في الأسطورة ودموية التاريخ البشري: المجد للآلهة والخزي لبني البشر!"