الحدس
0

حتى إن كان ما نشاهده من سيناريوهات سينمائية ودرامية يدور وراء الشاشة، فلا أظنه يبتعد كثيرًا عما يحدث بواقعنا الفعلي، فكلها حكايات مستوحاة من القصص الحياتية، حتى وإن كانت بعض الأعمال تبحث بشكل أو بآخر عما يحدث في العالم غير المرئي، إلا أنها تعود دائمًا لبؤرة أفكارنا التي تدفعنا في كثير من الأحيان لقول بأنه من المنطقي ألا نعي دائمًا ما نمر به.

ما أقصده بشكل واضح هي تلك الحدوتة بعنوان “بعيش فيك” التابعة لواحدة من حلقات مسلسل “نصيبي وقسمتك“؛ والتي بدأت أحداثها المثيرة بعد وفاة بطل القصة، وكأن روحه ما زالت تتواصل مع الآخرين بهدف أن يوصل لهم رسائل معينة، منها عندما كان يهمس لزوجته أحيانًا وأمه أحيانًا أخرى من أجل اللحاق بابنه الذي كان على حافة السقوط من شرفة المنزل، إلى أن جاءت الجدة ولحقت به على الرغم من عدم علمها مسبقًا بما كان يفعله إلا أنها في لحظة معينة شعرت بالخطر، حتى أنها أقرت فيما بعد بأن ابنها المتوفى ووالد هذا الطفل هو من حثها على ذلك، ثم ها هو ثانية يهمس لزوجته باسم صديقتها التي أعلمتها فيما بعد عن ما نحن بصدد الحديث عنه وهو اتصال الأرواح…

ولكن قبل البدء أود أن أنوه بأنني لا أكتب في الموضوع كونه يختص بعالم الأرواح سواء كان أصحابها موتى أو أحياء، ولست بعالم أو داعية لديه شيئًا يؤكده أو ينفيه، وإنما كل ما يهمني هو البحث من منظور علمي وفلسفي حول ما يحدث لنا بشكل فجائي وما يسببه العقل من حيرة بين ما نشعر به مسبقًا وما تؤول إليه الأمور فيما بعد.

إحساس يليه أفكار وتوقعات ثم يكون المشهد ليؤكد لنا الفعل الأول

والآن لترجع بذاكرتك إلى الوراء حيث كان يتملكك شعور راسخ وإحساس يقينيّ بأنك ستقابل شخصًا ما أو أن هناك شيئًا على وشك الحدوث، وبالفعل قد تمت الواقعة وربما للدرجة التي تدفعك لمستوى الجنون، أما سؤالي هو: هل هذا ينم عن التخاطر الروحي والحاسة السادسة أم ماذا؟!

حسنًا؛ أظن للأمر علاقة بما كتبته “باولا بيرن” في صحيفة “ديلي ميل” عن امتلاكها هي وزوجها الحاسة السادسة، واقتناعها التام بأنهما توأم روح، وذلك لما يحدث من اتصال خواطر بينهما على الرغم من بُعد المسافات، حتى أنهما في أغلب الأوقات يتشاركان نفس الفكرة ونفس الفعل عندما يهم كل منهما بالتقاط الهاتف والاتصال بالطرف الآخر في نفس اللحظة.

ربما تحدث هذه الأمور للكثيرين مما يعني أنهما ليست قاعدة استثنائية، ولكنها أضافت بأن هذا التخاطر الغريب بينها وبين زوجها والذي لا يمكن تفسيره ربما هو الأقرب صحة لأسطورة “التوأم الضائع” لأفلاطون، بما يجذبنا للبحث أكثر حول الأمر!

اقرأ أيضًا: أغرب عشرة ألغاز طبية محيرة !

الحدس: خرافة مصطنعة أم للميتافيزيقيا رأي آخر؟

لا شك أن الجميع على دراية بما يسمى الحدس، وأظنه المصطلح الأقرب تشبيهًا لذلك الصوت الذي يحدّث ذاتنا الأصلية بشكل غير إرادي وغير ملموس، وربما يأتيك على هيئة صور ومشاهد مرئية وكأنها مسلسل تتابعه، وبالفعل هذا ما نعنيه بالحاسة السادسة، وإن كان صحيحًا أنها ليست بقوة الحواس الخمس الأخرى، إلا أن الكثير من الآراء تنفي كونها خرافة مصطنعة، طالما العقل وما يحويه من شبكة الأعصاب وما يرسله من إشارات وردود أفعال لا يزال لغزًا، حتى أن ما يلفت انتباهك إلى هذا الحدس هو استخدامه لمهارات تلك الحواس الأخرى.

يمكن تفسير الأمر أيضًا على كون الحاسة السادسة أو ما نسميه بالحدس هو ذاك الصوت الذي يتواصل مع أرواحنا، حتى أنه كلما انجذبنا إلى شخص ما أو شيء ما بدون دافع، حينها يمكن التأكد بأن الروح هي من تحاول إرشادنا.

منذ زمن ليس ببعيد كانت الأبحاث حول الحاسة السادسة مهمشة إلى حد كبير، ولكنها تتزايد الآن أكثر من أي وقت مضى، لتدعم نظرية أن هناك ما يتعلق ويغيب عن هذا الموضوع للدرجة التي تجعلنا غير مستعدين بعد للاعتراف به، فلربما هناك رابط لم نجده سابقًا بيننا وبين العالم حولنا، وهو ما يعيدنا ثانية لفهم العلاقة بين تلك الحاسة وعملية اتصال الأرواح.

ما ندركه بالحاسة السادسة أو الحدس وعلاقتها بالاتصال الروحي

الحدس

ربما تلك الحاسة هي ما تدفعنا لكشف الستار الذي يبدو وكأنه عازل بين عالمنا الطبيعي وعالمنا الروحي، كما هو الحال في فيلم الحاسة السادسة “The Sixth Sense” حيث تدور الأحداث حول الطفل “كول سير” الذي كان يحاول التخلص من الأشباح التي تطارده، ولكن عندما ظهر الطبيب النفسي “مالكولم كرو” بدأ الطفل في سرد الأحداث بشكل تفصيلي، حتى أن الطبيب بداية الأمر شخص حالته على أنها هلاوس بصرية وانفصام في الشخصية، إلا أنه نهايةً استطاع أن يكون بمثابة القوة الروحية التي تحرك الطفل على التواصل مع تلك الأرواح، ليعلم أنها لا تريد إيذاءه كما كان يتوقع وإنما هي بحاجة لمساعدته.

وفي نفس اللحظة أدرك الدكتور كرو بأنه أيضًا روحًا مثل تلك الأرواح وأن الطفل كول هو فقط من كان قادرًا على رؤيته والتواصل معه. فهذه المشاهد والأحداث كلها وإن كان يرى الجميع بأنها تتناول قصص الأشباح وعوالم ما وراء الطبيعة، إلا أن الفيلم له بُعد آخر من منظور علم النفس، فهو يجسد أهمية الحدس لفهم ما يخيفنا لمحاولة إقامة علاقات سليمة، وهو ما يقودنا للتالي.

يبدو أن الحاسة السادسة وقدرتنا على الإدراك الدقيق هي ما تجعلنا نفهم العلاقة الكامنة بين السبب والنتيجة جراء العديد من الأحداث، التي تفوق فهم العقل والفكر والحواس الأخرى، فالأمر أقرب بكون عقولنا تعمل في حقول ممتدة إلى أبعد من رؤوسنا بكثير حتى أنها تتخطى عالمنا لتصلنا بأشخاص آخرين بحسب تشبيه بعض العلماء، وبما أننا جميعًا جزء من إنسانية مشتركة فإن هذا الاتصال دائمًا ما يكون بين الأشخاص المترابطين بشكل قوي على المستوى الروحي وليس على مستوى الشخصية حتى وإن بعدت المسافات.

اقرأ أيضًا: CMS4: ألغاز العقل، كيف تربح عبر التلاعب برأس أحدهم؟

اتصالات الروح: علاقات عميقة من نوع مختلف

أظن أن الوقت الحالي هو ما يدفعنا للتمسك بالعلاقات الروحية، حيث أنها الأعمق وسط مجتمعات باتت تغلب عليها علاقات أشبه بتصادم السيارات، ليس فيها من الحب والوضوح ما يجبرنا على التواصل بشكل مستمر، وعلى الرغم من  أننا نحب أقاربنا بالدم إلى حد كبير ونتشارك معهم الكثير من الأفكار ونشعر تجاههم بالألفة، إلا أنه ليس من الضروري أن نكون مرتبطين على المستوى الروحي.

هذا الاتصال الروحي يحدث فقط عندما يشعر شخصان بأنهما مرتبطان بطريقة غير عادية، إنه تواصل من نوع آخر يفوق حدودنا وحدود عالمنا، وحتى أنه لا يمكن مقارنته مع تلك التقنيات الحديثة التي يتم بها نقل المعلومات بشكل متعمد من جهاز لآخر، بل إنها ما تدعمنا لنكون دائمًا على حقيقتنا، واستخدامنا الحدس هو الطريقة الأوحد للقيام بهذا، وذلك لأنه بمثابة القوة الحقيقية التي تحدّثك من الداخل، كما لا يخرج أيضًا من كونه الشعور الغريزي غير القابل للتفسير والذي يخبرك بأن تقدم على فعل ما أم لا، وإن كان يصعب على معظمنا مواجهته أو حتى الاستماع إليه.

اقرأ أيضًا: أبرز 6 ألغاز تحيّر البشرية.. ومازالت مجهولة!

ليست حكرًا على الأحبة فحسب، وإنما هي للجميع

لا يقتصر التخاطر الروحي على الأحبة فحسب، وإنما يمكن وجوده بين الجميع رجالًا ونساءً وأطفالًا. يمكن أن تكون تلك الشراكة مع شخص عرفته عن قرب مدى حياتك كالأخ أو الصديق، أو ربما مع شخص بالكاد عرفته لفترة قصيرة كما يحدث في الحياة المهنية، حيث يمكن أن نطلق على من قدموا لنا الدعم سواء على المستوى المهني أو العاطفي وبالطريقة التي نحتاجها لتحقيق ما خططنا له على هذه الأرض “رفقاء الروح”.

وإن كان هذا المصطلح فيما معناه لا ينبغي بأن يكون بتلك السهولة التي تجعله يتردد على ألسنة الكثيرين، إلا أن الشراكات في جوهرها هي ما تنسج حكايتنا معًا بخيوط الجمال وبشكل معقد إن جاز التعبير، فلا أحد منا يستطيع أن يكمل قصته بمفرده.

الأحلام… الصدف… هل هي إشارات أم مجرد وهم؟

الحدس

كان يُعتقد قديمًا في الثقافات المصرية واليونانية أن الأحلام هي رسائل الأرواح، والتي اعتبرها الأقدمون مدخلهم الأساسي في فهم أعلى مستويات الوعي، وحتى أيامنا هذه ستجد معظم المعالجين يفسرون الأحلام بأنها تلك الحقائق المهمة التي تخبرنا عن مصيرنا وواقعنا، أما بالنسبة لعلماء النفس في الغرب فيتفقون على كون الأحلام طريقة العقل اللاواعي في فهم الواقع، وربما هي انعكاسات لمشاعرنا الداخلية الحقيقية التي لا نعلمها حتى نحن عن أنفسنا.

وعلى هذا فنادرًا ما يتم فهم الرسالة الحقيقة التي تحاول أحلامنا نقلها إلينا، حتى أن الرموز والصور المكونة للحلم تختلف في سياقها ومضمونها بصورة شخصية للغاية من فرد لآخر.

أما بالنسبة لتلك الأحداث التي بدت وكأنها تسير بشكل غير طبيعي، وكثيرًا ما تأخذ مسمى الصدفة عند البعض، ولك أن تتفق أو تختلف مع هذا، إلا أنه يمكننا إدراكها تحت عنوان يفضله آخرون، وهو التزامن الذي يعبر عن مصادفات ذات مغزى، وكأنه ذلك التزامن الذي يتماشى مع مشاهد عالمنا الداخلي وعالمنا الخارجي في نفس اللحظة ليخبرك بأنك على الطريق الصحيح، بما يعيدنا للتفكير بأن الحياة وقوة أعلى لها دور لا يمكن إغفاله عند تحقيق هذه الأحداث والتطلعات، وربما هي ليست صدفة كما يعتقد البعض وإنما هي التطابق الذي يحدث عند تلاقي أفكارنا وأقدارنا في نهاية النفق.

ربما طاقات الحدس والتواصل هي ما تجعلنا على ما نحن عليه الآن، فلا أحد يعلم حقًا ما يحدث في الكثير من الأحيان، لأننا وبكل بساطة لا نملك سوى تلك الأدلة الصغيرة حول الدماغ والعقل اللاواعي، كما لا أعلم إن استطعت من خلال هذه المقالة أن أتشارك ما يدور داخل عقول الكثير منا، ولا نعلم ماهيته بعد، إلا أن البحث والكتابة حول هذا يحتاج الكثير والكثير من المجلدات، لذا؛ لا مانع إن استطعنا جميعًا مشاركة التجربة…

اقرأ أيضًا: النضج الفكري بعيدًا عن النمو العقلي: كيف تحكم على نفسك بأنك ناضج فكريًّا؟

0

شاركنا رأيك حول "ما بين التوقعات وأحداث الواقع: هل هي قوة الحدس الذي يتملكنا أم أنه التواصل الروحي المزعوم؟"