حماية فريق العمل من الإرهاق
0

الزمان: ليل داخلي.

المكان: غرفة نومي التي كثيرًا ما أستغلها في الكتابة.

الحدث: صوت وصول رسالة على Messenger، تحديدًا على مجموعة العمل الخاص بموقع أراجيك، والذي يتم تنظيم وتوزيع العمل من خلاله..

قرأت الرسالة وكانت من مديرة التحرير أ/ نجوى، بدون ذكر أسماء- قرأتها من الخارج دون أن أدخل على المجموعة لكي لايظهر اسمي من ضمن الأسماء التي قرأت الرسالة في المجموعة، وتصورت في البداية أن الرسالة تتضمن سؤالًا عن أحد المقالات التي يجب أن يتم تسليمها، ولعله يكون المقال المكلف أنا بكتابته، خاصة وأن موعد التسليم الخاص به قد اقترب جدًا، ولذلك قرأت الرسالة متوقعًا أو بالأحرى متوجسًا ذلك، وبالفعل كان مقالي هو المقال المقصود..

تحول هذا التوجس لفرح بعد أن قرأت الرسالة والتي كان مضمونها تأجيل موعد التسليم عن الموعد المقرر، والسبب أن الفترة التي كان من المفترض أن أكتب خلالها المقال تخللها يوم إجازة، ففي لفتة جميلة جًدا على قدر بساطتها جدًا، كنت سعيدًا بها جدًا، خاصة أنها جاءت بعد تخوف من استعجال المقال، دخلت المجموعة لكي أقرأ الرسالة بطريقة شرعية ليظهر اسمي بين من شاهدوا الرسالة، وهممت بكتابة رسالة شكر وعرفان لأستاذة نجوى ثمـــ…… استيقظت من الحلم!

نعم، كان هذا حلمًا، أو على ما يبدو كان حيلة نفسية دفاعية ناتجة عن ضغط ومسؤلية موعد التسليم، والتخوف من تبعات عدم الالتزام به، وبشكل ما، سبب هذا “إرهاقًا” نفسيًّا تم تفريغه لا إراديًّا في صورة حلم حققت فيه ما أتمناه في الواقع.

وفي الواقع، نبهني ذلك إلى مسألة مهمة، وهي دور المدير في حماية فريق عمله من الإرهاق، الإرهاق الذي لا يتمثل فقط في الإرهاق البدني، بل والنفسي كذلك، الناتج عن الضغوط المختلفة صورها في بيئة العمل، أي عمل وأيا ما كانت طبيعته..

لذلك، ومن موقعي هذا، قررت الفضفضة عن بعض أمنياتي التي آمل أن تصل المديرين والمسؤولين عن أي فريق عمل، لعل هذه الفضفضة تجد بعض “الطبطبة” منهم، ونكون أنا وأعضاء كل فريق عمل “لقينا الطبطبة”.

اقرأ أيضًا: في معنى العمل والجوهر الحقيقيّ له: لماذا يعمل الإنسان؟

فضفضة رقم 1: الإجازة المدعومة

لا تحتاج الكثير من الشرح، فقد سبقت الإشارة إليه وأنا أسرد تفاصيل الحلم ودوافعه، فالكثير منا يحصل على الإجازات، سواء كانت إجازة نهاية الأسبوع/ أو كانت إجازة طويلة. والكثير منا كذلك لا يستمتع بها كاملة، أو لا يستطيع الفصل التام بينها وبين جوانب العمل ليركز على تفاصيل حياته الأخرى، فيجد نفسه مضطرًا لمتابعة البريد الإلكتروني مثلًا، أو مضطرًا لتلقي مكالمات متعلقة بالعمل، أو بشكل ما يجد نفسه- ومن موقع المسؤولية- مضطرًا لمتابعة سير العمل لبعض الوقت متجنيًّا على إجازته، التي من المفترض أن تكون مدعومة بفصله تمامًا عن تفاصيل العمل، لكي يعمل بأقصى طاقة عند عودته من إجازته..

حماية فريق العمل من الإرهاق

مثلًا، شركة Daimler الألمانية لتصنيع السيارات، أطلقت برنامج “Mail on Holiday” والذي يحذف رسائل البريد الإلكتروني الواردة للموظف تلقائيًا أثناء إجازته، لكي يتمكن من قطع الاتصال ببيئة العمل خلال إجازته بشكلٍ كامل..

قد يدور في أذهانكم أعزائي القراء تساؤل..

“ثم ماذا بعد؟!.. ألا تعرف Daimler أن ذلك سيؤثر حتمًا على مصلحة العمل؟”

والإجابة أنها طبعًا تعرف، لذلك فإن البرنامج يخطر المرسل بأنه تم حذف البريد الإلكتروني بالفعل، وتمنحه أحد خيارين، إما التواصل مع زميل آخر، أو إعادة إرسال البريد الإلكتروني عندما يعود الموظف إلى المكتب.. ويقودنا برنامج Mail On Holiday، إلى فضفضة رقم 2.

فضفضة رقم 2.. توسيع البرامج المساعدة للموظفين

دخلت على تطبيق Arageek interaction الموجود على هاتفي المحمول لكي أعرف مدى تفاعل القراء مع آخر مقال كتبته، بدلًا من الدخول في كل مرة على الموقع واستهلاك الوقت في البحث بين المقالات عن مقالي، خاصة وأن عملية البحث تصعب كلما مر الوقت على نشر المقال، وتفاعل القراء مهم بالتأكيد، وإلا فلمن نكتب؟!..

كل ما علي فعله عند استخدام التطبيق هو كتابة عنوان المقال، ليقودني التطبيق إلى صفحة توضح انطباعات القراء من خلال الـ Reacts والتعليقات، علاوةً على ذلك، فهذا التطبيق يقوم بتصنيف التعليقات من تلقاء نفسه إلى تعليقات سلبية وأخرى إيجابية، وفي مراجعتي الأخيرة، لاحظت أن التعليقات السلبية عددها أكبر من الإيجابية وسارعت بالدخول على هذه التعليقات السلبية لقراءة مضمونها، ثمـــ…… استيقظت من الحلم!

كان هذا حلمًا أيضًا، فلا يوجد في الحقيقة تطبيق يقوم بهذه المهمة، وأتابع تفاعل القراء بشكل عادي وطبيعي على المقالات، والعملية ليست مرهقة كما كنت أشعر في الحلم، ولكن الحلم يعبر عن أمنية قد تبدو ساذجة- كأحلامي بشكل عام- وفي نفس الوقت تعبر عن أهمية وجود برامج ومزايا لو وجدت في بيئة العمل ستساعد الموظفين بكل تأكيد في توفير مناخٍ يساعد على تحقيق نتائج أفضل..

وبالتأكيد أعزائي القراء قد صادفتم خبرًا عن شركة في اليابان- فغالبًا ما تأتي مثل هذه الأخبار من كوكب اليابان– عن شركة يابانية وفرت أماكن مخصصة للنوم في بيئة العمل وقت القيلولة “وهو خبر حقيقي بالمناسبة”.

أو كما فعلت شركة Aetna، التي تقدم دروس اليوغا والتأمل لموظفيها بشكل مجاني..

هذه البرامج ومثيلاتها والتي من شأنها إشعار الموظف بقدر معقول من الرفاهية، تحقق أثرًا إيجابيًّا على طاقته وعلى ناتج عمله وقدرته على الاستمرار.

فضفضة رقم 3.. تعزيز ثقافة الاعتراف

هنا يقودنا أمر غاية في بساطته إلى غاية عظيمة في أثرها على نفسية الموظفين ودوافعهم، يتمثل هذا الأمر في كلمة واحدة، وهي كلمة “شكرًا”.

عمليًّا، تنتشر عندنا في مصر مقولة “التقدير خسّرنا كتير” وهو اعتقاد خاطئ، ومقولة تعبر عن الخذلان الذي يمر به قائلها في موقف معين قام فيه بتقدير أحدهم ولكن تقديره قوبل بالجحود بشكلٍ ما، والحقيقة أن “التقدير ماخسّرناش كتير ولاحاجة” فنحن نستطيع عمل المعجزات فقط إذا وجد التقدير، ولو بحثنا في تفاصيل حياتنا ومواقفها سنجد أنفسنا قدمنا الكثير والكثير دون أي مقابل سوى عبارات الامتنان- عبارات الامتنان فقط-  التي نتلقاها في مقابل ما نقدمه للغير.

وعلميًّا، ذكر ثلاثة من كل 10 من المشاركين في أحد استطلاعات الرأي “نقص الدعم أو الاعتراف من المدير” يسبب إرهاقًا نفسيا لا سبيل لإصلاحه سوى طريقة واحدة، وهي تشجيع مختلف الموظفين على قول “شكرًا” عندما يؤدي الزملاء والرؤساء وظائفهم بشكل جيد. تظهر الأبحاث أن الشركات ذات الثقافات عالية الاعتراف تستفيد من معدل دوران أقل وأداء أفضل، ربما جزئيًا، لأن البيئات تشعر بأنها أقل إجهادًا، أو أن تعبيرات الامتنان تمكن الناس من التعامل بشكل أفضل مع المطالب التي يواجهونها.

أذكر فيما أذكر أحد زملائي في شركة كنت أعمل بها ذات مرة قال لي أنه يتوقع زيادة في راتبه بعد ترقية، بعد أن استشعر من تلميحات صدرت من مديره بأن أنباءً سارة في الطريق قريبًا، نصحته وقتها ألا يرفع سقف توقعاته ولا يعتمد على مجرد هذه التلميحات ولكنه لم يستجب، وآل به توقعه إلى جلسة مع مديره أخبره فيها أنه “ابن الشركة” ثمـــ…… استيقظ صديقي من الحلم!

وحسنًا لصديقي أنه كان حلمًا، فالامتنان وثقافة الاعتراف شيء، والوعود التي ترفع توقعات الموظف شيء آخر، يجب للمدير الانتباه إليه.

فضفضة رقم 4.. شكرًا، فلم ينفذ رصيدكم

قد يبدو للوهلة الأولى ارتباط فضفضة رقم 4 برقم 3 لأن عنوانها يتضمن كلمة شكرًا.. ولكن عفوًا، فلا توجد صلة بينهما..

فالمقصود من “شكرًا، فلم ينفذ رصيدكم” هنا مبدأ يجب أن يتصرف على أساسه المدير مع أوجه التقصير وعدم الالتزام التي قد تصدر من الموظف، فلا يجب عليه أن يتعامل مع هذه الأخطاء بشكل آلي، مطبقًا مبدأ الثواب والعقاب بشكل حاد تحت شعار “الاحترافية”، بل يجب عليه أن يضع في الاعتبار رصيد الموظف الإيجابي في إنجازاتٍ سابقة، مراعيًا في تقديره لجسامة الخطأ مدى تكرره من الموظف، أو تعدد أخطائه وتنوعها بشكل عام.

حماية فريق العمل من الإرهاق

في أغلب الحالات يأتي ذلك بنتيجة إيجابية، يكون الموظف معها حريصًا ألا يخطئ، ليس لأن عليه أن يؤدي مهامه على أكمل وجه فقط، ولكن لأن المدير الذي يحفظ للموظف رصيده الجيد ويستثمره لمصلحة الموظف عند تقدير مدى جسامة الخطأ الصادر منه، يخلق بدوره رصيدًا لنفسه لدى الموظف، والذي يترجمه إلى تقدير مقابل من نوع خاص يجعله حريصًا على عدم وضع مديره في موقف محرج بأي شكل كان بسبب خطأ صدر منه.

ملحوظة: لا توجد أحلام في هذه الفضفضة

فضفضة رقم 5.. أنت تصلح لوظائف أخرى

لكي لا يتحول الموظف إلى مجرد آلة، يجب دائمًا تأهيله وتدريبه على برامج أخرى تخرج معها إمكانياته وقدراته- بخلاف مثيلتها في وظيفته الأساسية- فمهما طالت ساعات عمل الموظف، وأتيحت له فرصة التدريب على وظيفة أخرى أعلى تستكشف إمكانيات إضافية لديه، تشعره بفدر كبير من الثقة، فسيخوض تجربته التدريبية بحب وشغف، حتى ولو كانت بعد ساعات العمل في وظيفته الأساسية.

فلو صح اعتبار “أنت تصلح لوظائف أخرى” مبدأ يجب على المدير أن يتبناه، فقد تكون “البرامج التدريبية” هي التطبيق العملي لهذا المبدأ.

كذلك يمكن اعتبار تفويض المدير للموظف لأداء بعض مهام المدير، أو إعطاءه بعضًا من صلاحتيه ما دام ذلك كان ممكنًا، سلوكًا يحقق نفس الأثر.

اقرأ أيضًا: كيف تتعامل مع العملاء الصعبين؟ إليك هذه النصائح لتجنب إحباطات العمل

فضفضة رقم 6.. لا يوجد نجم فريق أوحد

“مو صلاح” أو محمد صلاح نجم فريق ليفربول، بقدر ما أفخر بوجوده هناك وبإنجازاته أشفق كذلك على مدرب الفريق يورغن كلوب، لأنه يتبنى ثقافة “الفريق” في نفس الوقت الذي يحتوي فيه فريقه ليفربول على أكثر من نجم، وإدارة هؤلاء النجوم ليست بالأمر اليسير، وتظهر صعوبته في ردة فعل محمد صلاح عندما يتم تبديله في إحدى المبارايات، كما تظهر قدرة وتمكن يورغن كلوب في التعامل مع ردة الفعل تلك، واستيعابها، بعدم التصادم مع محمد صلاح، وبل والإشادة بأرقامه وإنجازاته في مؤتمراته الصحفية بعد المباريات، مشيرًا إلى تفهمه لردالفعل النابع من الحرص على المشاركة وتحقيق المزيد من الأرقام والإنجازات على مستوى المباريات.

تفضيل المدير لأحد أعضاء الفريق تصرف يحتاج بلا شكٍ إلى إعادة النظر من جانب المدير، ويجب أن يكون مبررًا لباقي أفراد فريق العمل، بل ويجب عليه إشراكهم في هذا التقدير ببذل المجهود في إقناعهم بتميز أحد الأفراد، لكي يكون تقدير النجم- أو الموظف المفضل- تقديرًا نابعًا منهم كذلك، وليس نابعًا من المدير وحده، ويكون بذلك تقدير مشترك، في غير إغفال للمميزات التي- وبالضرورة- تتوفر في باقي أعضاء الفريق، حتى لا يتسبب تقديره “الأوحد” هذا إلى غيرة غير صحية في بيئة العمل بما يؤثر سلبًا عليها.

عودة إلى “مو صلاح”، قد لا يعلم الكثيرون أن مورينيو اعتذر لمحمد صلاح، ولمن لا يعرف “مورينيو” كان مدرب صلاح وقت كان في فريق “تشيلسي” الذي كان يعج بنجوم كثر أسماؤهم لامعة، وبرغم أنه كان مؤمنًا بقدرات صلاح، إلا أنه لم يعطه الفرصة الكاملة في المشاركة في المباريات، ولم يتعامل كما يتعامل يورغن كلوب حاليًّا مع نجوم فريقه.

لذلك لم أجد ظهور مورينيو في أحد اللقاءات التلفزيونية يبدي ندمه على تفريطه في محمد صلاح ويناشده أن يقبل اعتذاره ويعرض عليه أي مقابل يريده ليعود إلى  صفوف فريق تشيلسي من جديد مبررًا، ثمـــ……… استيقظت من الحلم!

محمد صلاح ويورغن كلوب

ملحوظة: وهي موجهة للسيدات، نظرًا لقلة معلوماتهن الكروية.. كل ما سبق حقيقي، باستثناء لقاء مورينيو التلفزيوني، فلم يحدث منه في الحقيقة أن أبدى ندمًا أو ناشد صلاح.

فضفضة رقم 7.. إلى الموظفين

هذه الفضفضة إلى أعزائي الموظفين..

لا يجب أن يكون كل شيء على المدير، وليس معنى ما سبق من فضفضة “إلى” المديرين أنه لا يتعين “على” الموظفين أن يقوموا بشيء تجاه الإرهاق الوارد حدوثه في بيئة العمل، ففي النهاية “المدير” و”الموظف” أفراد في “فريق عمل” واحد يسعى كل منهم وفق خطة واضحة ومفهومة إلى تحقيق أهداف مشتركة جميعها مفترض أن تكون في صالح العمل، فيجب على الموظف احترام هذه الأهداف وخطط المدير، وعليه في حالة اختلاف رأيه فيها أو في حالة وجود ملاحظات بشأنها أن يبدي الرأي فيها بشكلٍ لائق، لا يفهم منه التقليل من شأن استراتيجيات العمل، أو التوجهات والرؤى التي يحددها المدير..

فكما طالبنا المدير خلال ما سبق بدعم للإجازات وتقدير وشكر وتأهيل ومراعاة رصيد الموظفين الإيجابي، يتعين على الموظفين كذلك السعي في ذات الطريق بشكل مرن وبطريقة عرض راقية وسلمية.. هي مش خناقة.

أنهيت هذا المقال متجاوزا موعد التسليم بيومٍ كامل.

اقرأ أيضًا: التهم هذا الضفدع على طريقة بريان تريسي: 21 قاعدة لإنجاز العمل بعيداً عن التسويف

0

شاركنا رأيك حول "كمدير لفريق عمل: كيف تحمي فريقك من الإرهاق وتجدد ولاءه للعمل باستمرار"