الاستقطاب السياسي
0

لا يمكن لأحدٍ منا الهروب من واقع الولوج إلى الأحاديث السياسية في أي جلسة جماعية، جلسة الغداء، أو مجرد جلوس شخصين لاحتساء كوبين من القهوة، ترى أنه لا بدّ من التطرق لواقع البلد السياسي واقتراح إصلاحات لأزمة واكتشاف الخلل الذي جعل واقع المتحدث سيئًا، عدا عن أنه غالبًا ما تقوم الصراعات بينك وبين المتحدث بسبب تضارب الآراء، فأنت منحاز إلى الشخص أو لنقل السياسي A، وهو بدوره معارضٌ لهذا السياسي بالذات، وهنا تنشب الصراعات وتصل عند البعض إلى حد المقاطعة والنفور والكره. هذه هي فكرة الاستقطاب السياسي، ولكن سنخصّ في هذا المقال فكرة الاستقطاب السياسي في بيئة العمل، وما يترتب عليها من خلل في العمل.

الاستقطاب السياسي: عندما تتسرب السياسة إلى المجالات غير السياسية

في جميع أنحاء العالم، تغلغلت الولاءات الحزبية في كل جانب من جوانب الحياة، وتعدت ذلك إلى أماكن العمل، لدرجة أنه في الولايات المتحدة، إذا كنت من مناصري ستاربكس، فغالبًا أنت ديمقراطي، أما إذا كنت مائل إلى دانكن دونتس، فأنت جمهوري! في أمريكا، ينظر الجمهوريون إلى الديموقراطيين على أنهم أناسٌ مجانين، مخطئون، وبالمقابل، ينظر الديموقراطيون إلى الجمهوريين على أنهم مخطئون ومضللون! وهكذا الأمر في جميع الدول عندما يتعلق الأمر بالسياسة.

الاستقطاب السياسي

في طرفة بسيطة عن خطورة إدخال السياسة في كل شيء، أُشير إليها في إحدى حلقات المسلسل السوري “ضيعة ضايعة”، كانت الحلقة بعنوان “التهمة سردين”، حيث تضمنت الحلقة التحقيق في ورقة منشور سياسي مكتوب من أحد الأشخاص في الضيعة -هكذا تكهّن رئيس المخفر ومساعده- وما يميز الورقة هو أن رائحتها سردين، ملطخة بعدة نقاط من زيت السردين، وهذا ما جعل المحقِّقَين ييدآن التحقيق بجمع أهل الضيعة ممن أكل السردين، عسى أن يجدوا صاحب الورقة عن طريق جمع الأشخاص الذين اشتروا السردين.

وهكذا بدأ أهالي الضيعة بتنبيه بعضهم البعض أن يخفوا أي أثر للسردين في بيوتهم، فسأل البعض: “شو دحش السردين بالسياسة؟”، وكانت الإجابة من بطلي المسلسل “جودة وأسعد” أن قالا: “سردين وسياسة، تنتين بشغلة وحدة”.. وهي إشارة إلى خطورة ربط السياسة في أي تحرك حياتي في سوريا.

تشير الأبحاث إلى أن السياسية تتعدى كونها “سياسة” فقط، أي تتعدى مجال تبادل الآراء فقط، وتتسرب إلى مجالات الحياة غير السياسية لمجرد النظر إلى الاختلاف في الرأي على أنه ليس مجرد خلاف؛ بل سبب لكره ونبذ الشخص المتبني لتلك الآراء المخالفة لرأي المحاور الآخر. مثلًا، يميل الأمريكيون إلى اعتبار الأشخاص ذوي الآراء السياسية المختلفة على أنهم منافقون بدايةً، وأنانيون ومنغلقون على آرائهم، لدرجة أن غالبية الجمهوريين والديموقراطيين يشعرون أن إمكانية التغلب على الاستقطاب السياسي أصعب من التغلب على الانقسامات العرقية والاقتصادية والاجتماعية..

لنكن واقعيين، هناك تعصب في رياضة كرة القدم -بالنسبة لعاشقيها- لدرجة أن حصلت معارك وشجارات في العديد من المطاعم لمجرد فوز فريق برشلونة على ريال مدريد أو العكس، فما بالك لو كان الأمر خطيرًا كالسياسة!!

اقرأ أيضًا: عندما نضطرُّ للتعامل مع حائط على هيئة إنسان: كيف نخوض معركة الحوار العقيم لنخرج رابحين أو دون خسائر؟

خطورة الاستقطاب السياسي

ما يجعل هذا الأمر بالغ الخطورة ليست فقط فكرة التصرف بمعنى الاستقطاب السياسي، إنما النظرة التي ينظرها المستقطب إلى الآخر الذي يخالفه الرأي، يعتبره عدوًّا بكل المقاييس، تتغير النظرة كاملةً بالنسبة لهذا الشخص ويصبح عبارة عن كتلة من العيوب، كل ذلك بسبب المبالغة في ردة الفعل تجاه الرأي الآخر، عدا عن تشبث كل من الطرفين أكثر بآرائه السياسية بعد النقاش والاحتدام.

السبب الأساسي لذلك هو المبالغة في تقدير مستوى الخلاف بين الطرفين، والتي تؤدي إلى انتشار المعتقدات المتطرفة بينهما، ومدى نظرة كل طرف إلى الآخر بشكل سلبي.

تحيّز الاستقطاب الخاطئ: عندما يتعلق الأمر بالوظيفة المهنية

تحيز الاستقطاب الخاطئ هو ظاهرة عالمية، حيث بينت الأبحاث أن هناك أشخاص من حوالي 25 دولة مختلفة حول العالم أظهروا التحيز في الاستقطاب السياسي، ووُجد أن طبيعة عقليتهم كانت تتقوقع تجاه الطرف المضاد بعبارة واحدة: “نحن ضدهم”، وهذا يدعونا للتفكير: إذا كان الاستقطاب السياسي خطرًا على الأفراد بحد ذاتهم فقط لمجرد بث الخلاف، فكيف سيكون أثره على بيئة العمل إذا كان هناك منحازون سياسيًا؟

بالنظر إلى العديد من الصناعات، يمكن أن يجد الاستقطاب السياسي طريقه في القوى العاملة ببساطة، حتى أن التصورات المبالغ فيها للاختلاف السياسي يمكن أن تزيد بشكل كبير من معدل دوران الموظفين (استبدال الموظف بموظف آخر كل فترة بسبب المشاكل)، وهذا ما يخلق العداء بين زملاء العمل والخوف من إبداء الرأي، فيحاول الجميع إخفاء معتقداتهم التي قد يُنظر إليها بشكل سلبي، ويمارسون سياسة الكبت والخوف، وهذا كله يصب في تقليل الفعالية والرضا الوظيفي.

الاستقطاب السياسي في مكان العمل

أصبحت قرارات الشراء والتوظيف مدفوعة أيضًا بالميول السياسية، فترى أن الشركات تضطر لاختيار جانب لجذب العملاء، كما أشرنا إلى ستاربكس ودانكن دونتس في المقدمة، وكمثال آخر، في هنغاريا، قُسمت المجلات الخاصة بالهوايات الحميدة مثل صيد السمك ومراقبة الطيور، إلى خطوط أيديولوجية..!

الاستقطاب السياسي بين الجانب المظلم والجانب المضيء

الاستقطاب السياسي في مكان العمل

تحاول العديد من الشركات تعيين العملاء ذوي الآراء السياسية المتشابهة، لتجنب الخلافات والتوتر في بيئة العمل على الرغم من أننا جميعًا نعلم أهمية الأرضية المشتركة والخبرة واللطافة والتعاون بين زملاء العمل، ووجوب أخذها بعين الاعتبار أكثر من قضية الاستقطاب السياسي. عمومًا، يمكن أن نشرح نحن أيضًا الاستقطاب السياسي بدون تحيز:

  • الجانب المشرق في الاستقطاب السياسي هو إمكانية وضع أفكار ووجهات نظر مختلفة على طاولة الحوار، حيث سيتجادل الفريقان بشأن أي سياسة تنفيذ تقريبًا، وهذا يخلق بيئة عمل حرة وعادلة للجميع، وهذا ما يسمى نعمة بالنسبة لصاحب العمل، ولكن يحتاج ذلك إلى إدارة الفريق بشكل جيد بالتأكيد، لأن الفوضى ستحول الجانب المشرق إلى مظلم.
  • على الجانب المظلم، يمكن للاستقطاب السياسي أن يؤثر بشكل سلبي تمامًا على بيئة العمل، فعندما يُقسم فريق العمل إلى عدة مجموعات أو أشخاص، لكل منها رأي سياسي خاص، أحيانًا يصبح من المستحيل إقناعهم بالاجتماع على رأي واحد، أو ربما يمكنك فرض الرأي عليهم، إنما لا يمكنك فرض العمل الجماعي والذي هو عمَاد الابتكار والإنتاجية في بيئة العمل. لذا كلما ازداد عدد المستقطبين سياسيًا، كلما صعب التعامل بروح الفريق.

إذا قارنا بين النقطتين السابقتين، نرى أن الجانب المظلم يطغى بالفعل على الجانب المضيء، ببساطة لأنه ليس من السهل أن تدير فريقًا مختلف الآراء السياسية، وإذا كان البعض مترفع عن هذه الأمور ولا يفكر بعقلية الاستقطاب الخاطئ، فهذا لا يشمل الجميع. من جهة أخرى، لا يمكنك أن تجمع حولك موظفين وعملاء وكل من ستتعامل معهم على أساس الاتفاق السياسي، لذا ربما يجدر بك التعامل مع هذه المشكلة بطريقة أخرى.

اقرأ أيضًا: الحوار السليم: خمسة مبادئ لفهمها يجب ترك عادات القبيلة جانبًا

استراتيجيات يمكن أن تخفف من إشكالات تحيز الاستقطاب الخاطئ في بيئة العمل

كون الاستقطاب السياسي لا بد منه، إذ أصبح في مكان العمل كحقيقة واقعة، فكمدير أو مسؤول عن العمل، يجب أن تحاول جعل فريقك يتعايش مع فكرة الاستقطاب السياسي بأقل الخسائر:

صارحهم من البداية

كن صريحًا في الاستقطاب السياسي

اجعل التزامك وتعايشك مع التنوع السياسي معروفًا للجميع، وأثناء مقابلات المرشحين أو في طلبات التوظيف، كن صريحًا واجعلهم يعرفون أن هناك آراء سياسية مختلفة قد تُطرح، هل يمكنهم تقبل ذلك بصدر رحب؟ وبهذه الطريقة، يمكنهم الاختيار بين الانسحاب مبكرًا من البداية إذا كانوا من مفضلي البيئات الداعمة لرأي معين، أو أنهم منفتحون ومترفعون عن كل ذلك، وهنا يمكنك التعمق في الشرح عما ينتظرهم.

حاول إدخال نوع من التنوع السياسي المتوازن

يمكننا الاستفادة من حقيقة أن للاستقطاب السياسي فوائد رغم مضاره، وللّعب على وتر الفوائد، يمكنك تحقيق التوازن في القوى العاملة لديك من خلال بث شخص واحد مختلف سياسيًا عن الباقي في مجموعة العمل، وبذلك لن تشب النزاعات في مكان العمل وسيضطر الجميع إلى التزام جانب واحد بعد المناقشة، وبدون حساسية، لأنك تتعامل مع 1 ضد الجميع وليس مع فريق ضد فريق، لذا ستستلهم الأفكار بدون شجار.

فرض القوانين والالتزام بها: خلق بيئة آمنة لتبادل وجهات النظر

يمكنك ببساطة اختيار فريق متنوع سياسيًا وتحقيق التوازن، ولكن ذلك لن يكون كافيًا، يجب أن تفرض قوانينك. من الجلسة الأولى، حاول التحدث عن أهمية الاحترام في الاختلاف، وعن كون عملية الاختلاف السياسية مجرد خلاف جيد سيؤتي بثماره، بل هو ذو أهمية بالنسبة للعملية الإنتاجية. حاول التحدث بروح الفريق، وشجعهم على المناقشات المفتوحة والصادقة، ولكن ضع أيضًا حدودًا واضحة للمحادثات السياسية في مكان العمل لمنع التصعيد، وبيّن لهم ما يمكن أن يحدث لأحدهم عند انتهاك القواعد.

عندما يبدأ أحدهم في شرح سبب تفضيله لسياسة معينة، سيساعده ذلك في إدراك أهمية عدم احتكاره للحقيقة، وسيجعله أكثر تقبلًا لوجهات النظر. هذه المحادثات الصادقة ستبين رؤية كل شخص بدون تحديد هويته، لأن التحدث بشكل صريح يبين وجهة النظر، إنما وضع التكهنات سيجعل كل شيء مبهمًا ويميل إلى الافتراضات السيئة والخاطئة.

لا لتحيز الاستقطاب الخاطئ: حاول بناء بيئة تعاون لا تنافس

الاستقطاب السياسي

قد يبدو ذلك مختلفًا في سياقات العمل المختلفة، ولكن كبداية، من الجيد فحص أنظمة الحوافز الخاصة بك، واستبدال تلك التنافسية بأخرى تعزز التعاون، مثلًا، لا تستخدم “نظام التقييم” الذي يجبرك على تصنيف الموظفين إلى مراتب: 1-2-3.. ستنتهي ببيئة عمل ذات محصلة صفرية، لأن مقابل الموظف ذو الرتبة الأعلى هناك آخر في رتبة أدنى، وبدلًا من ذلك، عزز العقلية التعاونية.

مثلًا، طورت إحدى شركات المحاماة في لندن أداة عبر الإنترنت للتحفيز، مكنت كل موظف من منح نقاط لزملائه بحسب مهارتهم وجودة عملهم، وبهذا عززت الروح التعاونية بدون تنافس. يخلق مثل هذا النظام فرصة للموظفين للتواصل على مستوى أعمق يسمح لهم ضمنيًا بتجاوز خلافاتهم السياسية.

تشجيع الاتصال الهادف بين المجموعات المختلفة

لا يمكن إجبار الموظفين على الاتصال فيما بينهم وكسر الحواجز الخلافية، ولكن واحدة من أفضل الطرق للتخلص من الافتراضات السيئة حول الأشخاص ذوي الميول السياسية المختلفة هي ببساطة قضاء المزيد من الوقت معهم. لا يعني ذلك أن يجبر المدير الموظفين على الذهاب إلى نزهات سويًا والاختلاط، كالأطفال، إنما يجب إيجاد طرق أخرى تجبرهم على كشف هوياتهم أمام بعضهم البعض وتقبلها. على سبيل المثال، تقوم وكالة ناسا بتنظيم رحلات استكشافية صعبة قبل البعثات، تضع هذه الرحلات أعضاء الفريق من خلفيات سياسية متنوعة في مواقف صعبة تسرّع بناء الثقة بينهم.

إحدى الطرق الفعالة أيضًا هي بثّ شخص وسيط بين طرفين على نقيض في الآراء السياسية، بشرط أن يكون هذا الشخص على علاقة مع كلا الطرفين، ويمكنه بشكل أو بآخر دعم تطوير العلاقة بينهما على الرغم من الاختلاف.

وسيط للتنوع السياسي

على الرغم من عدم وجود حل قطعي لبناء العلاقات والتخلص من الاستقطاب السياسي في بيئة العمل، إلا أن هذه السياسات ستقطع بك شوطًا كرئيس عمل للحد من التحيزات الضارة وتعزيز بيئة عمل أكثر إنتاجية.

اقرأ أيضًا: الإنسان ككائن اجتماعي بالفطرة: كيف يمكنك بناء الثقة الاجتماعية لترضي نفسك قبل الآخرين؟

ختامًا:

لا يعني امتلاك شخص ما معتقدات سياسية مختلفة عنا أنه يكرهنا، ببساطة يجب تقبل الأمر والتعاطف معه كما لو أنه لا يحب الطعام المفضل لدينا، لأن رأيه السياسي لن يقدّم أو يأخر شيئًا. وكما قلنا، الاستقطاب السياسي حقيقة واقعة في بيئة العمل ومتوقعة ولا يمكن التخلص منها كليًا، إنما كلما تقبلنا أمر وجودها أكثر كلما كان أسهل التخلص من آثارها الضارة، وهذا يقع على عاتق المديرين في التقريب بين الموظفين بغض النظر عن عقلياتهم السياسية.

0

شاركنا رأيك حول "الاستقطاب السياسي في بيئة العمل: عقليّة مغلوطة التفكير واستراتيجيات فعالة لمعالجة هذا التحيز الخاطئ"