التنجيم
0

في ليلة رأس السنة من كل عام دائماً نجد القنوات الفضائية تعج بما يطلق عليهم “علماء الأبراج”، يتحدثون عن كل برج وحظه في العام الجديد ويربطون توقعاتهم تلك بأنها نتيجة لتغير مواقع الكواكب والأجرام السماوية كل شهر بالنسبة للأبراج، وبالتالي يتأثر أصحاب تلك الأبراج سواء بالإيجاب؛ كأن ينتظروا حدوث زواج أو نجاح أو استقبال مولود جديد، أو بالسلب كأن يفقد عمل أو صديق أو يمر بأزمة وما إلى ذلك، لكن هل تلك التكهنات صحيحة وهل هي مبنية فعلاً على أسس علمية معترف بها؟ هذا ما سوف نتحدث عنه في السطور القادمة.

اقرأ أيضًا: التنجيم .. حقائق مثيرة عن خرافات ابتدعها القدماء، نفاها العلم، و صدقها البسطاء !

دعنا أولاً نعرف ما هي الأبراج في الأساس؟

التنجيم

السماء تمتلئ بالنجوم التي لا حصر لها والتي تبقى ثابتة -نسبياً- في أماكنها منذ ملايين السنين، ولأن السماء كانت أصفى مما هي عليه الآن كثيراً، فبالتالي كانت النجوم واضحة كأعمدة الإنارة في السماء! لدرجة أن البشر كانوا يعتمدون على مواقع تلك النجوم في الاستدلال على طريقهم في البر والبحر؛ فكانوا يتخيلون أن مجموعة ما من النجوم تأخذ مثلاً شكل دب وأخرى عقرب وغيرها على شكل طائر وهكذا، وأطلقوا على تلك الأشكال من النجوم اسم “الكوكبات” والتي ما زالت مرتبة بنفس الشكل حتى يومنا هذا.

التنجيم

عندما تدور الأرض حول الشمس فإنها تمر في خلال رحلتها السنوية بالعديد من الكوكبات، وعددها تحديداً 88 كوكبة. الأبراج هي 12 كوكبة من الـ 88 كوكبة وما يجعلها مميزة هو أنها تقع في خلفية الشمس أثناء دوران الأرض حولها.

دعني أوضح لك أكثر: عندما تدور الأرض حول الشمس نجد هنا من على سطح كوكبنا أن الشمس تمكث في إحدى الكوكبات لمدة شهر تقريباً ثم تتحرك للكوكبة التالية لشهر آخر، وهكذا حتى تكتمل الـ 12 كوكبة التي مرت بها الشمس على مدار عام كامل من دوران الأرض حولها؛ بالطبع مع الأخذ في الاعتبار أننا نحن من نتحرك وليس الشمس، فلذلك هي تتحرك من منظورنا وليس إلا.

حسناً وما علاقة حظوظنا وشخصياتنا بالأبراج إذاً؟

عندما يولد الشخص في شهر تكون فيه الشمس مارة بكوكبة الحمل مثلاً يكون الشخص حينها من مواليد برج الحمل، وبالتالي كلما مر بتلك الكوكبة أي كواكب -في نظر المنجمين- فهذا يؤثر على شخصيته وظروف معيشته واحتمالية نجاحه من فشله.

اقرأ أيضًا: ألغاز وأسرار من حضارات الشرق الأوسط القديم لم نستطع فهمها حتى اليوم: من سومر كانت البداية

ما الفرق بين التنجيم وعلم الفلك؟

مذنب هالي في الحضارات القديمة

صدق أو لا تصدق في الماضي كان التنجيم Astrology هو السائد! فكان الناس يصدقون ما يتلوه عليهم المنجمون ويتبعون تعليماتهم بكل دقة، بل وكان بعض الناس يتشاءمون بظهور بعض الأجرام السماوية في السماء كالمذنبات، وكانوا ينتظرون بعد ظهورها أن تحدث فيضانات أو زلازل أو براكين وكأن المذنبات هي علامة على نهاية العالم!

عندما ظهر مذنب هالي في عام 837 للميلاد، كان الخليفة العباسي المعتصم يحضر لفتح مدينة عمورية آنذاك، وحذره المنجمون من أن ظهور المذنب هو دليل شؤم على خسارته للحرب، لكن لم يهتم المعتصم لكلامهم وتوجه بجيشه لعمورية وبالفعل انتصر وفتحها.

والبعض الآخر كانوا يتفاءلون بظهور المذنبات، فعندما ظهر مذنب هالي في سماء أوروبا في عام 1066 للميلاد، كان ويليام الفاتح يجهز جيشه آنذاك لغزو إنجلترا، واعتبر ظهور المذنب في هذا الوقت تحديداً بشرى سارة على انتصاره في الحرب القادمة، ولذلك انطلق في دربه متفائلاً بتلك الإشارة. وبعد قتال دامٍ بين الجيشين ليوم كامل، انتصر ويليام ودخل البلاد وأصبح حاكم إنجلترا.

مع مرور الوقت بدأ يسطع نجم علم الفلك الذي اهتم بدراسة كل ما هو خارج الأرض من كواكب ونجوم وأقمار وشهب ومجرات وغيرها وعلاقة كلٍ منها بالآخر دراسة علمية، وتقوم نتائجه على شهور وسنوات من الرصد والبحث، على الناحية الأخرى كان التنجيم هو عبارة عن مجرد اعتقادات بأن حركة تلك الأجرام السماوية في السماء تؤثر على طبيعة البشر وترتبط بها ارتباطًا مباشرًا.

4 أسباب لكي لا تصدق حظك اليوم!

الأبراج في الواقع ليست كما تعرفها اليوم

قد تظن أنه لأنك من مواليد يوم 13 نيسان/أبريل فأنت تتبع لبرج الحمل، لكن في الحقيقة أنك تتبع لبرج الحوت! ويعود ذلك لأن أسماء ومواقع الأبراج حدّدها العلماء منذ أكثر من 2000 سنة، لكن منذ ذلك الوقت تغير الكثير في السماء§! حيث تغيرت مواقع النجوم -بالنسبة لمنظورنا من على سطح الأرض- وكأن السماء بنجومها تحركت قليلاً، فمثلاً النجم القطبي الذي نعرفه اليوم عند القطب الشمالي للسماء لم يكن في نفس موقعه وقت بناء الأهرامات بل كان يحل محله نجم الثعبان، ولن يستمر للأبد أيضاً كذلك، إذ سيحل محله نجم الراعي بعد مئات السنين؛ وبالتالي من الطبيعي أن ينتج عن تلك التحركات تعديل في المدة التي تمكث فيها الشمس في كل برج، وبالتالي لن تبقى الأبراج بنفس تواريخها حتى هذا اليوم.

إليك قائمة الأبراج الصحيحة حالياً:

هو لا يقوم على أسس علمية

كما ذكرنا من قبل الفارق الأساسي بين علم الفلك والتنجيم هو أن علم الفلك يقوم على البحث والملاحظة على عكس الأخير، ولإثبات ذلك أجرى العلماء العديد من الدراسات على عدد كبير من البشر لحسم الأمر، إحدى تلك الدراسات قام بها العالم الفيزيائي شون كارلسون في عام 1985 ونُشرت نتائجها في مجلة Nature حيث جمَع أشهر المنجمين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت وعرض عليهم المواصفات الشخصية لأشخاص مختلفين من المشاركين في الدراسة، وطلب منهم أن يطابقوا تلك المواصفات مع الشخص الصحيح بناءً على تواريخ ميلادهم وأبراجهم.

والنتيجة؟ نجح المنجمون في مطابقة ثلث عدد الأشخاص فقط بالمواصفات الصحيحة! بمعنى أن احتمالات صدقهم في التوقع غالباً لن تزيد في أفضل الأحوال عن 30% ولا أعتقد أنها نسبة كافية لنصدقها.

ما يقال هو كلام عام قد يخطئ وقد يصيب فهو حرفيًا ضربة حظ!

إذا ركزت بعناية في صيغة التنبؤات الخاصة بالمنجمين ستجد أنها عامة ومفتوحة لدرجة أنه من السهل أن تحدث لك بالفعل، وبالتالي قد تظن أنها تنبؤات صحيحة! فمثلًا قد تقول توقعات برج الثور اليوم أنك ستجد فرصة رائعة أمامك فاغتنمها، قد يحدث لك يومها أن تجد مكانًا سهلًا لتركن به سيارتك أو أن تُخبرك والدتك فيما تريد أن تأكل على الغذاء اليوم أو وجدت فيلمك المفضل يبدأ عندما كنت ماراً أمام التلفاز بالصدفة؛ هذا لا يعني أن كلام المنجمين صحيح، لكنها تكهنات عامة وفي الأغلب ستجدها تحدث لك بمحض الصدفة!

أنت لا تحتاجه!

وفي النهاية اسأل نفسك لماذا تحتاج لأن تهتم بتلك التوقعات؟ لتشجع بها نفسك أو لتتفاءل بالقادم؟ في الواقع قد يكون وقعها سيئ عليك أكثر مما تدرك، فقد يقول أحد التوقعات أنك “ستفشل فيما أنت مُقِدم عليه فراجع نفسك”. قد تتأثر بالفعل وتشعر بالإحباط وعقلك اللاواعي يهيئ لك الأمر لأنك تصدقه وتفشل فعلًا!

لذلك نصيحتي لك أيها القارئ أن لا تلقِ بالًا لتلك الجُمل وأن تعيش حياتك كما هي بدون أن تحمل هم المستقبل وما يحمله لك، ما دمت تفعل كل ما يمكنك فعله لتجعل القادم أفضل.

اقرأ أيضًا: التحليل النفسي: علم أم علم زائف؟

0

شاركنا رأيك حول "كذب المنجمون ولو صدقوا: توقف عن إضاعة وقتك في سماع خرافات التنجيم وحظك اليوم!"