قبل أن أبدأ الحديث عن عقلية الندرة والوفرة- بادئ ذي بدء- أريد أن أوضح شيئًا ما..

أغلبنا قرأ أو سمع من قبل عن العادات السبعة الأكثر فعالية لـ “ستيفن كوفي”، ولكن- وفي تقديري- قد لا يعرف معظمنا أن “كوفي” فاته حثنا على عادة مهمة لم يذكرها في كتاب “العادات السبعة”، وأعتقد أنه وقتها كان في موقفٍ لا يحسد عليه، ولعله سأل نفسه كثيرًا إن كان عليه أن يعيد إصدار الكتاب من جديد ليضمنه عادةً ثامنة.

على ما يبدو لم يجد ذلك سهلًا، فقرر إفراد كتاب مستقل عنها، وحسنًا فعل في الحقيقة، لا لأنه أفرد كتابًا للعادة الثامنة فقط، أو لأنها تستحق ذلك، ولكن كذلك لأنني على المستوى الشخصي انحاز لرقم 7 في حياتي بشكل عام، ولعل هذا ما دفعني لقراءة كتاب العادات السبعة، وأحببته، فظل الكتاب يحمل عنوانه الرقم المفضل لي.

اقرأ عن الكتاب: العادات السبع للناس الأكثر فعالية من منظور الكاتب ستيفن كوفي

في العادات السبع الأكثر فعالية: مرور سريع

من الممكن الآن أن أتحدث عن “عقلية الندرة وعقلية الوفرة”، ولكنني قبل ذلك -وبادئ ذي بدء- أريد أن أوضح شيئا ما آخر، وأوضحه سريعًا لمن لم يقرأ بعد كتاب العادات السبعة- وأرشحه له طبعًا وجدًا وبشدة للقراءة – كانت تتلخص هذه العادات في:

  1. كن مبادرًا.
  2. ابدأ والغاية في ذهنك.
  3.  رتّب أولويّاتك.
  4. فكّر دائمًا بالخيار الذي يحقق مكسب الطرفين (win-win).
  5. اسعَ لفهم الآخرين حتى يمكنهم فهمك.
  6. التعاون الخلّاق/ التآزر: ١+١ أكبر من ٢.
  7. وأخيرًا العادة السابعة، اشحذ المنشار، والتي مفادها:

“حتى تتمكن من الاستمرار بالعطاء والبذل والتضحية يجب عليك الحفاظ على توازنك في هذه الحياة، بالاستجمام والحفاظ على العبادات، والقراءة والتعلّم، والتطوّع وتقديم الخير .. ولا تنسَ نفسك فإنّ لنفسك عليك حقاً”.

قد تسأل نفسك عزيزي القارئ لماذا قمت بتوضيح العادة السابعة دون غيرها والإجابة: لأنها تضمنت تعبير المنشار المجازي، وحتى لا يشحذ من لم يقرأ الكتاب المنشار على طريقة فيلم الرعب The Texas Chainsaw Massacre. أما في حالة لو لم تكن سألت نفسك هذا السؤال فلن يضرك أن تعرف السبب.
فضلًا عن أنني أحب هذه العادة.

أعتقد أن الوقت قد حان الآن لتوضيح ما هما مفهوما عقلية الندرة وعقلية الوفرة اللتين نسيهما “كوفي” وتناولهام في “العادة الثامنة من الفاعلية للعظمة” وهو نفس عنوان الكتاب.

ولكن بادئ ذي بدء أريد أن أوضح شيئًا أخيرًا، حتى لو أطلت...

يتعلق هذا الشيء بسلوك طريف، نلاحظه في بعض الأفراح مرتبط بالـ “بوفيه”، وتحديدًا في اللحظة التي يتدافع فيها المدعوون على الطعام، وغالبًا ما يكون هذا التدافع عشوائيًّا وغير منظم، ولا يخلو الموقف من أصوات واستغاثات تنادي بتنظيم هذه العشوائية من خلال طابور أو طوابير بالأحرى، وسرعان ما تخفت هذه الأصوات المنادية بالنظام المأمول بجانب أصوات دبدبات الأقدام التي تتهافت على البوفيه.

العادة الثامنة - عقلية الندرة

حين نحلل هذا الموقف، يمكن تقسم المدعوين إلى قسمين نضع كلًا منهما في جانب..

الجانب الأول: أفراده يؤمنون بأن الطعام في البوفيه لن يكفي كل المدعوين، ويرى وجود المعازيم الآخرين مهددا لفرصهم في الوصول إلى وجبة منه، ويؤمن بأن هذا الموقف لا يحتمل غير فائز واحد فقط- نفسهم طبعًا- وطرف آخر خاسر من الآخرين..  الآخرون أيًا كانوا.

الجانب الثاني: على العكس، فهو يؤمن بالنقيض، يرغب طبعًا في الحصول على نفس الوجبة، ولكن لديه قناعة أن الطعام وفير، وسيكفي الجميع، بل وقد يساعدون غيرهم بالوصول للبوفيه قبلهم.. الآخرون أيًا كانوا.

الجانب الأول تعامل مع البوفيه بـ “عقلية الندرة”، بينما تعامل الجانب الثاني بـ “عقلية الوفرة”.

العادة الثامنة: من الفعالية إلى العظمة

بعيدًا عن مثال البوفيه السابق، والذي كان فقط للتقريب وللتبسيط، نعود إلى موضوع كتاب العادة الثامنة: من الفعالية إلى العظمة، والذي يرى فيه “ستيفن كوفي” أنه يجب علينا أن نعتاد على:

  • أن نجد صوتنا الداخلي، وأن نساعد الآخرين على إيجاد أصواتهم كذلك، وأن نكتشف شغفنا للقيام بأشياء نحب أن نقوم بها، ونفتخر بها، ونساعد الآخرين على اكتشاف شغفهم أيضًا، ونكون مصدر إلهام لهم.
  • اليقين بوجود عقليّتين تحكم الأشخاص من حولنا، نجدها في حياتنا اليومية، في العمل، في محيط الأصدقاء، في العائلة.. وفي كل شيء.

الأولى: عقلية الوفرة، التي ترى أن نجاحات الآخرين لا تشكّل خطرًا عليهم، وأنّ الفرص في هذه الحياة غير محدودة، وأنّ مساعدة الآخرين لن تضر، فإذا مُدِح الآخرون أثنت عليهم، وإذا نجح الآخرون فَرِحت لهم، وأنّ فرصته ستأتي ولم يؤخرها أحد.

الثانية: عقلية الندرة وترى في كل نجاح للآخرين تهديدًا، يسعون إلى كل فرصة متاحة وغير متاحة بنفس القدر الذي يخفون فيه كل فرصة ممكن أن تتاح للآخرين، ولا توجد لديه قناعة بأنه من الممكن أن ينجح إلا بمفرده، ويرى نجاح غيره فشلًا له شخصيًّا، وبالتأكيد فهو لن يساعد غير نفسه، لأنه -ومن منظوره- مساعدة الآخر ستكون بمثابة تهديد له.

اقرأ أيضاً: العادات كلمة السر وراء أي إنجاز: اخترنا لك كتبًا لتحسين عاداتك وبنائها بشكل أفضل

عقلية الوفرة وعقلية الندرة وما بينهما

يمكن تلخيص مظاهر التفكير بكلا العقليتين في النقاط التالية:

الذي يفكرون بعقلية الندرة نجدهم:

  • يخافون أن ينجح الآخرون.
  • يخافون أن يمدحوا الآخرين.
  • لا يشارك في معلومات ولا معرفة، لأنه يظن أن غيره إذا نجح فهو خاسر.
  • يخاف أن يعلم الناس كيف نجح وكيف تطور؛ يعني يخاف الناس أن تأخذ مكانه.

بينما نجد الذي يفكر بعقلية الوفرة:

  • هادئًا مطمئنًا.
  •  لا تهدده نجاحات الآخرين، بل يطري على نجاحاتهم و يثني عليهم.
  • يشارك الناس تجاربه ومعرفته ومعلوماته.

وفي الحقيقة، تعدد الطرح المتشابه في نقاط وزوايا كثيرة عند الحديث عن هذا الموضوع، أدركت هذا من واقع قراءاتي عنه في أكثر من موضع، وأغلبها يدور في فلك كتاب العادة الثامنة، ومن الممكن جدًّا ان أختم حديثي عن “عقلية الندرة” بعبارات تقليدية تدور هي الأخرى في نفس الفلك، وأقترح “كليشيهات” وعبارات رنانة، تدعو إلى حب الخير للجميع كما نحبه لأنفسنا، وغيرها من القيم والمبادئ التي نعرفها ونعيها في داخلنا؛ ولكن لا نعرف الطريق لجعلها موضع التنفيذ -إلا ما رحم ربي.

علمتني صديقة لي أنني حين أختم كلامًا أختمه بشيء لطيف دومًا، ولذلك، فسأختم المقال بملاحظة ألاحظها دائمًا عندما أتامل في الشوارع، لعلها تكون مؤثرة، وهي ملاحظة متعلقة بقطط وكلاب الشارع..

جرب أن تضع كمية ما من الطعام لمجموعة من قطط أو كلاب الشارع، ثم ابتعد، ستلاحظ بمراقبتهم أنهم لن يتقاتلوا عليه، بل وستلاحظ كذلك أنهم ينظمون أنفسهم ليأكلوا بالتوالي، ومن يصل متأخرًا ينتظر إلى أن ينهي من وصل أولًا لمكان الطعام، ويستثنون من هذا النظام “الفطري” صغار القطط وصغار الكلاب..

لم ولا ولن نعرف طبعًا آلية تنفيذ القطط لذلك، أو كيف يفعلونها، ولكننا متأكدين حتمًا أن القطط لم تقرأ كتاب العادة الثامنة لـ “ستيفن كوفي”، ولن تقرأه.

اقرأ أيضاً: ستيفن كينغ .. ليس مجرد كاتب رعب آخر !