في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟
0

إذا كُنت من محبي أفلام الخيال العلمي، فلا بد وأنك شاهدت بعض الأفلام التي تروي جهود البشر في البحث عن كواكب أخرى للعيش على سطحها بعدما صارت الأرض غير صالحة للعيش. بالنظر إلى هذه الروايات والأفلام، سنجد بطلًا مشتركًا، وهو الذي تسبب في عدم صلاح الأرض للحياة.. إنه المناخ الذي يهدد البشرية وتسبب في انقراض العديد من الأنواع من قبل.

يرتبط التغير المناخي في أذهان الناس كثيرًا بارتفاع درجة الحرارة وذوبان الجليد وغرق اليابسة ودخول أشعة ضارة من خلال ثقب الأوزون وما إلى ذلك. لكن الحقيقة أنّ التغيرات المناخية المهلكة لا تقتصر فقط على ارتفاع الحرارة، فقد أشارت الأدلة العلمية إلى مرور الأرض بعصور جليدية، وفيها أحدث التغير المناخي فوضى للأنواع الحية على الأرض، ما تسبب في انقراض معظمها وتبقت رفاتها ومن خلالها استدل البشر على وجود هذه الكائنات منذ زمن.

اقرأ أيضًا: الانقراض الجماعي الخامس.. الانقراض الذي أودى بعمالقة الأرض

هذا تقريبًا ما تساءل عنه واحد من جمهور أراجيك على الصفحة الرسمية للمجلة على الفيسبوك، حيث قال: “لماذا يرسم الإعلام العالمي موجة تخويف من ارتفاع درجة الحرارة في الشمال ولا يتكلم عن تجمد الجنوب في تشيلي في نفس الوقت؟” حسنًا، نال هذا السؤال إعجابي واجتهدت في البحث عن الإجابة وسردها في تقرير، لكن قبل ذلك لنتعرف على معلومات تمهيدية ستساعدك في إدراك الإجابة أكثر. هل أنت مستعد؟ هيا بنا..

دورات ميلانكوفيتش.. عن آلية تغير المناخ

يساعد علم الجيولوجيا في كشف الستار عن ماضي الأرض، فيخبرنا بما حدث وما الذي قد يحدث في المستقبل. ربما لهذا السبب، اهتم “ميلوتين ميلانكوفيتش” بقضايا المناخ في أوائل القرن العشرين، وفتح ملف العصور الجليدية الغامضة. لقد كان يسمع أنّ العلماء يبحثون في هذا الأمر من خلال تشققات الأرض ومراجعة البيانات التي قدمها العلماء السابقين فيما يخص توزيع العصور الجليدية من خلال سلسلة جبال الألب.

جمع ميلوتين هذه المعلومات ودمجها مع معرفته كونه مهندسًا، ولأول مرة طرقت الرياضيات باب الجيولوجيا فخرج لنا بواحدة من أهم النظريات التي تشرح لنا التغيرات المناخية وهي “قانون التشميس للأرض” أو كما يُعرف بـ “دورات ميلانكوفيتش”.

صورة لـ “ميلوتين ميلانكوفيتش”

جمع ميلانكوفتش بين الفلك والرياضيات والمناخ ببراعة، ووصف توزيع المناخ على سطح الأرض، حيث تمكن من الربط بين حساباته والأنظمة الحرارية للكواكب من خلال دورانها حول الشمس. وما زالت الأوراق البحثية التي سجل فيها ما وصل إليه مرجعًا أساسيًا اليوم لفهم المناخ في الماضي والحاضر والتنبؤات المستقبلية.

وضع ميلانكوفتش 3 دورات تؤثر على المناخ، وهي:

  • انحراف مدار الأرض.
  • الميل المحوري للأرض.
  • المبادرة المحورية.

انحراف مدار الأرض

تتحرك الأرض حول الشمس في مدار وهمي بيضاوي، يسمى بالقطع الناقص. تقع الشمس في إحدى البؤرتين للشكل البيضاوي هذا، وتدور حولها الأرض. وتصل إلى إحدى النقطتين:

  • الحضيض الشمسي: وهو يعبر عن المنطقة التي تصبح فيها الأرض في أقرب مسافة من الشمس، وهناك يحصد كوكب الأرض الإشعاع الشمسي بنسبة تزيد عن 20 – 30 % عن الذي تحصده عند نقطة الأوج.
  • نقطة الأوج: وهي المنطقة التي تكون فيها الأرض في أبعد نقطة على مدارها حول الشمس.

ينحرف هذا المدار كل 100 ألف عام بمقدار يتراوح بين (0 – 0.07) ثم يعود من جديد لموضعه. وعندما يحدث هذا الانحراف، فهذا يعني وجود اختلاف ولو بسيط في كمية الإشعاع الشمسي التي تتلقاها الأرض، سواء عند الحضيض أو الأوج، ومن هنا يحدث التغير المناخي.

انحراف مدار الأرص اليوم هو (0.017). عند الحضيض الشمسي في يوم 3 يناير من كل عام، يتلقى الكوكب 6% من الإشعاع الشمسي زيادة عن الكمية التي يتلقاها عند نقطة الأوج يوم 4 يوليو.

الميل المحوري للأرض

إنه المتحكم في فصول السنة الأربعة، وهو يعبر عن الزاوية بين مدار الأرض ومحور دورانها حول نفسها. عندما يحدث أي تغير -ولو بسيط- في الميل المحوري، تتغير كمية الإشعاع الشمسي التي تتلقاها الأرض في بعض المناطق. كشف العلماء عن أنّ الميل المحوري للأرض تراوح بين 21.5 – 24.5 درجة خلال 41 ألف عام مضت.

في الوقت الحالي، تميل الأرض على مدارها بـ 23.5 درجة. وعندما يصل الميل المحوري لحده الأدنى، تصبح الفروق طفيفة للغاية بين كمية الإشعاع الشمسي بين الصيف والشتاء، فلا يحدث تغير بين الصيف والشتاء، ما يفسر سبب احتفاظ القطبين بالجليد طوال السنة، بل وتتراكم كميات أكبر من هذا الجليد.

في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

المبادرة المحورية

تمايل محور الأرض أو المبادرة المحورية، وهو مصطلح يعبر عن ترنح (اهتزاز) حركة الأرض أثناء دوانها حول محورها، ويحدث هذا بسبب جاذبية الشمس والقمر للأرض من عند خط الاستواء (بالمناسبة، الأرض بيضاوية بسبب هذا التجاذب)، ما قد يؤدي في النهاية إلى تغيّر اتجاه محور دورانها. ويترتب على هذا بعض التغيرات الأخرى.

مثلًا، نجم الشمال أو النجم القطبي، يعرفه المهتمون برصد السماء في نصف الكرة الشمالي جيدًا، وهو بمثابة مفتاح لخريطة السماء، ويبدأ الرصد من عنده، يمكن القول أنه المركز الرئيسي للإبحار عبر النجوم. لكن منذ حوالي 5 آلاف سنة من الآن، لم يكن النجم القطبي هو المفتاح الأساسي، بل كان هناك نجم آخر يسمى الثعبان “Thubin” ويقع في كوكبة التنين. ومن المتوقع أنه بعد 12 ألف عام، سيحل محل النجم القطبي نجم النسر الواقع “Vega”.

في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

وعندما تكمل الأرض دورة مبادرة، يتغير اتجاه الكوكب بالنسبة للحضيض الشمسي والأوج، ما يعني أنه عندما يتوجه أحد نصفي الكرة الأرضية نحو الشمس أثناء المرور خلال الحضيض الشمسي، نفس النصف سيُوجه بعيدًا أثناء الأوج. كذلك الأمر لنصف الكرة الآخر. يتسبب هذا في حدوث تناقضات وتطرف في المناخ.

توّصل ميلانكوفيتش إلى هذه الدورات بعدما جمع بيانات حول التغيرات المناخية، وفي مواقع محددة خلال جدول زمني محدد للعصور الجليدية. درس أيضًا التغيرات الطارئة على الأرض خلال الـ 600 ألف سنة مضت. وتمكنّ من حساب كميات الإشعاع الشمسي المختلفة من خلال الدورات التي اكتشفها، واستطاع من خلال ذلك إدراك أنّ كميات الإشعاع الشمسي القليلة في خطوط العرض الشمالية مرتبطة بالعصور الجليدية الأوروبية القديمة.

بهذا العمل، قدم ميلانكوفيتش خدمة رائعة للبشرية في زمن لم تتوفر فيه نصف الإمكانات الحالية. لكن، ما علاقة هذه الدورات بموضوعنا؟ في الحقيقة إنّ هذا جزء لا يتجزأ من موضوعنا، فهذه كانت بمثابة جولة سريعة بخصوص الأسباب الجوهرية التي بسببها تحدث التغيرات المناخية من منظور فلكي، بعيدًا عن عبث البشر، كما ستُدرك السطور التالية بوضوح.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي قد يضع النهاية على الأبواب حرفيًا.. دراسة من عام 1972 تنبأت بما يحدث اليوم!

ثاني أكسيد الكربون.. مقبض التحكم لمناخ الأرض

في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

تتداخل دورات ميلانكوفتش بمرور الوقت، بسبب الفترات المختلفة التي تحدث خلالها، وهذا يفسر لماذا لا تستغرق العصور الجليدية نفس المدة. حيث لا تتغير كمية الأشعة الشمسية التي تصل للأرض من الشمس، ولكنها تتوزع على الأرض بصورة مختلفة. وعندما تقل كمية الأشعة على خطوط العرض الشمالية بسبب هذه الدورات، تتكون الصفائح الجليدية، والتي بدورها تعكس أشعة الشمس إلى الفضاء، فتبرد المنطقة، وتنخفض الحرارة. وتستجيب خطوط العرض الشمالية تحديدًا لتكوّن الجليد، لأنها تحتوي على نسبة أكبر من اليابسة، ويسهل تشكل الجليد عليها.

من هذا نخلص إلى أنّ التغير في كمية أشعة الشمس وتوزيعها على الأرض بسبب دورات ميلانكوفيتش ليس كافيًا لإحداث كل هذه التغيرات المناخية خلال العصور الجليدية، لا بد من وجود عامل آخر. وكان هذا العامل هو ثاني أكسيد الكربون الذي لعب دورًا فعّالًا أثناء العصور الجليدية، وما زال على الساحة الآن ويشارك في ارتفاع درجة الحرارة خلال الاحترار العالمي، تمامًا كما حدث أثناء الفترات الدافئة التي تخللت العصور الجليدية.

وبذلك صار ثاني أكسيد الكربون مقبض التحكم بمناخ الأرض ويستطيع تضخيم التغيرات المناخية التي تحدث بصورة طبيعية. وبسبب أنشطة الإنسان، ينطلق هذا الغاز وغيره من الغازات الدفيئة بكمية مهولة. ما جعل الإنسان عاملًا مؤثرًا في هذه السلسلة. لكن مهلًا، لنلقي نظرة عما حدث بتفصيل أكبر..

استقرار المناخ وقيام الحضارة

في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

استقرت حياة الإنسان على الأرض منذ ما يقرب من 11 ألف عام، وبدأ يخطو خطواته الأولى نحو الحضارة وأدرك قيمة الزراعة وازدهرت حياته. ويُقدر العلماء أنه خلال الـ 650 ألف سنة الماضية، مرت الأرض بنحو 7 دورات لتقدم وتراجع الأنهار الجليدية إلى أن انتهى آخر عصر جليدي منذ 11700 عام. وبدأ عصر المناخ الحديث الذي تزامن مع قيام الحضارة الإنسانية. واستطاع العلماء تقدير هذه التغيرات المناخية من خلال الاختلافات البسيطة التي تحدث في مدار الأرض (هل تتذكر دورات ميلانكوفيتش؟) وهي في النهاية تؤثر على توزيع كمية الإشعاع الشمسي الذي يتلقاه كوكبنا.

وتدّخَل الإنسان

هو مجرد مخلوق عاقل، يظن أنه يستطيع تحقيق السيادة على الطبيعة بما أنه سيد المخلوقات -كما يعتقد- ولكن الحقيقة أنّ الطبيعة أقوى منه بصورة قد لا يُدركها حقًا. هذا لا ينفي أن وجوده تسبب في أزمات لم تحدث من قبل. لقد حظي الاحترار العالمي بأهمية كبيرة منذ منتصف القرن العشرين نتيجة أنشطة البشر التي سببت تغيرات غير مسبوقة لم تحدث على مدى آلاف السنين، ما أحدث تغيرات سريعة وملموسة في الغلاف الجوي والمائي والجليدي كذلك المحيط الحيوي.

استطاعت الأقمار الصناعية رصد المعلومات والبيانات المختلفة التي توضح الصورة العامة للتغيرات المناخية التي تحدث على سطح الأرض. وتزامنت هذه التغيرات الملحوظة أثناء القرن التاسع عشر (بالمناسبة، قامت الثورة الصناعية للإنسان خلال هذا القرن) وظهرت بوضوح مع منتصف القرن العشرين.

ويُقدر العلماء أنّ نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى تنطلق من الأرض بفعل الإنسان بمعدل أكبر 250 مرة من الظروف الطبيعية التي تلت العصر الجليدي الأخير. بالإضافة إلى ازدياد سرعة معدل الاحترار العالمي 10 مرات عما كانت الأرض عليه بعد العصر الجليدي. وتأكد العلماء من خلال فحص حلقات الأشجار المتحجرة ورواسب المحيطات وطبقات الصخور الرسوبية.

مع تفاقم أزمة المناخ العالمية، اتُخذت العديد من الإجراءات للحد من الأسباب التي تساهم في تغير المناخ، وهنا أتحدث عن الأشياء التي في متناول الإنسان للحد من نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون وليس التحكم في القوى الكونية الطبيعية (أي، دورات ميلانكوفيتش). لكن هنا سؤال مهم وهو…

أيهما أخطر.. ارتفاع أو انخفاض الحرارة؟

إنّ التغيرات المناخية التي تؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض الحرارة تُفضي إلى عواقب وخيمة، ويتساءل الناس أيهما أخطر؟ حسنًا، يمكننا الإجابة على هذا السؤال من خلال الإطلاع على بعض الإحصائيات.

تتسبب الحرارة المرتفعة أو المنخفضة في مقتل مئات الأشخاص سنويًا في الولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا وفي العالم عمومًا، وتشير إحدى الإحصائيات إلى أنّ مجموع القتلى سواء للحرارة المرتفعة أو المنخفضة يُقدر سنويًا بـ 1300 حالة. وبحلول عام 2090، من المتوقع أن ترتفع أعداد ضحايا الحرارة المرتفعة إلى (3900-9300) حالة بالولايات المتحدة فقط. لكن يمكن تقليل هذه الأعداد إلى النصف باستخدام أجهزة التكييف. مع ذلك، هناك اختلاف بين هيئات الرصد الكبيرة حول العامل الفعلي لارتفاع أعداد الموتى بسبب الحرارة هل الارتفاع أم الانخفاض؟

حسنًا لنرى ماذا تقول إحصائياتهم..

الإدارة الوطنية للمناخ والغلاف الجوي (NOAA): الحرارة العالية أخطر

تميل NOAA إلى ربط معدل الوفيات العالي بارتفاع درجة الحرارة، وأشارت إلى أنه خلال ثلاثين عامًا بين عامي 1988 – 2017 سُجّلت 134 حالة وفاة سنويًا بسبب الحرارة العالية و30 حالة بسبب البرد.

مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC): الحرارة المنخفضة أشرس

تشير دراسة صادرة عن مركز السيطرة على الأمراض (CDC) عام 2014، إلى أنه بين عامي 2006 إلى 2010، سُجّلت نحو 1300 حالة وفاة سنويًا نتيجة البرد، بينما سُجّلت 670 حالة وفاة بسبب الحرارة المرتفعة سنويًا.

لكن، أيهما أخطر؟

في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

في عام 2005، نُشرت دراسة تُفيد بأنّ موجات الحرارة العالية تتسبب في رفع معدلات الوفيات عن فترات البرد. واعتمدت الدراسة على حذف دور الانفلونزا الموسمية التي تصيب أغلب الناس في الشتاء، والتي يرجع إليها ارتفاع في معدل الوفيات، لكن عند حذفها، يمكن التركيز على الدور الفعلي للحرارة نفسها. وخلصت الدراسة إلى أنّ موجات البرد الكبرى لا تسبب نفس معدل الوفيات، بالعكس إنّ تأثيرها ضئيل.

ربما بعد كل هذا نلاحظ لماذا يهتم الإعلام العالمي بدرجات الحرارة المرتفعة ويُوليها اهتمامًا أكبر من البرودة، بالرغم من أنّ البرودة تتسبب في مخاطر لا تُحصى، ولكن تبقى الحرارة المرتفعة هي الأخطر. أما عن الاهتمام بالشمال أكثر من الجنوب، فمعظم سكان الأرض يرتكزون في الشمال، حيث نسبة اليابسة أكبر. حتى في أوقات الجليد، نجد اليابسة أكثر عرضة للتجمد، ما يُوليها اهتمامًا أكبر من الجنوب الذي تتركز فيه المسطحات المائية.

اقرأ أيضًا: في محاولة تقديم اعتذار للأرض..تعرف على قصة اليوم العالمي للأرض ومظاهر احتفالاته

0

شاركنا رأيك حول "في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟"