فرضية جايا
0

لنتحدث اليوم عن فرضية جايا؛ هل تساءلت ذات مرة لماذا ينبض كوكب الأرض بالحياة دوناً عن باقي كواكب المجموعة الشمسية؟ أو كيف للأرض لها أن تستمر عليها الحياة رغم كل الكوارث والانقراضات التي مرت بها على مدار تاريخها؟ أسئلة أخرى قد تكون حضرت في ذهنك عدة مرات حول ماهية الحياة على الأرض.

من ناحية، سيكون تفسير أغلب تلك الأسئلة في ضوء فلسفي (أظن أن لها جذور في الفلسفة الرواقية) مع بعض التكهنات الأخرى. ومن ناحية أخرى، ستجد أن تفسير وجود الحياة على كوكب الأرض فقط- ما نعرفه حتى الآن- موجود بالأساطير اليونانية، فالأرض هي “جايا” الآلهة الأم للطبيعة التي تحفظ استقرار الحياة على الكوكب.

لكن بعيداً عن كل ذلك، فهناك تفسير علمي يمكن أن نقول بأنه غريب نوعاً ما، تم طرحه عام 1978 بواسطة العالم جيمس لوفلوك – James lovelock وهو أن الأرض بكل ما فيها من عناصر حية وعناصر غير حية هي نظام معقد يستطيع تنظيم كل عناصره بنفسه ليظل مفعمًا بالحياة، وإن كنت لا تفهم ما أقصده فجيمس لوفلوك يحاول أن يخبرنا بأن الأرض كائن حي بالفعل مثله مثل الإنسان وباقي الكائنات، لكن بصورة أكبر وأكثر تعقيداً، وطرح فرضيته باسم “جايا” في كتابه (Gaia a new look at life on earth)… فما الذي يدور حول تلك الفرضية؟

فرضية جايا
فرضية جايا: أغرب الفرضيات العلمية التي تعيد تشكيل مفهوم الحياة من جديد..فما هي؟

طرح لوفلوك فرضيته من خلال حقائق علمية منها التي كانت معروفة ومنها التي تنبأ بها وأثبتت صحتها في السنوات التالية من طرح الفرضية، تلك الحقائق التي نعرفها- اليوم- تساهم بشكل كبير جداً في استقرار الحياة واستمرارها على كوكبنا مُنذ نشأته الأولى؛ فكان الحديث بشكل أساسي عن ملوحة المحيطات، ودرجة الحرارة، ونسب الغازات وخصوصاً الأكسجين وكيفية ثبات نسب الغازات في الدورات التي تمر بها. تلك العوامل كانت عوامل أساسية لاستمرار الحياة على سطح الأرض وظلت مستقرة نسبياً لسنين.

اقرأ أيضًا: عشر صور مجهرية تُظهر كيف بدأت الحياة على الأرض !

ثبات نسب الغازات على الأرض

ثبات نسبة الغازات المكونة للغلاف الجوي هو مؤشر على الحياة عموماً، فجميع الغازات الموجودة- باستثناء الغازات الخاملة- من نيتروجين وأكسجين وثاني أكسيد الكربون وغيرها، إما هي من صنع الكائنات الحية أو يتم تدويرها بواسطتها حتى تظل نسبة تلك الغازات ملائمة للحياة.

على سبيل المثال، نسبة الأكسجين في الجو حوالي 21%، وهي نسبة ثابتة- نوعاً ما- مُنذ آلاف السنين بل يمكن اعتبارها نسبة ذهبية للحياة عموماً، حيث أن ارتفاع تلك النسبة لأكثر من 25% قد يسبب حرائق وكوراث تؤدي لفناء الأرض والجنس البشري كله، ونقصان تلك النسبة يعني صعوبة وجود حياة على الأرض، والسر ليس في الأشجار والنباتات الخضراء عموماً التي تأخذ غاز CO2 وتنتج O2، بل في البكتيريا الزرقاء والعوالق النباتية في البحار والمحيطات كالدياتوم- Diatoms  التي تنتج أكسجين أكثر من جميع الغابات الموجودة في العالم.

كذلك غاز CO2 تتم إعادة تدويره من خلال النبات والطحالب في البحر. على سبيل المثال، من خلال نوع من الطحالب يسمى Coccolithophores تأخذ CO2 الموجود بالبحار وتقوم باستخدامه في صنع غطاءات لها وتطلق غاز ثنائي ميتيل الكبريت dimethyl sulphate الذي يحفز صناعة السُحب الموجودة في الغلاف الجوي، والمُدهش أنه عندما ينخفض مستوى غاز CO2 تخفض تلك الطحالب نشاطها في استخدامه. تلك العملية مدهشة وغريبة في نفس الوقت لكنها تتكرر بشكل مستمر مع بعض العمليات الأخرى بالتوازي للحفاظ على نسبة الغاز في الغلاف الجوي.

على الجانب الآخر في المحيطات، كان من المتوقع زيادة في نسبة الأملاح الموجودة بالمحيطات نتيجة لترسيب بعض الأيونات التي تلقى بها الأنهار في المحيطات، لكن الشواهد كانت تدل على استقرار ملوحة المحيطات التي تقدر بنحو 3.4% (تختلف نسبة الملوحة في كل البحار والمحيطات لكن بفوارق بسيطة) وتلك النسبة مناسبة جداً للكائنات الحية التي تعيش في المحيطات، فإن وصلت تلك النسبة لأكثر من ذلك، 5% مثلًا، سيكون الأمر صعبًا لتلك الكائنات أن تعيش وتتكاثر.

ثبات تلك النسبة يرجع لكثير من المكونات الموجودة داخل المحيطات على سبيل المثال: الصخور البازلتية الموجودة على شكل فتحات كمصدر للمياه الساخنة، الشعاب المرجانية وبعض الكائنات الأخرى. وكأن الأرض لديها آليات إنقاذ تعمل بصفة دورية على مدار اليوم.

فرضية جايا
فرضية جايا: أغرب الفرضيات العلمية التي تعيد تشكيل مفهوم الحياة من جديد..فما هي؟

الوجه الآخر لجايا

رغم أن الأمر يبدو مطمئنًا، لكن جايا لن تكون خُطاها دائماً في مصلحة الجميع، فعادة ما سوف تظهر العداء لبعض الأنواع التي قد تتسبب في إحداث خلل في نظامها. في كتابة المنشور سنة 2008 “The vanishing face of Gaia”، يعتقد لوفلوك بأن عدد السكان الحالي البالغ 7.6 مليار نسمة لا يمكن أن تتحمله الأرض، وأننا على وشك رؤية انخفاض في تلك الأعداد، ويقدم سيناريو التحول وكيف ستتغير جايا وتظهر كوحش سيقف أمام كل من سيحاول أن يزعزع استقرارها، فما سنواجه نحن البشر اليوم من أفعالنا سينعكس كرد فعل من الأرض، لنشهد ارتفاع درجات الحرارة على شكل الاحتباس الحراري وارتفاع منسوب البحار والمحيطات وذوبان الجليد، لكن كل تلك التغيرات لن تستمر، فجايا ستعيد الاستقرار لنفسها مرة أخرى لتبدأ فترة جديدة بعدد سكان أقل.

اقرأ أيضًا: الحياة الذكية خارج الأرض؟ لنتعرف سويًّا على كواكبنا الخارجية!

انتقادات تواجه فرضية جايا

بعض الانتقادات التي واجهت جايا في البداية كانت بسبب شيئيين رئيسيين وهما: الأول هو السمات والدلالات التي عُرفت بها الفرضية والمتمحورة عن حياة افتراضية تخلقها الأرض لنفسها، والثاني هو اللغة التي يتحدث بها جيمس لوفلوك في كتاباته، فبعض المنتقدين أمثال عالم الأحياء ستيفن جاي جولد – Stephen Jay Gould وريتشارد داوكينر- Richard Dawkins يعتقدون بأن اللغة التي يتحدث بها في كتاباته لا تمت للعلم بصلة، فهو يتحدث عن مخلوق يسمي الأرض ويسرد عنه بكل ثقة. لكن رد لوفلوك على هذا الانتقاد كان غريباً وهو أن العلم لم يصُغ حتى الآن تعريفاً كاملاً عن الحياة، فكيف له أن يتحدث بشكل علمي عن الحياة كمفهوم في الأساس!

على الصعيد الآخر، الحياة التي يعرفها داوكينز وجولد هي تلك التي حدثت من خلال التطور والتكاثر، والأرض ليس لها أبوين مثلاً أو جينات لنفهم كيف تطورت من الأجيال السابقة لها. في الواقع، هذا النقد أو الجدل يجعلنا نقف ونتأمل رد لوفلوك؛ فهو يتحدث عن وجود كائن يسمى الأرض- إن جاز التعبير- ويعطي أدلة وأمثلة حوله. هو ذات نفسه يعلم أن العلم حتى الآن لم يصُغ تعريفاً واضحاً لمعنى الحياة! ولعل أغلب الانتقادات في مضمونها تحوم حول نفس النقطة.

فرضية جايا
فرضية جايا: أغرب الفرضيات العلمية التي تعيد تشكيل مفهوم الحياة من جديد..فما هي؟

بعض من افتراضات جايا خارج إطار العلم

ويذهب لوفلوك بعيداً ليخبرنا أن آلية التكاثر لدى جايا من خلال الغلاف الحيوي لدى الأرض قد تكون من خلالنا نحن البشر، عن طريق استعمار كواكب أخرى وجعلها جاهزة للحياة، الأمر يبدو منطقياً مقبولًا، لكن السؤال المقابل هو: هل ستحافظ جايا على البشر؟ أو بصورة أخرى هل لدى جايا نظام يجعلها تحافظ على الأنواع التي تتكاثر داخل الغلاف الحيوي لديها؟

الإجابة لا، فقد شهدت الأرض العديد من الانقراضات لعديد من الكائنات التي كانت موجودة بالفعل على سطحها، وافتراض الحفاظ على البشر يعني افتراض وجود آليات تفكير تعمل خاصة بالأرض كالتي عند الإنسان!

الحديث الآن خرج من الساحة العلمية وانتقل إلى التكهنات والافتراضات التي لا حصر لها، لكن المتفق عليه في الأوساط العلمية والمثبت هو أن الأرض نظام معقد يستطيع تدوير عناصره من جديد، وأن الأنظمة المختلفة الموجودة في البيئات المتنوعة تستطيع التعامل مع المتغيرات التي تحدث بداخلها، فإن كانت متغيرات جيدة (أي نوع من أنواع التطور) تساعد على استقرار النظام وتستمر، وإن كانت لا تساعد على الاستقرار فالنظام أو العناصر الموجودة داخل النظام تتخلص منها بمرور الوقت وهذا ما يعرف بـ Sequential selection.

اقرأ أيضًا: كتاب ارتقاء الحياة: رحلة إلى داخل الحياة نفسها مع الاختراعات العشرة العظيمة للتطور

0

شاركنا رأيك حول "فرضية جايا: أغرب الفرضيات العلمية التي تعيد تشكيل مفهوم الحياة من جديد.. فما هي؟"