0

إنّ للعقل تأثير أقوى ممّا نتخيّل على الجسم، ففي بعض الحالات وتحت لواء الانخداع سيدفعك للاعتقاد بأنّ العقار المزيف الذي تناولته بكامل إرادتك يملك نتائج علاجيّة حقيقية، ذات تأثير يضاهي العقاقير الدوائية الأصليّة. ‏

تلك العلاقة القويّة بين العقل والجسد لا يمكن لأحدٍ أن ينكرها، وكلّ يوم تكتشف الدراسات ما يثير دهشتنا حول هذه الظاهرة المثيرة للجدل والتي تُعرف باسم تأثير الدواء الوهمي أو العلاج بالإيحاء (Placebo Effect). إنّه أبعد بكثير من مجرّد تفكير إيجابي وتحسّنٍ ملموس، فعندما تحدث هذه الاستجابة، لا يعرف الكثير من الناس أنّهم يستجيبون لما هو في الأساس “حبة سكر” أو مجرّد حقنة ماء.

لكشف الحقيقة كاملةً لا بدّ من أن نفهم المزيد عن كيفية وآلية عمل العلاج الوهمي المحيّرة لكثيرٍ من الناس.

اقرأ أيضًا: العلاج الإدراكي السلوكي: عندما يتشارك الطبيب والمريض بالعلاج

ما هو العلاج الوهمي أو البلاسيبو ؟

العلاج الوهمي - البلاسيبو
في المفهوم الطبّي، الدواء الوهمي هو عبارة عن حبة أو كبسولة أو حقنة أو أي شكل آخر على هيئة تداخل طبي، لكن لا يحتوي على أي عناصر علاجية ولا يملك أي تأثير كيميائي على الإطلاق، ‏كإعطاء المريض “حبوب سكر” على أنّها حبوب دوائيّة، أو إجراء العمليات الجراحية الوهمية، كجراحة “اللا شيء” . لكن بالمقابل سنلاحظ تحسّناً في حالة المريض رغم استقباله الدواء الوهمي بدلاً عن العلاج الطبي الفعّال.

تاريخ البلاسيبو

البلاسيبو - العلاج الوهمي
يملك العلاج الوهمي تاريخاً طويلاً وغنيّاً، حيث ظهر أوّل عرض علمي لتأثير الدواء الوهمي في عام 1799 عندما شرع الطبيب البريطاني، جون هيغارث (John Haygarth) في اختبار أحد علاجات الدجل المعروضة للبيع في ذلك الوقت لعلاج مرضى آلام المفاصل، والتي كانت عبارة عن قضبان معدنية باهظة الثمن تسمى جرارات بيركنز التي زُعم أنّها تجتذب المرض من الجسم، حيث وضعها في مواجهة جرارات خشبية رخيصة شبيهة بها، فوجد أنّ 4 من كل 5 مرضى يعانون من الروماتيزم أبلغوا عن تحسّن آلامهم عن طريق استخدام تلك الجرارات المزيفة.

وقام بنشر النتائج التي توصل إليها في كتاب بعنوان “في الخيال السبب والعلاج لاضطرابات الجسد”، لكنّ هيغارث لم يستخدم مصطلح تأثير الدواء الوهمي آنذاك، على الرغم من أن كلمة الدواء الوهمي قد استخدمت منذ فترة طويلة في سياقات أخرى، لكنّ المصطلح كما هو مستخدم اليوم تم تقديمه في بحث عام 1920 في صحيفة The Lancet.

دخل تأثير الدواء الوهمي إلى اللغة الطبيّة السريرية بعد عدّة عقود، بعد أن لاحظ طبيب التخدير الأمريكي هنري ك.بيشر (Henry K. Beecher) أنّ بعض الرجال الجرحى في ساحات القتال في الحرب العالمية الثانية غالباً ما يكون أداؤهم جيّداً بدون المورفين. ومنذ ذلك الحين، أظهرت الدراسات المتلاحقة أنّ تأثير الدواء الوهمي أقوى في الظروف التي تكون فيها التصورات من نوع الألم والقلق والاكتئاب.

اقرأ أيضًا: هل تعاني من انهيارات عصبية غير مبررة وسط أحداث سعيدة؟ إليك الأسباب والعلاج

آليّة عمل العلاج الوهمي

العلاج الوهمي - البلاسيبو
هل يلتمس الناس حقّاً تغيّرات حقيقيّة نتيجةً للعلاجات الزائفة؟

بينما يعرف الباحثون أنّ تأثير الدواء الوهمي هو تأثير حقيقي، لكن لا يفهمون تماماً كيف ولماذا يحدث هذا التأثير. فالبحث ما زال مستمرّاً عن سبب تعرّض بعض الأشخاص للتغييرات عندما يتلقون العلاج الوهمي فقط. قد تعزى هذه الظاهرة لعدد من النظريات التالية :

التكيّف الكلاسيكي


هو نوع من التعلّم اللاواعي المترجم على شكل ظاهرة عصبية نفسيّة، تُكتسب عندما تربط شيئاً ما باستجابة محدّدة، تلقائياً ستكون تلك الاستجابة مشروطة ومقترنة بذلك الحافز دوناً عن غيره، وهذا ما يخلق السلوك والشعور، على سبيل المثال، إذا مرضت بعد تناول طعام معين، يمكنك ربط هذا الطعام بالمرض وتجنّبه في المستقبل، لإسقاط هذه النظريّة على تأثير الدواء الوهمي، دعونا نلقي نظرة على مثالين:

  • إذا كنت تتناول حبّة معينة لعلاج الصداع الذي يراودك بين حينٍ وآخر، سينشأ رابط وثيق بين هذه الحبة وتسكين الآلام، فإذا تلقيت قرصاً وهميّاً مشابهاً للعقار المعتاد على استخدامه، فلا يزال بإمكانك الشعور والتماس انخفاض الألم بسبب هذا الارتباط.
  • قد تربط زيارة عيادة الطبيب بتلقي العلاج أو الشعور بالتحسن، وبالتالي سيؤثر هذا الارتباط بدوره على ما تشعر به حيال العلاج الذي تتلقاه من الطبيب.

التوقعات


إنّ تأثير الدواء الوهمي سيكون متجذّراً ضمن توقعاتك، أي إذا كنت تملك تنبّؤات مسبقة لشيء ما، فيمكنها التأثير على تصوّرك للشكل أو المشهد الذي ستترجم إليه. لذلك، إذا كنت تتوقّع أنّ مجرّد تناولك لحبّة معينة سيجعلك تشعر بتحسّن، فقد يتحقق ذلك بنسبة كبيرة جدّاً.

وبالطبع يمكنك إنشاء توقّعات لتشعر بالتحسّن من خلال العديد من أنواع التلميحات والدلائل، إليك بعض الأمثلة التالية:

  • الأسلوب الشفهي: قد يخبرك الطبيب أو الممرضة أنّ الحبوب الموصوفة لك ضمن الوصفة الطبية ستكون فعّالة في علاج حالتك.
  • فعل ما أو إجراء تداخلي: قد تشعر بتحسّن عندما تفعل شيئاً ما لمعالجة حالتك بدلاً من عدم تحريك ساكن والاكتفاء بالشكوى، مثل تناول حبة أو أخذ حقنة أو القيام بفحص طبي مثلاً.
  • أسلوب التواصل الاجتماعي: يمكن لنبرة صوت الطبيب ولغة جسده والتواصل البصري المتعمّد من قبله أن يجعلك تشعر بالطمأنينة والراحة، ممّا يكسبك المزيد من الإيجابية والحماس والقبول بشأن العلاج.

الوراثة


قد تلعب الجينات دوراً في كيفيّة استجابة الأشخاص للعلاجات الوهمية، فبعض الناس لديهم استعداد وراثي للاستجابة بشكل أكبر دوناً عن غيرهم، حيث وجدت إحدى الدراسات أنّ الأشخاص الذين لديهم متغيّر جيني يرمز إلى مستويات أعلى من الدوبامين الكيميائي في الدماغ هم أكثر عرضةً لاستقبال تأثير الدواء الوهمي من أولئك الذين لديهم نسبة منخفضة من الدوبامين، حيث يميل الأشخاص الذين لديهم مستويات عالية من الدوبامين المرتبطة بامتلاك ذلك الجين، إلى أن يكون لديهم مستويات أعلى من الإدراك الحسّي للألم والتماس البحث عن المكافآت.

اقرأ أيضًا: علم التخلق: معلومات من خارج الشيفرة الجينية وصفات بعيدة عن حجم الأنف والقامة قد ترثها عن أبويك!

أهميّة العلاج الوهمي

تكتسب الأدوية الوهمية أهميّة خاصّة في التجارب السريرية والأبحاث الطبية لمساعدة الأطباء والعلماء على اكتشاف التأثيرات الفيزيولوجية والنفسية للأدوية الجديدة وفهمها بشكل أفضل.

كما تتيح للباحثين مجالاً لمقارنة نتائج العلاج الوهمي بتلك الموجودة في العقار الفعلي، ممّا يساعدهم على تحديد ما إذا كان الدواء الجديد فعالاً، من خلال معرفة دوره في إضعاف أو إلغاء التأثير الذي يمكن أن تتبناه التوقعات على النتيجة.

الأبحاث والدراسات في مجال العلاج الوهمي

وجدت الأبحاث أنّ تأثير الدواء الوهمي يمكن أن يخفّف أعراضاً مثل الألم أو التعب أو الاكتئاب، من خلال اختبار مدى فعالية العلاج بعد إعطاء بعض الأشخاص في إحدى الدراسات علاجاً وهمياً، ريثما تم اختبار العلاج الجديد على آخرين، ففي حال أظهر المشاركون الذين تناولوا الدواء الفعلي تحسنّاً ملحوظاً عن أولئك الذين يتناولون الدواء الوهمي، فيمكن للدراسة أن تساعد في دعم المطالبة بفاعلية الدواء.

عند اختبار الأدوية أو العلاجات الجديدة، يرغب العلماء في معرفة ما إذا كان العلاج الجديد يعمل أفضل ممّا هو متاح بالفعل. ومن خلال أبحاثهم يتعلمون نوع الآثار الجانبية التي قد ينتجها العلاج الجديد، والتي قد يستفيد منها المرضى أكثر. على الجانب الآخر سيقيّمون الفوائد المحتملة التي تفوق المخاطر.

ما هو Nocebo

البلاسيبو مقابل النوسيبو
حالة معاكسة للتأثير المرغوب والمراد من العلاج الوهمي، تنقلب إلى عدم إفادة وكفاءة جميع تأثيرات العلاج الوهمي، لتتفاقم الأعراض بدلاً من أن تتحسّن، هذا ما يمثّل الجانب المظلم للعلاج كنوع من التأثير الوهمي السلبي يسمى تأثير Nocebo، حيث يمكن للأفراد اختبار المزيد من الأعراض أو الآثار الجانبية كرد فعل على الدواء الوهمي، على سبيل المثال، قد يبلغ المريض عن صداع أو غثيان أو دوار استجابةً للعلاج الوهمي.

اقرأ أيضًا: من شابه أباه فما ظلم… هل الذكاء مكتسب أم للجينات يد خفية في الأمر؟

0

شاركنا رأيك حول "البلاسيبو ما بين الحقيقة والوهم: إليك الأسرار الكامنة حول فعالية العلاج الوهمي"