نظرية الملعقة
0

تقول “كريستين ميسيراندينو”، مبتكرة نظرية الملعقة، أنها في إحدى المرات كانت جالسة مع صديقتها في المقهى، يتناولن البطاطس المقلية مع المرق، ويتحدثن في بعض الأمور المعتادة للفتيات في أعمارهن. كانت كريستين مُصابة بمرض الذئبة، ما يجبرها على حمل دوائها معها في أي مكان، وعندما همّت لتناول الدواء، نظرت إليها صديقتها باستغراب وفاجأتها بسؤال: “ما الذي تشعرين به عند الإصابة بمرض الذئبة أو أي مرض عمومًا؟”.

ذُهلت كريستين من سؤال صديقتها التي رافقتها في رحلة علاجها، فقد رأتها من قبل في أسوأ حالاتها، لقد رأتها وهي تبكي من الألم وأثناء زياراتها للطبيب وعندما كانت تمشي بعصا، وفي إحدى المرات وقعت كريستين من فرط التعب والألم، فساندتها رفيقتها. لقد ذُهلت من هذا السؤال الذي يدل على أنّ صاحبه قد لا يفهم أي شيء عن مرضها، بالرغم من رفقتها لها في رحلتها. وهنا وُلدت نظرية الملعقة.

ما هي نظرية الملعقة؟

نظرية الملعقة

حاولت كريستين التهرب من إجابة صديقتها، لأنها حزنت كثيرًا، وبينما كانت تتلفت حولها، لاحظت وجود ملاعق على طاولات الطعام حولها، فما كان منها إلا أن جمعتها، حتى صار أمامها 12 ملعقة. وبدأت في الشرح قائلة إنّ أغلب الناس يبدؤون يومهم بكمية غير محدودة من الطاقة التي تساعدهم في قضاء ما يريدونه أثناء يومهم وآخرين لا يملكون قدرًا كافيًا من الطاقة. وتُمثل هذه الملاعق الطاقة.

في حالة الشخص المريض، يكون معه 12 ملعقة يوميًا، عليه استخدامها بحرص شديد، ولا يهدرها. وإلا سيُضطر لسحب ملعقة، أي طاقة، من مخزون اليوم التالي. مثلًا، عند الذهاب إلى الكلية، فهذا يسحب ملعقة، لكن الذهاب إلى الكلية ثم السفر في رحلة بنفس اليوم، فهذا قد يسحب الكثير من الملاعق، ويُضطر المريض لسحب ملاعق من اليوم التالي، وعندما يأتي اليوم التالي، يجد طاقته غير كافية حتى لقضاء يومه العادي. وكلما زاد الجهد الذي يبذله، فإنه يستهلك عددًا أكبر من الملاعق.

أما الشخص العادي، فهو يقضي يومه كما يشاء لا يعبأ بالطاقة التي قد تنفد منه، حيث يستطيع توليد المزيد منها، أمامه احتمالات غير محدودة، ويستطيع فعل أشياء كثيرة في نفس اليوم دون أن يتعب أو يستنفد طاقته. هكذا شرحت كريستين لصديقتها ماذا يعني أن يكون الإنسان مُصابًا بمرض مزمن.

ولكنهم لا يعلمون..

هذه حقيقة، لذلك يُقال إنّ الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، يصعب على الشخص السليم الإحساس بالمريض إلا إذا مرّ بوعكة صحية جعلته يعيد حساباته فيما حوله. لا فرق بين المصاب بمرض مزمن والشخص الصحيح في الحماس، كلاهما لديه حماس وشغف لشيء ما في الحياة. لكن مع الأسف، لا يستطيع المريض التنفيذ إلا في ظروف ضيقة أو أنه سيُضطر للتنازل عن عدد كبير من ملاعقه المتاحة أمامه يوميًا لأجل شيء محدد، إنه متحمس، لكن التعب الجسدي الذي يعاني منه يقيد أفكاره ويُجبره على البقاء دون خطوة للأمام، أو يخطو ببطء أو يقرر التنازل ليحافظ على ملاعقه.

كيف تساعدك نظرية الملعقة في حياتك؟

نظرية الملعقة

حياة أكثر فعالية

تساعد نظرية الملعقة في إدراك الطاقة المتاحة أمامك في حياتك، ما يجعلك أكثر تركيزًا على المهام التي تستحق بذل الطاقة فعلًا دون غيرها، فتتجنب الإرهاق. بالإضافة إلى أنها تسمح للناس بالإبداع وتقليل التعب الذي قد يتعرضون له نتيجة بذل كمية كبيرة من الطاقة. مثلًا في بعض الأيام قد تُضطر للذهاب إلى المتجر لشراء الطعام فتستهلك ملعقة، يمكنك توفيرها في اليوم التالي بأن تطلب توصيل الطعام إلى البيت بدلًا من الذهاب للمتجر بنفسك واستخدام هذه الملعقة في ممارسة التمارين الرياضية أو أي نشاط مثلًا.

تعزيز التواصل بينك وبين أصدقائك

في معظم الأحيان، لا يُدرك الأشخاص الأصحاء ما تعنيه محدودية الطاقة، فيتضايقون من المريض إذا اعتذر عن مناسبة أو لم يستطع القيام بمهمة ما على أكمل وجه أو كما ينبغي، ومهما شرح لهم أنه مريض ولا يستطيع، قليل من يصدقونه أو يشعرون به. لذلك، تُعد نظرية الملعقة فكرة مثالية وبسيطة، يستطيع شرح ما يشعر به للعائلة والأصدقاء، ربما يقدرون حالته ويدركون حالته، وبالتالي يعذرونه.

إذًا، كم عدد الملاعق لدي؟

سؤال رائع، لكن إجابته ليست عندي، إنها لديك أنت! المسألة نسبية تتغير من شخص لآخر، فعدد الملاعق خاصتي يختلف عن التي لديك، تختلف عن تلك التي يمتلكها شخص يعاني من مرض ما، مزمن كان أو مؤقت، صدقني المسألة تختلف من شخص لآخر حقًا. إذا كنت تريد حساب عدد الملاعق لديك. إذًا، عليك مراقبة يومك جيدًا وتحديد كمية الطاقة المتاحة لك، وتوزيعها كما تشاء باقتصاد.

هل من سبيل للحصول على ملاعق جديدة؟

ربما يكون هذا الخيار متاحًا حسب الحالة، ومن ضمن الوسائل التي قد تساعد في الحصول على المزيد من الطاقة هي ما يلي:

  • الالتزام بحمية غذائية صحية مدى الحياة.
  • الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة من خلال النوم جيدًا في الليل.
  • القيام بالأنشطة المفيدة التي تُحسن من حالتك المزاجية وتزيد طاقتك.
  • التأمل لمدة 15- 20 دقيقة يوميًا لأسبوعين له تأثير ساحر، حيث يجعل الدماغ أكثر قدرة على مواجهة الإجهاد.
  • ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس العميق.
  • جلسات التنويم المغناطيسي.
  • البقاء في بيئة آمنة برفقة أصدقاء جيدين وعائلة متفهمة يدعم الشخص كثيرًا.
  • الحفاظ على التواصل الجيد مع الآخرين وأداء العبادات له دور فعال في تقليل احتمالية الإصابة بالأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب.

اقرأ أيضًا: قبل رامي جمال.. هؤلاء المشاهير أعلنوا تجربتهم مع المرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي

بعض الدروس الحياتية التي تعلمنا إياها نظرية الملعقة

نظرية الملعقة

لا يمكنك فعل كل شيء.. تصالح مع ذلك

يعاني الشخص المصاب بمرض مزمن من محدودية الطاقة، ولا يستطيع إنجاز الكثير من المهام، لذلك عليه تحديد عدد الملاعق المتاحة له بنفسه والتصرف في يومه وحياته عمومًا على أساسها ولا يُكلف جسده المزيد من العناء. وإذا تطرقنا للحياة حولنا، سنجد أنّ هناك بعض المواقف التي لا نستطيع فيها فعل كل شيء مثل التحكم في الزمن أو العودة للوراء وإصلاح شيء تم إتلافه وهكذا. ربما التصالح مع الواقع هو طريقة حكيمة في بعض الأحيان.

لا تخجل واقبل المساعدة

إنّ التظاهر بالصلابة والقوة وعدم الحاجة للناس ليس أمرًا جيدًا كما يعتقد بعض الناس، بل قد يتطور الأمر ليصبح أكثر تعقيدًا. يحاول أغلب المصابين بأمراض مزمنة وإعاقات أن يثبتوا للعالم أنهم أقوياء، وهذا صحيح، إنهم أقوياء معنويًا، لكنهم مُقيدون داخل أجساد تعاني من أمراض تحد طاقتهم. إنّ قبول المساعدة في مثل هذه الحالات أو حتى عمومًا ليس عيبًا بل إنه طريقة فعّالة لتخفيف أعباء الحياة وتقليل المهام، وعليك إدراك أنك عندما تقبل مساعدة أحدهم، فهذا ليس ضعفًا، ولكنك إنسان. حتى وإن لم تكن من أصحاب الأمراض المزمنة، لا بأس من قبول مساعدة الآخرين.

افرح بجسدك.. إنه صديقك

اخرج وأطلق جسدك في الهواء الطلق، ليس ضروريًا أن تركض، يكفي تعريضه للهواء النقي ومساعدته على الانتعاش. وإن كنت صحيح الجسد، لمَ لا تركض وتستمتع بطاقتك وجسدك. وهذا لا يتعارض تقبلك للقيود التي يحتمها عليك مرضك إذا كنت مريضًا، ولكنه يعلمنا أنه مثلما نستطيع التحكم في كمية الطاقة المستهلكة، يمكننا أيضًا التمتع بالجزء المتبقي لدينا.

ساعد غيرك.. لا بأس من التبرع بملعقة

يومك انتهى ولكن تبقى لديك ملعقة، فلا بأس يا صديق من إعطائها لشخص يحتاج للمساعدة. هذا سيُحسن حالتك المزاجية، وربما يعزز إدراكك لحقيقة أننا البشر كائنات اجتماعية، تحتاج للمساعدة مهما كنا أصحاء، فلا تتحسس من مسألة مساعدة الآخرين لك. فإذا انتهى يومك ووجدت أحدهم يحمل أكياسًا ثقيلة، لمَ لا تساعده وتحملها عنه؟

ملعقة لأصدقائنا وأحبائنا

قد تستهلك ملعقة عند الخروج للعشاء مع أصدقائك أو زيارة أقاربك أو حتى الجلوس مع عائلتك في سهرة عائلية جميلة. لا بأس من إنفاق ملعقة في سبيل ذلك، فهذا سيُعزز من حالتك النفسية ويجعلك على تواصل أفضل مع الآخرين، فيتقبلونك وتتقبلهم وتزداد مساحة التفاهم بينكما.

ابتسم.. جدد طاقتك

الإصابة بمرض مزمن ليست نهاية العالم، يمكنك التعايش معه وتقديم أفضل ما لديك أيضًا، لا تترك نفسك لنوبات الحزن أو الوقوع في فخ السخط وتقول لمَ أنا؟ لا يا صديق، تعايش وابتسم، فالضحك أو الابتسام يساعد على إفراز مادة الأندروفين، وهي مادة تساعد الجسم في تقليل الشعور بالألم والتوتر، ويجعلنا في حالة أفضل.

وأخيرًا.. نظرية الملعقة ليست فقط لأصحاب الأمراض المزمنة، ربما إذا طبقتها في حياتك يا صديق، ستتنازل عن كثير من الأشياء التي تكلفك وقتًا وجهدًا ضائعين، مثل التخلص من العلاقات السامة والبحث عن فرص أفضل سواء على المستوى الشخصي أو المهني. عليك الاهتمام بملاعقك حتى وإن كانت غير محدودة واستهلكها بحذر في سبيل أهدافك، هذا سيساعدك على أن تكون أكثر حكمة في المستقبل.

اقرأ أيضًا: أفلام جمعت المرض والحب: هل أصبح من الغريب صنع فيلم عن قصة حب بين شخصين أصحاء؟

0

شاركنا رأيك حول "نظرية الملعقة.. كيف تتصرف عندما تكون الموارد على المستوى الشخصي محدودة؟"