Climate Change
0

“المشكلة الكبرى في توقع نهاية العالم، هي أننا لن نفرح بصحة هذا التوقع إن ثبتت صحته”

بيل ماجواير

عام 2016، أصدر البنك الدولي تقريرًا يُشير إلى أنّ الخطر يحف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب التغيرات المناخية، ومن المحتمل أن يرتفع منسوب المسطحات المائية بمقدار 0.5 متر بحلول 2099، والذي بدوره سيُؤثر بالسلب على المناطق الساحلية المنخفضة في بعض الدول العربية، منها: تونس وقطر وليبيا والكويت والإمارات، وبصفة خاصة مصر. الأمر لا يتوقف عند غرق مدن مهمة، ولكن التغير المناخي سيؤثر على اقتصاد دول الشرق الأوسط أيضًا إذا استمر اتجاه التغير المناخي للأسوأ هكذا.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي قد يضع النهاية على الأبواب حرفيًا.. دراسة من عام 1972 تنبأت بما يحدث اليوم!

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

تشكل منطقة الشرق الأوسط مساحة كبيرة من العالم، ما يعني أنّ أي ضرر يحدث فيها، سيُؤثر على مصالح العالم. والحقيقة أنّ الربيع العربي يعاني كثيرًا، ليس فقط بسبب التغيرات المناخية، وإنما الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية التي لم يستطع أحد حلها. مع الأسف “اتفق العرب على ألا يتفقوا”، وسنتعرف على تطبيق هذا المثل الشهير من خلال هذا التقرير، الذي يطرح تأثير التغيرات المناخية على دول الشرق الأوسط وأسبابها. قبل ذلك، لنتطرق إلى بعض المعلومات المهمة بخصوص التغيرات المناخية في الشرق الأوسط.

ترتفع حرارة الشرق الأوسط بمقدار الضعف عن المعدل العالمي

عام 2018، صدر تقرير عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، يُشير إلى أنّ الأرض أصبحت أكثر دفئًا خلال العقود الماضية، بسبب الغازات الدفئية، خاصة بعد الثورة الصناعية، لكن يمكن الحد من الآثار الضارة للحرارة المرتفعة من خلال الحد من الاحترار العالمي إلى أن ينخفض متوسط درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق متوسط درجة الحرارة قبل الثورة الصناعية التي انطلقت خلال القرن التاسع عشر. كما أوضح أن البلدان التي ترتفع فيها درجة الحرارة عن 2 درجة مئوية فوق المتوسط، لن تكون آمنة.

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

أما عن بلاد الشرق الأوسط، فهي في خطر فعلًا، فمن المتوقع أن ترتفع درجة الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية، بحلول عام 2050. أي أنها ترتفع بمقدار الضعف عن المعدل العالمي المطلوب للوصول إلى بر الأمان.

إليك بعض أرقام درجات الحرارة المرعبة التي سُجلت في صيف 2021:

  • سجلت الكويت 53.2 درجة مئوية في شهر يونيو.
  • في يونيو أيضًا، سجلت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وعُمان أكثر من 50 درجة مئوية.
  • في يوليو، سجلت العراق نحو 51.5 درجة مئوية.
  • وفي نفس الشهر (يوليو) سجلت إيران نحو 51 درجة مئوية.

اقرأ أيضًا: بيل غيتس وكتاب عن أزمة التغير المناخي ربما يحمل بين طياته مفتاح نجاة البشرية

وفقًا للبنك الدولي.. كيف سيُؤثر التغير المناخي على دول الشرق الأوسط؟

أشار البنك الدولي إلى العواقب الوخيمة التي ستتعرض لها الدول العربية أو دول الشرق الأوسط عمومًا إذا لم تتخذ إجراءاتها للحد من آثار التغيرات المناخية، ونذكر منها:

نضوب الموارد المائية

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

يرتفع عدد سكان الشرق الأوسط بمعدل كبير، بالإضافة إلى اتجاه معظم السكان نحو الحياة المدنية، بعيدًا عن الريف، حتى أنّ كثير من الأراضي الزراعية قد تحولت إلى مدن، ما أدى إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة الموارد المائية. هذا بدوره جعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – أي بلاد العرب – في حالة يُرثى لها، حيث صارت أكثر مناطق العالم إجهادًا مائيًا، هذا سيرفع معدلات الهجرة بين الدول، وقد ينشب عن ذلك صراعات غير مرغوبة.

ويتوقع العلماء انخفاض هطول المطر بنسبة تتراوح بين 20 – 40 % عندما ترتفع الحرارة عن المتوسط 2 درجة مئوية، بل وسترتفع نسبة الانخفاض هذه إلى 60 % عندما ترتفع الحرارة إلى 4 درجات مئوية فوق المتوسط.

أراضٍ غير صالحة للعيش

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

تتسبب الحرارة المرتفعة في الكثير من العواقب الوخيمة، أشهرها الجفاف، ما يؤدي إلى تقليص المساحات الزراعية، وستكون الفئة الأكثر ضررًا، هم سكان الريف، لكن الأمر قد يصبح أسوأ عندما تصبح الأرض غير صالحة للعيش تمامًا، حيث يتوقع العلماء أن يكون فصل الصيف في دول الشرق الأوسط عبارة عن 4 أشهر من الحرارة المرتفعة.

وفي هذا الصدد، نُشر تقرير في مجلة “Business Insider” العالمية في أكتوبر 2019، عن 11 مدينة رئيسية قد تصبح غير صالحة للعيش بعد عام 2070، من ضمن القائمة الواردة في التقرير مدينتان عربيتان، وهما: دبي وأبو ظبي. فمن المتوقع أن يصل متوسط درجة الحرارة إلى 45 درجة مئوية خلال الصيف في دبي، بينما ستصل إلى 52.2 في أبو ظبي.

في مصر.. عروس البحر المتوسط الإسكندرية تغرق

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

تقع الإسكندرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مصر، وعُرفت منذ القدم بعراقتها وأهميتها الجغرافيا والتاريخية. وفي ظل التغيرات المناخية المعاصرة، نجدها في مواجهة الخطر، حيث تعاني من ارتفاع منسوب المياه. ومن ضمن العواقب الوخيمة التي تتعرض لها البلاد:

وفقًا لتصريحات وزارة الموارد المائية والري المصرية

  • كان يرتفع مستوى سطح البحر بمعدل 1.8 ملم سنويًا حتى عام 1993.
  • ارتفع منسوب البحر خلال العشرين سنة التالية بمعدل 2.1 ملم سنويًا.
  • منذ عام 2012، أصبح منسوب البحر يرتفع بمعدل 3.2 ملم سنويًا.

انهيار قلعة قايتباي

التغير المناخي دول الشرق الأوسط
صورة لقلعة قايتباي في مدينة الإسكندرية – مصر

في 2019، ساء الحال، ما أدى إلى غرق بعض المباني عند كورنيش البحر المتوسط، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد لقى بعض الأشخاص مصرعهم غرقًا. واتخذت السلطات المصرية إجراءاتها خوفًا من أن يمتد خطر الغرق هذا لقلعة قايتباي، وهي من أهم المعالم السياحية والتاريخية في الإسكندرية، ويُقدر عمرها بنحو 500 عامًا. مع ذلك، ما زالت الإسكندرية عرضة للغرق.

عن اقتصاد الإسكندرية وبورسعيد

في سبتمبر عام 1999، نُشرت دراسة في مجلة “Mitigation and Adaptation Strategies for Global Change”، لتقييم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة في دلتا مصر، بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر خاصة في محافظتي الإسكندرية وبور سعيد. وأفضت الدراسة إلى أنّ ما يلي سيحدث خلال القرن الحالي:

  • في حالة الأسكندرية: ستفقد المدينة ما يزيد عن 30% من مساحتها، وسيُضطر 2 مليون مواطن إلى ترك المدينة، ما سيؤدي إلى فقد 195 ألف وظيفة، وستزيد الخسائر الاقتصادية للبلاد عن 3.5 مليار دولار! والحقيقة أنّ الخسائر قد تزيد عن هذا الرقم، ففي عام 2019، أنفقت الحكومة المصرية نحو 32 مليون جنيه مصري فقط لحماية قلعة قايتباي.
  • مدينة بور سعيد: اتضح أنّ المناطق الشاطئية أكثر عرضة للضرر، تليها المناطق الحضرية، وقُدرت الخسائر الاقتصادية وقتها بنحو 2 مليار دولار لكل ارتفاع نصف متر، و4.4 مليار دولار لكل 1.25 متر فوق مستوى سطح البحر.

ويرتفع منسوب المياه في الإسكندرية

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

في عام 2004، صدر تقرير عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأشار إلى أنّ دلتا النيل تنحسر بمعدل 3 – 5 ملم / السنة. ومن المتوقع غرق المدن الساحلية عندما يصل ارتفاع منسوب المياه إلى 2.5 مترًا، على رأسها الإسكندرية. ليس فقط لكونها مدينة تاريخية عريقة، ولكنها من أبرز المدن المصرية، وكانت عاصمة البلاد في وقت من الأوقات، واليوم تُصنف على أنها عاصمة مصر الثانية بعد قاهرة المعز. إضافة إلى الدور البارز الذي تلعبه في اقتصاد مصر، حيث تهيمن الإسكندرية على نحو 40% من الصناعة المصرية.

بعض العواقب الوخيمة إذا ارتفع منسوب البحر 0.25 مترًا:

  • سيفقد 60% من سكان الإسكندرية بيوتهم التي ستغطيها المياه.
  • سينهار 56.1% من قطاع الصناعة في الإسكندرية.

أما إذا ارتفعت المياه بمقدار 0.5 مترًا سيحدث الآتي:

  • يفقد 67% من السكان منازلهم.
  • يضيع 65.9% من قطاع الصناعة هناك.
  • ينهار 75.9% من قطاع الخدمات العامة.
  • تدمير 30% من مساحة الإسكندرية.
  • فقد 195 ألف وظيفة.
  • تقليل عدد السكان من خلال رحيل 1.5 مليون مواطن من المدينة.

ليست الإسكندرية فقط.. دلتا النيل في خطر

التغير المناخي دول الشرق الأوسط

من المتوقع ارتفاع متوسط درجات الحرارة في مصر بنحو (1.4 – 2.5) درجة مئوية بين عامي 2050 – 2100، وهذا سيُؤثر بالسلب على البلاد، خاصة المناطق شبه القاحلة، التي ستُعاني من قلة مياه النيل. خاصة بعد بناء السد العالي الذي قلل كمية مياه النيل المتدفقة، ما أثر بالسلب على دلتا مصر، فأخذت في الانكماش، وهذه مشكلة أخرى. ليس ذلك فقط، بل سيتسبب ارتفاع منسوب مياه البحر هذا في زيادة ملوحة التربة، ما يؤثر بالسلب على خصوبتها التي عرفت بها منذ آلاف السنين.

اقرأ أيضًا: في ظل التغيرات المناخية.. أيهما أخطر الحرارة المرتفعة أم المنخفضة؟

الحلول متاحة ولكن التنفيذ!

تتمتع دول الوطن العربي بإمكانيات طبيعية عالية، تستطيع نجدتها من هذا المأزق المناخي. وتتمثل أبرز الحلول في استغلال طاقة الرياح والطاقة الشمسية في تعزيز إنتاجية الكهرباء، ما يساعد في حل هذه الأزمة التي تعاني منها بعض الدول العربية، فقد ازدادت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال العقود الماضية بمعدل يزيد عن 3 أضعاف الطبيعي.

وقد ارتفعت الحرارة في العديد من مدن الشرق الأوسط عن 50 درجة مئوية، ومن المتوقع أن ترتفع فوق الـ 60 درجة مئوية في المستقبل. ويرى بعض الخبراء أنّ مشاركة الدول العربية في الموارد حل فعّال. لكن يبدو أنّ الصراعات والأزمات السياسية لن تدع للحلول مجالًا للعمل. ويتضح ذلك جليًا من عدة مواقف:

  • قبل عدة سنوات، قدمت جامعة الدول العربية اقتراحًا بشأن الموارد المائية المشترطة، لكن لم تصادق عليه الدول.
  • رفضت السلطة السياسية في لبنان مشروعات إصلاع قطاع الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتي من شأنها تعزيز إنتاجية الكهرباء للبلاد، بل وتطوير المشروع ليُدر الربح على البلاد. ما يعود بالنفع على لبنان ويقلل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وفي المستقبل يقل الاحترار العالمي.
  • نتيجة الصراعات السياسية التي تعاني منها بعض دول العربية، صار الاتفاق صعبًا على المصالح المشتركة لتقليل انبعاث غازات الاحتباس الحراري، ما أدى لتقليل الموارد. وهذا سيؤثر على الطبقات الفقيرة خاصة، لكن الطبقات الغنية، تستطيع توفير المياه والكهرباء والمكيفات التي تعينها على تحمل الحرارة المرتفعة.

وأخيرًا.. اتفق العرب على ألا يتفقوا حقًا، وفي ظل رفض التعاون بين دول الشرق الأوسط على مشاركة الموارد أو تنفيذ الحلول المتاحة، ستتأثر بلادهم، وتغرق أهم مدنهم، بل وستزداد كمية غازات الاحتباس الحراري، وستؤثر هذه النسبة على حالة المناخ العالمي. ما يعني أنّ ناقوس الخطر يدق، ولكنه سيصدأ في يوم ما، وقتها لن تكون هناك فرصة أخرى لتصحيح أي خطأ، الذي سيؤثر على العالم أجمع، وربما تقترب نهاية العالم، ولن نفرح بصحة هذا التوقع كما قال بيل ماجواير.

اقرأ أيضًا: عن الفن وصناعة المحتوى .. لماذا تنتشر البضاعة الفاسدة في الوطن العربي؟

0

شاركنا رأيك حول "دق ناقوس الخطر.. ما تأثير التغير المناخي على دول الشرق الأوسط؟"