0

تخيل معي السيناريو التالي: أنت الآن تجلس تقرأ هذا التقرير من شاشة هاتف أو كمبيوتر. وإذا بالكهرباء تنقطع! لا بأس، تستطيع استكمال القراءة، فغالبًا ما يكون تحميل الصفحة قد اكتمل، لكنك تستاء من الظلام. ذهبت لإحضار شمعة (بافتراض أنّ الكشاف لديك لا يعمل أو لا تريد استخدام كشاف هاتفك)، تركت القراءة وسرحت في إضاءة الشمعة، وأثارك الفضول لتقترب منها أكثر، فأكثر، وحاولت تقريب يدك من النار المشتعلة. وفجأة بكل تلقائية أبعدت يدك بسرعة دون تفكير.

حدث هذا المشهد في جو يسوده الهدوء والظلام يغطي المكان باستثناء المساحة المحيطة بالشمعة. ستشعر برغبة في شيء من الاثنين: إما النوم أو التفكير. وبما أنها ليست ساعة نومك، ستُفكر في أي شيء، ربما موقف حدث لك اليوم، وقد تفكر في سبب اتخاذ يدك رد فعل تلقائي عندما اقتربت من الشمعة. لقد فعلتها دون تفكير، بسرعة كبيرة في خلال جزء من الثانية.

وهنا تقمصت دور العالم الفيلسوف الذي يبحث في أصل الأشياء ويضع فرضيات وإجابات لتساؤلات من قبيل: كيف أدركت هذا الخطر؟ ما آلية التواصل بين دماغي ويدي ليعطي هذا الأمر؟ لحظة، لماذا نشعر بالحرارة والبرودة؟ كيف أشعر بأحدهم عندما يلمسني؟ وعلى غير توّقع جاءت الكهرباء، لتقطع حبل أفكارك، ثم قررت استكمال قراءة تقرير يروي تفاصيل جائزة نوبل في الطب والفسيولوجي لعام 2021. ووجدت إجابات لتساؤلاتك.

اقرأ أيضًا: جائزة نوبل في الطب 2021.. تذهب إلى اكتشاف مستقبلات الحرارة واللمس

نوبل في الطب والفسيولوجي 2021

في 4 أكتوبر 2021، أعلنت لجنة نوبل في معهد كارولينسكا عن ذهاب جائزة نوبل في الطب والفسيولوجي إلى “ديفيد جوليوس” و”أرديم باتابوتيان”، لاكتشافهما الآلية التي تعمل بها مستقبلات اللمس والحرارة في أجسامنا. لقد أجابا عن أسئلة كثيرة تراودنا بشأن كيفية إدراكنا للحرارة أو البرودة أو اللمس أو الضغط وغيرها، من خلال التعمق في آليات عمل النواقل العصبية.

لم يكن ديفيد وأردم هما أول من حاول البحث في كواليس انتقال الإشارات بين الدماغ وأعضاء الجسم. لقد حاول كثير من العلماء معرفة هذا السر، بل وانطلق بعض الفلاسفة بخيالهم وافترض أحدهم وجود خيوط تربط الجسم البشري بالدماغ. إنه ديكارت الذي ذكر هذه الفكرة أثناء القرن السابع عشر الميلادي. ربما حاول ديكارت تفسير كيفية إدراك الدماغ ليديه عندما تقترب من النار، تمامًا كما في حالة الشمعة.

ما الجديد إذًا؟

إذا عدنا بالزمن إلى عام 1944، حصل كل من “جوزيف إرلانجر” و”هربرت جاسر” على جائزة نوبل في الطب والفسيولوجي أيضًا، لعمل مشابه. وهو توضيح لإجابة سؤال بسيط، لماذا يختلف رد فعلك في الحالات الآتية: عندما يلمسك أحدهم برفق وآخر يضربك فتتألم؟ ببساطة، لأنّ هناك أنواعًا مختلفة من الأعصاب الحسية تتفاعل مع المحفزات المختلفة من حولنا وتميزها، ما يزيد إدراكنا لما يحدث في محيطنا، وبالتالي نستطيع التمييز بين اللمس برفق أو الضرب المبرح.

إذا طبقنا هذا على حياتنا عمومًا، سنُفسر لماذا نميز الأشياء عند لمسها. لا شك أنّ جوزيف وهربرت ساعدانا على فهم أسباب إدراك الجهاز العصبي للبيئة المحيطة. لكن بقي تساؤل في الساحة لم يُقدم أحد تفسير واضح له وهو كيفية تحويل المحفزات المختلفة هذه إلى نبضات كهربائية في الجهاز العصبي بالدماغ. وهنا الجديد.

الفلفل الحار على مائدة نوبل للطب والفسيولوجي 2021.. قصة الحرارة والبرودة

“إلى عشاق الطعام الحار، أين أنتم؟ الفلفل الحار على مائدة نوبل حرفيًا.”

في أواخر تسعينات القرن الماضي، قرر “ديفيد جوليوس” البحث عن كيفية إدراكنا للحرارة. وهذا يعني أنه سيحتاج إلى مادة كيميائية تثير إحساسنا بالحرارة. ما هي يا تُرى؟ بالضبط، إنها داخل مكونات الفلفل الحار وتُسمى “الكابسيسين”، وهي مادة كيميائية تنشط الخلايا العصبية خاصتنا، فتسبب الألم الذي نشعر به في ألسنتنا عند تناول الفلفل الحار أو إذا وضعنا أيدينا عند أعيننا بعد تقطيعه. هذا يعني أنّ هناك جينًا ما يتفاعل مع الكابسيسين ويجعل الخلايا حساسة له.

صورة توضح التركيب الكيميائي للكابسيسين.

وللكشف عن هذا الجين، اختبر ديفيد وزملاؤه ملايين الجينات وافترضوا أنّ من بينها جين يستطيع تكوين بروتين قادر على التفاعل مع الكابسيسين. وبعد عدة محاولات، توصلوا إلى جين يجعل الخلايا حساسة للكابسيسين، فنشعر بالألم. وهنا سؤال مهم، كيف يعمل هذا الجين؟

حسنًا، بدايةً إنه يسمى “TRPV1”، واتضح أنه يكوّن بروتينًا عبارة عن قناة أيونية، تسمح لبعض الأيونات مثل: الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم بالمرور من خلال غشاء الخلية عندما تتعرض للحرارة. ما يتسبب في تقلص العضلات الهيكلية والقلب وتؤثر على بعض الوظائف الفسيولوجية. هذا كله يعطي شعورًا بالألم. وتوالت التجارب، حتى تم الكشف عن أنّ هذه هي الآلية التي نشعر من خلالها بالحرارة.

بعدما نجحت تجربة ديفيد وزملائه. بدأ تطبيقها، لاكتشاف المزيد من القنوات الأيونية وتحديد علاقتها بالإحساس بالحرارة. وبالفعل استخدم كل من ديفيد وأرديم مادة المنثول، وهي مادة كيميائية تنشط عند الإحساس بالبرد، ومن خلالها تم تحديد جين “TRPM8”، وتتابعت التجارب إلى أن اكتشفوا مجموعة من الجينات الأخرى التي تكون قنوات أيونية أخرى عند درجات حرارة مختلفة.

صورة توضح طريقة اكتشاف جينات الحرارة والبرودة. من خلال إضافة الكابيسيسين إلى مجموعة من الجينات وعندما يتأثر الجين المسؤول بالحرارة عن إنتاج القنوات الأيونية، تُفتح قناة وتخرج الأيونات.

فك شفرة اللمس

استخدم أرديم نفس طريقة ديفيد في البحث عن الجينات الخاصة باللمس أو الضغط عمومًا. وجمع نحو 72 جينًا، واختبر حساسية كل جين عن طريق تعطيل الجينات الأخرى ثم وخز الخلايا بماصة مجهرية، أي أنها صغيرة جدًا. وأخيرًا توّصل إلى جين يمنع الخلايا من الشعور بالضغط عند تعطيله. وأُعطي اسم “Piezo1”، وهو مشتق من الكلمة اليونانية (í; píesi). واكتشفوا جينًا آخرًا مشابهًا يسمى “Piezo2”. وبعد إجراء العديد من التجارب، اتضح أنّ هذين الجينين يكونا قنوات أيونية عند الضغط على أغشية الخلايا. واتضح فيما بعد أنّ هذه الجينات تُنظم بعض العمليات الفسيولوجية المهمة مثل: ضغط الدم والتحكم في المثانة البولية وعملية التنفس.

توضيح لطريقة اكتشاف جين الضغط أو اللمس. أعلى اليسار: يمثل تعطيل الجينات وملاحظة تأثيرها على اللمس، فتتأثر الخلايا عند الوخز..أعلى اليمين: تعطيل الجين المسؤول عن الملمس، فلا تتأثر الخلايا من الوخز. والصورة أسفل، توضح فتح وغلق القنوات الأيونية عند الملمس أو الضغط.

اقرأ أيضًا: الـ PCR وخلق كاري موليس لثورة بيولوجية غير متوقعة!

ما قيمة هذا الاكتشاف؟

“سيُساعد هذا الاكتشاف في تطوير الأدوية وعلاج الأمراض المزمنة.”

كان هذا رد لجنة نوبل بخصوص قيمة الاكتشاف، كما سيُساعدنا في فهم قدراتنا على الشعور بالحرارة أو البرودة واللمس والضغط، وتعزيز إدراكنا للبيئة من حولنا. فضلًا عن علاج العديد من الحالات المرضية.

أين صانعي لقاحات كورونا من هذا كله؟

توقع كثير من الناس، خاصة المجتمع العلمي حصول أحد العلماء الذين يعملون في تطوير لقاحات كورونا على جائزة نوبل في الطب لـ 2021. لكن حدث العكس، وفي هذا الصدد، علق توماس بيرلمان، أحد أعضاء لجنة جائزة نوبل وهو الذي أعلن عن الجائزة، وقال: “إنّ هذا أهم الاكتشافات في الطب والفسيولوجي لعام 2021″، فهذا الاكتشاف له فوائد كثيرة في المستقبل خاصة في صناعة الأدوية ومساعدة المرضى. وقال أنه لا يستطيع انتهاك سرية اللجنة. وقالت اللجنة، أنها قيّمت الأبحاث المُرشحة وعلى أساسها اختاروا هذا البحث، لكن لم ولن تقول إذا رُشحت اكتشافات خاصة باللقاحات ضد كورونا أو لا.

استطاع هذان العالمان كشف الستار عن “أحد أسرار الطبيعة” على حد تعبير توماس بيرلمان، وهذا الاكتشاف يستحق الجائزة عن جدارة، فقد ساعدنا على إدراك الآليات التي يتآزر بها الجسم مع الدماغ من خلال الخلايا العصبية، ما سيعود بالنفع في المستقبل علينا جميعًا من خلال تطوير أدوية تعالج الأمراض المختلفة. بعد هذا كله، هل عرفت لماذا سحبت يدك بتلقائية من أمام الشمعة؟

0

شاركنا رأيك حول "نوبل في الطب والفسيولوجي 2021.. لماذا نشعر بالحرارة والبرودة؟"