0

في مشهد طبيعي للريف المصري، يثير العيون من فرط الجمال، في أحد أيام فصل الربيع عند الرابعة عصرًا، في قرية تابعة لمدينة مصرية في منطقة دلتا النيل، حيث الأرض مكسية باللون الأخضر، تضم أنواعًا مختلفة من المزروعات والخيرات، تمتد على مرمى البصر، وعند الأفق تلتقي الأرض بالسماء الزرقاء. وإذا بطائر يتناول رزقه من المزروعات، تداعب ريشه رياح لطيفة. بعد انتهائه، قرر الذهاب، رفرف بجناحيه بقوة، إلى أن استقر في السماء ثم فرد جناحيه وأكمل طريقه، حتى ابتلعه الأفق.

في المشهد السابق، إذا دققت النظر عند لحظة إنطلاق الطائر للسماء، ستلاحظ أنه استخدم جناحيه في البداية ليُعطياه الدفعة الأولى للطيران، ثم استقر على جانبيه مفرودًا، يرفرف في أوقات محددة. كأنّ الجناح وقود يساعد في تحفيز عملية الطيران، وما إن ينتهي دوره، يتنحى. كذلك المحفزات التي اتخذت مقعدًا على مائدة نوبل في الكيمياء لعام 2021. فالمُحفزات مثل جناحات الطائر بالضبط، تؤدي دورها في تحفيز العمليات الكيميائية ثم تتنحى، دون أن تتأثر. إنها البطل الخفي أو المخرج العبقري من وراء ستار المسرح.

اقرأ أيضًا: نوبل في الطب والفسيولوجي 2021.. لماذا نشعر بالحرارة والبرودة؟

رقصة مربعة.. كيف تعمل العوامل الحفازة ومتى ظهرت؟

دعنا نتخيل سيناريو التفاعل الكيميائي أولًا، هل تعرف كرة التنس؟ نعم، إنها الصغيرة الخضراء هذه، حسنًا، لنفترض أنها تمثل الذرة، لكن إذا أحضرت كرة أخرى وربطتهما معًا، سيكوّنا الجزئ. يتفاعل الجزئ مع جزيء آخر مثله من خلال كسر الروابط التي تربط ذرات هذين الجزئين، وتكوين روابط جديدة فيحدث تبادل بين الذرات المتقابلة، تمامًا كما يحدث بين الشريكين في الرقصة المربعة عندما يتبادلان، وتتكون جزيئات جديدة، وبالتالي مواد جديدة، لها خصائص مختلفة.

لكي يحدث هذا التفاعل، تُضاف مواد حفازة، تُسرع التفاعل من خلال خفض طاقة التنشيط، وهي كمية الطاقة اللازمة لحدوث تفاعل كيميائي، عند تخفيضها، يتم التفاعل بطاقة أقل، ما يسرعه، ويُطلق على هذه المواد أيضًا العوامل الحفازة.

إنها مواد كيميائية مثل المعادن، أو بيولوجية مثل الإنزيمات، تسرع التفاعلات الكيميائية دون أن تتغير أو تتأثر. تستطيع هذه المحفزات إتمام التفاعلات الكيميائية التي قد تستغرق سنوات طويلة خلال ثوانٍ معدودة، وتعتمد عليها الصناعات الكيميائية المختلفة من البلاستيك إلى الأدوية. كما نستطيع إدراكها في حياتنا، حيث تؤدي الإنزيماتُ في أجسامنا أدوارًا هامة، خاصة في هضم الطعام، وتلعب دورًا بارزًا في نسخ المادة الوراثية، وهذه قصة أخرى، لكنها مهمة.

وظهر مصطلح العوامل الحفازة لأول مرة أثناء القرن التاسع عشر الميلادي، عندما لاحظ الكيميائيون أنهم عندما يجرون تفاعلًا، بإضافة مادة محفزة إلى وسط التفاعل، تتكون نتائج التفاعل، ولا تتأثر هذه المادة المحفزة. مثلًا، إضافة مادة الفضة إلى بيروكسيد الهيدروجين في دورق التفاعل، تتحلل المادة إلى ماء وأكسجين، بينما تبقى الفضة دون أن تتأثر، لكنها فقط تُسرع عملية التفاعل. ونُشرت أول ورقة بحثية تصف هذه الظاهرة عام 1835 على يد العالم السويدي “جونز جاكوب بريزيليوس” الذي أشار فيها إلى أنه يمكن توليد نشاط كيميائي من خلال إضافة مادة تبدأ التفاعل، وكأنها الحجر الذي أيقظ الحرب. وأعطى هذه القوة اسم “قوة المحفز”، بينما سُميت الظاهرة عمومًا بـ “الحفز”.

بعدها بدأ العلماء يصوبون نظرهم تجاه هذه المحفزات. اكتشفوا عددًا هائلًا منها، وبدأ توظيفها في الصناعة والاستخدامات المختلفة، وصار التحفيز الكيميائي من أساسيات صناعة أهم المنتجات العالمية، وتُقدر نسبة المنتجات التي تحتاج إلى تحفيز كيميائي بنحو 35% من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

أنواع المحفزات قبل عام 2000

انقسمت المحفزات إلى نوعين أساسيين، وهما:

  • المعادن: وتُعد المعادن محفزات ممتازة، حيث تستطيع احتواء بعض الإلكترونات لفترة مؤقتة أثناء التفاعل الكيميائي ثم إضافتها إلى جزيئات أخرى، ما يساهم في فك الروابط بين ذرات الجزيئات، ويتم تشكيل هذه الروابط من جديد. مع هذه المميزات، تترافق بعض العيوب، فبعض المحفزات المعدنية حساسة للأكسجين والماء، ما يجعلها تعمل في ظروف خاصة خالية من الرطوبة والأكسجين، ويصعب تحقيق هذا في الصناعات واسعة النطاق كما في المصانع الكبيرة مثلًا. إضافة إلى أنها معادن ثقيلة ضارة بالبيئة.
  • الإنزيمات: وهي الصورة الحيوية للمواد المحفزة، حيث تتكون داخل أجسام الكائنات الحية، وهي عبارة عن بروتينات، وتحفز التفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة، مثلًا، تخيل ما سيحدث لك إذا لم يتم هضم الطعام داخل معدتك عن طريق هذه الإنزيمات. وتتميز الإنزيمات الحيوية هذه بخاصية الحفز غير المتماثل، ما يساعد في بناء جزيئات معقدة بدقة، من ضمنها: الكوليسترول أو الكلوروفيل أو الإستركنين.

حائزا نوبل في الكيمياء 2021.. أحدهما نام والآخر يتناول الفطور

في 6 أكتوبر 2021، أعلنت لجنة نوبل عن فوز كل من “بنيامين ليست” و”ديفيد ماكميلان”، لمساهمتهما في اكتشاف أدوات بناء الجزيئات عبارة عن محفزات صديقة للبيئة وفعّالة، ما ساعد في تطوير الصناعات الكيميائية، خاصة المتعلقة بمجال الأدوية.

قبل ذلك بعدة ساعات.. تلقى “بنيامين” اتصالًا في الصباح الباكر من صباح يوم الأربعاء أثناء تناوله الفطور مع زوجته في أحد المقاهي في أمستردام، ليخبره بأنه فاز بنوبل، لكنه ظنها مزحة حتى تأكد من أنّ الرقم سويدي. ورنّ هاتف دكتور ماكميلان، لكنه تجاهل الرد، وفي وقت لاحق، أرسل له بنيامين ليست بأنّ الأكاديمية السويدية الملكية حاولت التواصل معه. لكن يبدو أنّ بنجامين أخطأ في كتابة اسم ماكميلان من السرعة، وعندما رأى صاحبنا الرسالة، أرسل لبنيامين رسالة أخرى يراهنه على 1000 $ بأنّ هذا ليس حقيقي، وعاد للنوم، بعد قليل استيقظ واسمه ينتشر في جميع الصحف العالمية، لأنه شارك في جائزة نوبل للكيمياء 2021. (يبدو أنه خسر 1000 $ حقًا)

اقرأ أيضًا: الأنظمة المعقدة والنماذج المناخية تتوَّج بنوبل للفيزياء: فما الذي عرفناه عن هذه الأبحاث حتى الآن؟

الليمون والبرتقال.. نفس الفصيلة لكن الفرق واضح

انظر إلى يديك الآن ولاحظ الفرق.. هل نظرت؟ حسنًا، سأفترض أنك فعلت هذا. ولا بد أنك قد لاحظت وجود فروق بين اليدين سواء في طول الأظافر أو حجم الإصبع الإبهام في اليد اليمنى ونظيره في اليسرى، وهكذا. بالرغم من هذه الفروق البسيطة، إلا أنهما ينتميان إلى نفس الجسم. وفي حالة الليمون والبرتقال أيضًا، ينتميان إلى نفس الفصيلة، ومذاقهما متقارب في بعض الأحيان، وشكل الفصوص نفسه – تقريبًا – لكن لكل واحد منهما مذاقه واستخداماته ومكوناته الدقيقة المميزة له.

نفس الأمر في التفاعلات الكيميائية على مستوى الصناعة الكبيرة خاصة. عندما تتفاعل مادتان مع بعضهما، تنتج مادة جديدة وبعض المنتجات الجانبية، لا نستفيد منها في بعض الأحيان، فتستهلك طاقة وتكلفة عالية لإتمام التفاعل، وفي النهاية تمثل عبئًا على البيئة، فلا حاجة لها إلا في نطاق ضيق. وبدلًا من البحث عن طرائق بعيدة للاستفادة منها، لمَ لا نقلل إنتاجها من الأساس ونبحث أكثر عن حل فعّال لتحقيق إنتاجية أعلى من المنتج المطلوب بنفس التكلفة ولا نسبب ضررًا للبيئة. وهذا ما جاهد كل من بنيامين ليست وديفيد ماكميلان، وطورا مفهوم “التحفيز العضوي غير المتماثل”.

شرارة الإنطلاق..

في معهد سكريبس للأبحاث في جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء حقبة التسعينات من القرن الماضي، بدأ “كارلوس بارباس” أبحاث لتطوير الإنزيمات لخدمة الاحتياجات البشرية، وكان “بنيامين ليست” واحدًا من هذه المجموعة البحثية التي قادها بارباس. وتتخلص فكرة عملهم في استغلال ارتباط الأجسام المضادة بالفيروسات أو البكتيريا التي تدخل الجسم، حيث ركز الباحثون على تطوير الأجسام المضادة التحفيزية “catalytic antibodies”، بحيث تعمل في التفاعلات الكيميائية. من هنا جاءت فكرة بنيامين.

قبل فهم الفكرة، لنوضح شيئًا مهمًا، تتكون الإنزيمات من الأحماض الأمينية وبعض المعادن. في نفس الوقت، تحفز العديد من الإنزيمات التفاعل دون الحاجة للمعادن. والأدهى من ذلك أنّ هناك بعض التفاعلات تتم بواسطة عدد بسيط من الأحماض الأمينية المكونة للإنزيم. وتساءل بنيامين إذا أمكن إجراء التفاعل بواسطة حمض أميني واحد أم لا. ما جعله ينظر في بحث نُشر في سبعينات القرن العشرين، يتحدث عن حمض أميني يستطيع العمل كمحفز وحده، ويسمى البرولين “Proline”. لكن لم يعمل عليه أحد من وقتها، فقرر اختبار هذا الحمض الأميني من خلال تفاعل ألدول “Aldol”، لربط ذرات الكربون من جزيئات مختلفة، ونجحت التجربة، ما دفعه لاستكمال البحث الذي نُشر في فبراير 2020.

ديفيد ماكميلان يعمل على التوزاي

في نفس الوقت الذي كان يعمل فيه بنيامين، كان ماكميلان يعمل على تطوير المحفزات أيضًا، فقد لاحظ أنّ كثير من المحفزات المكتشفة لا تستخدم في الصناعة، وذلك لأنّ المعادن لا تقاوم الرطوبة والأكسجين – كما ذكرت – ويمكنها العمل فقط في ظروف المختبر، لكن على مستوى المصانع في نطاق واسع فلا. لذلك، قرر البحث عن طريقة تساعده في الاستفادة من هذه المحفزات، وتوجه إلى تصميم الجزيئات العضوية التي تؤدي عمل المعادن المحفزة ولكنها تقاوم الرطوبة والأكسجين.

لكن ما هذه الجزيئات العضوية يا ترى؟ ببساطة، إنها الجزيئات التي تبني أجسام الكائنات الحية، وتتكون من عناصر بسيطة أساسية على رأسها ذرات الكربون وبعض العناصر الأخرى مثل: الأكسجين والنيتروجين والكبريت والفسفور. وتتكون الجزيئات العضوية بناءً على طريقة تشابك ذرات هذه العناصر مع بعضها البعض، ما يحدد خصائص كل جزيء. ولكي يكون الجزيء العضوي قادرًا على التفاعل يجب أن يشكل معقد الأيمينيوم الوظيفي “Iminium Ion”، الذي يحتوي على ذرة نيتروجين، واختبر قدرتها على تحفيز تفاعل ديلز ألدير “Diels-Alder”، وكانت النتيجة مذهلة. وكرر التجرية إلى أن وصلت درجة تطابق منتجات التفاعل إلى ما يزيد عن 90 %. ووضع لاكتشافه اسم “التحفيز العضوي” ونشر بحثه في يناير 2000.

تطبيقات مذهلة

منذ قليل ذكرت مركب الإستركنين، وهو مركب جزيئاته معقدة للغاية، في عام 1952، كان يتطلب 29 خطوة لإنتاج كمية 0.0009% من المواد الأولية المستخدمة في صناعته، وبعد هذه الاكتشافات، تمكن الباحثون من إنتاجه في 12 خطوة فقط، بفعالية أكبر بمقدار 7000 مرة.

في ستينات القرن الماضي، كان هناك دواء يسمى الثاليدومايد، يتم إنتاجه وفقًا للطريقة القديمة تمامًا كمثال اليد اليمنى واليسرى، أي أحد منتجات التفاعل هو المادة المرغوبة والمنتج الآخر غير مرغوب. تسبب هذا في ولادة عدد كبير من الأطفال المشوهين عندما تناولت أمهاتهم هذا الدواء، وكانت فضيحة.

استخدمت هذه المحفزات في إنتاج العديد من المواد العلاجية مثل:

  • الباروكستين: يستخدم لعلاج القلق والاكتئاب.
  • الأوسيلتاميفير: علاج إلتهابات الجهاز التنفسي.

إضافة إلى عدد كبير من التطبيقات، قد تحتاج لتقرير آخر، لكن على أي حال، لا يمكن إنكار الأدوار المذهلة لتطبيقات هذه الاكتشافات.

0

شاركنا رأيك حول "جائزة نوبل في الكيمياء 2021.. المواد العضوية المحفزة لأدق التفاصيل وأكثرها أهمية وتأثيرًا"