0

عُرف عن القارة السمراء – أفريقيا – تمتعها بخيرات وثروات طبيعية جعلتها مطمع للغزاة منذ فجر التاريخ. ولم يكتفِ الاستعمار بنهب جزء من الخيرات ثم الذهاب، بل أراد استعمار بلادها واستعباد أهلها، سواء أصحاب البشرة السمراء أو القمحية أو حتى البيضاء، لم يرحم الرجل الأوروبي الأبيض أي منهم، وهام في إلحاق الضرر بهم.

إذا عدنا للوراء قليلًا، عندما ظهرت القارتان الأمريكيتان على الخريطة، وأرادت بريطانيا الاستحواذ عليها، أرسلت جيوشًا لتأتي بالأفريقي الأسود كعبد في الولايات المتحدة. وهذه هي الحقيقة المرة، لقد بُنيت أقوى دولة في العالم بدماء الرجل الأفريقي، فقط لأن بشرته سوداء. وبمرور الوقت، ترسخت فكرة أنّ الرجل الأبيض هو السيد، وبرزت العنصرية، ما جعل أصحاب البشرة السوداء خاصة يعانون من الاضطهاد في أي مكان، ونفس الأمر مع المهاجرين واللاجئين الذين لا يلقون ترحابًا في أغلب الأحيان، ويقعون في فجوة بين خلفيتهم الثقافية والبلاد التي يذهبون إليها. وهذا ما صوب أديب نوبل لعام 2021 تركيزه عليه.

نوبل في الأدب 2021.. أديب الأفارقة واللاجئين

“أهدي جائزة نوبل لأفريقيا والأفارقة ولكل قرائي..شكرًا!”

عبد الرزاق جرنة عبر حسابه على تويتر

في 7 أكتوبر 2021، الموافق يوم الخميس، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم عن فوز “عبد الرزاق جرنة” بجائزة نوبل للأدب، تقديرًا لأعماله التي ركزت على تأثير الاستعمار ومعاناة اللاجئين والمهاجرين، بسبب الهوة بين الثقافات والقارات المختلفة.

كان عبد الرزاق من المجموعة المضطهدة في بلاده، ما اضطره للجوء إلى انجلترا، ولم يتمكن من العودة إلى بلاده إلا عام 1984، ورأى أهله بعد غياب طال لسنوات، وسنحت له الفرصة رؤية أبيه بعد أن طال منه الزمان ما طال قبل وفاته بفترة قصيرة. خلال ذلك الوقت، تشكلت شخصية عبد الرزاق، الفتى التنزاني اللاجئ إلى بريطانيا العظمى، بعد خوض تجارب لا تحصى وإدراك معنى أن تكون لاجئًا.

اقرأ أيضًا: نوبل في الطب والفسيولوجي 2021.. لماذا نشعر بالحرارة والبرودة؟

القرآن الكريم، ألف ليلة وليلة، الشعر العربي والفارسي.. مهد الأديب الصغير

عندما كان في سن الـ 21، بدأ يخط بقلمه أولى أعماله الأدبية، وبالرغم من أنّ لغته الأم هي السواحيلية (وهي لغة في بعض المناطق الشرقية لسواحل القارة الأفريقية)، لكنه استخدم اللغة الإنجليزية في التعبير عن أفكاره الأدبية ببراعة بالغة، لذلك فهو لا يعتبر الأعمال التي كتبها باللغة السواحيلية أدبًا، فقد كانت انطلاقته الحقيقية عندما قرر اتخاذ الإنجليزية أداة رسمية لترجمة خواطره. تأثر جرنة بالشعر العربي والفارسي وكذلك سور من القرآن الكريم وسلسلة روايات ألف ليلة وليلة الشهيرة في صباه. وفي انجلترا، تأثر بعدة أدباء من “شكسبير” إلى “في إس نايبول”.

أطلق الصرخة المكبوتة في نفس كل لاجئ

تقول لجنة نوبل:

“يركز عبد الرزاق جرنة على الهوية والصورة الذاتية أثناء معالجة تجربة اللاجئين، حيث تجد الشخصيات أنفسهم في هوة بين الثقافات والقارات.. بين حياة ماضية وحياة أخرى آتية.. إنه موقف صعب وغير آمن ولا يمكن حله.”

إضافة إلى تعليق لجنة نوبل، نجد أنّ أعماله تجنبت الحديث عن عراقة القارة الأفريقية قبل الاستعمار المستبد الذي تعرض له سكانها، حتى لا يقع في فخ الحنين. ولكنه صوب تركيز القارئ على مشاهد تقع في جزيرة تقع في المحيط الهندي، يعيش فيها عدد كبير من الناس، مختلفين في الثقافة والعادات، يتواصلون مع العالم كله من أجل التجارة، نظرًا لموقعها الجغرافي المتميز، ويتعرض أهل تلك البلاد للرق والقمع من قبل عدد من القوى الاستعمارية الضخمة: الهند والبرتغال وبريطانيا وألمانيا وغيرهم.

تعتمد كتاباته أيضًا إلى الحقبة الزمنية التي عاشها في انجلترا ومُنع من العودة لبلاده، ووظف ما عاشه ورآه في خدمة كتاباته والشخصيات التي شكلها قلمه، فأبدع وخرج لنا بمجموعة رائعة من الأعمال التي تميل للواقعية أكثر منها للخيال، وهذا لا ينفي أنه صاحب خيال خصب، يستطيع السبور في أغوار النفس البشرية، ويعرض ما فيها من مشاعر وأحزان ومآسٍ، قد تعجز الكلمات عن وصفها حرفيًا، لكن الحظ أتى بأديب فصيح اللسان، قوى القلم، يستطيع التعبير عن الصرخة المكبوتة في نفوس اللاجئين والمهاجرين المتعرضين للتنمر والقمع من البلاد المختلفة.

اقرأ أيضًا: الأنظمة المعقدة والنماذج المناخية تتوَّج بنوبل للفيزياء: فما الذي عرفناه عن هذه الأبحاث حتى الآن؟

أعمال يصفق لها نوبل

في محاولة للانتفاضة ولكنها فاشلة

صدر لـ”عبد الرزاق” رواية بعنوان “Memory of Departure” عام 1987. تدور أحداثها حول شاب طموح، أراد حياة كريمة، والسفر عبر البحار إلى بلاد أخرى، رغبة في الحصول على حياة أفضل، لكنه وجد ما لم يتوقعه، وتعرض للذل والمهانة وعاد إلى بلاده من جديد، ووجد أهله في حالة يُرثى لها، فقد كان والده مدمنًا على الكحول وصار عنيفًا، وأخته التي أُجبرت على العمل في الدعارة.

غلاف رواية “Memory of Departure”.

عنصرية في المنفى

عام 1988، صدرت رواية “Pilgrim’s Way“، وتدور أحداثها حول “داود”، وهو شاب يقاوم الاضطهاد العنصري الذي يتعرض له في بريطانيا بعدما هرب من تنزانيا، بسبب ما عاناه فيها من حياة مأساوية، لم تنصفه بل دفعته للسفر خارج البلاد وكله أمل للقاء الحياة الكريمة، ولكنه فوج بالقمع والاضطهاد ومواقف يومية سيئة سواء في العمل أو ف حياته هناك عمومًا، وهذا غالبًا ما يتعرض إليه اللاجئون في بلاد الغرب.

غلاف رواية “Pilgrim’s Way”.

وطن بلا أهل، وطن بلا وطن!

عام 1990، صدرت رواية “Dottie“، بطلتها فتاة بشرتها سوداء، وُلدت في انجلترا أثناء خمسينيات القرن الماضي، ولكنها واجهت اضطهادًا بسبب لونها الذي يوضح عدم انتماء جذورها إلى القارة الأوروبية، حيث هاجرت عائلتها قبل ميلادها. وجدت الفتاة نفسها بلا أقارب، لكنها تعتبر إنجلترا وطنها، فقد كبرت هناك ولم تعش في وطن غيره، مع ذلك كانت تشعر أنها بلا وطن من فرط المعاناة والعنصرية التي تتعرض لها، لكنها قاومت، وقررت إثبات شخصيتها من خلال القراءة في الكتب والقصص لبناء هوية خاصة بها، بعيدًا عن ضجة العالم. استطاع عبد الرزاق من خلال هذا الرواية إظهار براعته.

غلاف رواية “Dottie”.

رحلة إلى قلب الظلام واستحضار قصة سورة يوسف

نُشرت رواية “Paradise” عام 1994، وبطلها يُدعى “يوسف”، صبي أفريقي في الثانية عشر من عمره، يضطر والده لبيعه كعبدٍ، لسداد الدين. وتحولت حياة الصبي منالبسيطة إلى ملحمة في مجتمع كبير بشرق أفريقيا، تعيش فيه ثقافات مختلفة من مسلمين ومسيحيين وهنود جاءوا من شبه القارة الهندية. كانت الحياة في هذا المجتمع صعبة، ويظهر لنا الكاتب من خلال بطل روايته “يوسف” الحالة التي عاشها الناس وقتها في ظل الحروب والاضطهاد الاستعماري.

غلاف رواية “Paradise”.

وهذا يرجعنا إلى قصة النبي يوسف – عليه السلام – في القرآن الكريم، عندما انتقل من حياته الهانئة مع أبيه إلى قصر العزيز الذي قاده إلى السجن وهو مظلوم ولا ذنب له، لكن الفرق بين يوسف بطل القصة والنبي يوسف، هو أنّ نهاية الأخير كانت سعيدة بلقاء أبيه وارتفاع شأنه حتى صار عزيز مصر. أما بطل القصة، فلم تكن نهايته سعيدة، فقد اضطر للتخلي عن حبه الوحيد “أمينه والانضمام للجيش الألماني. وهذه سمة من سمات قصص عبد الرزاق الذي يحبط توقعات القراء، ربما لأنه يريد توصيل رسالة وهي “ليست كل النهايات سعيدة”، أو أنه واقع عاشه ورآه أمام عينيه، فأراد للقارئ استيعابه. وربما هذه صدمة لتوجيه العالم لما يعانيه بعض الناس دون الالتفات.

في الصمت ملحمة ذاتية

يُقال أنّ الصمت لغة العظماء، لكنه أيضًا لغة الاختفاء وأحد العلامات البارزة للخوف.. من ماذا؟ من عنصرية أو اضطهاد أو قمع. إنه صمت مؤلم، يخفي فيه المرء هويته ودينه وجذوره، لتهربه منهم، أو حفاظًا عليهم. وهذا ما أبرزه جونة في روايتي “Admiring Silence” التي صدرت عام 1996، و”By the Sea” الصادرة في 2001. تشترك هاتان الرويتان في التركيز على الهوية والصورة الذاتية.

على اليمين، غلاف كتاب “By The Sea” وعلى اليسار، غلاف “Admiring Silence”.

تحكي الرواية الأولى “Admiring Silence” عن لاجئ يعيش في إنجلترا، ويحاول إخفاء هويته قدر المستطاع، وذلك تجنبًا للتحيز أو العنصرية، حتى إنه لم يخبر أهله أنه متزوج ولديه ابنة إنجليزية في السابعة عشر من عمرها، وكذلك عائلته التي أسسها، أخفى عنهم ماضيه، وحاول خلق قصة خيالية تتلائم مع المكان الذي يعيش فيه معهم، في صراع بين الماضي والحاضر، يحتار بطلنا ويقع في فخ التهرب من الجذور.

بينما تروي الثانية “By the Sea“، قصة رجل عجوز، يُدعى “صالح” من زنجبار، يريد الهجرة إلى بريطانيا، وانتحل شخصية رجل آخر، وبالصدفة البحت، تم تكليف فتى يدعى “لطيف” لمساعدة صالح كي يستطيع التعايش في وطنه الجديد، كان لطيف ابن الرجل الذي انتحل صالح شخصيته. وتنقسم هذه الرواية إلى جزئين. الأول، يكون فيه صالح هو الراوي، وفي الثاني يلعب لطيف دور الراوي، ما يخلق مسارات متعددة ويطرح عدة وجهات نظر، تطرحها كل شخصية من منظورها.

فجوة بين الثقافات والقارات

في عام 2005، صدرت رواية “Desertion“، يطرح فيها جرنة ما قد تسببه الهوة بين الثقافات والقارات أو الحياة الماضية والجديدة، إنه تقدم طرحًا واقعيًا للصراع النفسي الذي يعاني منه الشخص الذي يعيش في مكان مختلف عن الخلفية الثقافية التي أتى منها، وفي كثير من الأحيان، لا يستطيع التكيّف معها ويذهب من جديد.

غلاف رواية “Desertion”.

تدور أحداث روايتنا هذه في مطلع القرن العشرين عن شاب يُدعى “مارتن بيرس”، وهو رجل إنجليزي، يفقد الوعي في الشارع، فيشفق عليه أحد الناس، وينقله إلى مكان آخر لمساعدته، ولكن هذا المكان مختلف عن مارتن، حيث العادات والتقاليد مختلفة تمامًا والناس هناط يمارسون طقوسًا دينية ويحافظون عليها. يقع مارتن في حب فتاة تُدعى “ريحانة”، لكن الواقعية حتمت على جرنة أن يكتب على الحبيبين الفراق، نظرًا للاختلافات الثقافية التي تمنع الفتاة من الارتباط به. وهذا هو الحب الممنوع.

وفي الجزء الثاني من الرواية، يحكي جرنة قصة حب أخرى خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أي بعد ما يقرب من الـ 50 عامًا من قصة ريحانة ومارتن. وكانت حفيدة ريحانة هي الرواي، ما يعني أنّ حياة ريحانة لم تتوقف بفشل قصة حبها الأول، بل استمرت. وربما أراد جونة إرسال رسالة هنا، وهي أنّ الحياة لا تتوقف، وقصص الحب الأولى الفاشلة، لا تعني انتهاء الحياة.

الهدية الأخيرة

في عام 2011، نُشرت رواية “The Last Gift“، وتدور أحداثها حول رجل يدعى عباس، يحاول الهروب من جذوره، رغبة في حياة كريمة، وبالصدفة قابل مريم، فتاة جميلة وتزوجها. استقر الزوجان في قرية إنجليزية بسيطة وأنجبا طفلين: جمال وهنا. عاشا مع والديهما حتى كبرا، أرد كل واحد منهما الاستقرار بحياته وسافر، إلى أن وصل لهما أنّ أبيهما، البالغ من العمر 63 عامًا مريض وعليهما العودة ولم يعلما أنهما سيستلمان الهدية الأخيرة التي كان يخفيها عنهما أبيهما طوال هذه السنوات. وكانت كتابًا يحكي فيه الماضي الذي لم يروه من قبل قط.

غلاف رواية “The Last Gift”.

اقرأ أيضًا: جائزة نوبل في الكيمياء 2021.. المواد العضوية المحفزة لأدق التفاصيل وأكثرها أهمية وتأثيرًا

بين الوحدة والعجز

“أبي لم يكن يريدني!”

عام 2017، صدرت رواية “Gravel Heart“، وتدور أحداثها حول صبي يُدعى “سليم”، يعيش في الزنجبار مع عائلته، يعرف سليم أنّ والداه لم يرده من قبل، لذلك صرح بعبارة “أبي لم يكن يريدني!” في بداية الرواية. كبر سليم، وذهب للدراية إلى إنجلترا، لكنه لم يكن على علم بأنه سيحتاج لإعداد نفسه جيدًا لمواجهة هذا العالم الجديد وحده وشعر بالعجز.

غلاف رواية “Gravel Heart”.

عندما تحكم رياح التاريخ المتقلبة

في عام 2020، صدرت رواية “Afterlives“، وتدور أحداثها بين الماضي والحاضر. في عام 1919، قبل استعمار ألمانيا لشرق أفريقيا، كان هناك شاب يُدعى حمزة، فتى مسلم أُجبر على الدخول في الحرب ويقف في صف الجيش الألماني، ونجد هنا ريح قصة يوسف الذي باعه أبيه، وأجبرته الظروف على السفر ثم الانضمام للجيش الألماني. أُصيب حمزة في اشتباك وعاد إلى وطنه، لكنه لم يجد أهلًا ولا أصدقاءً. بعد عدة أجيال، يظهر إلياس ابن حمزة الذي يعيش تحت الحكم الألماني. وتنتهي القصة.

غلاف رواية “Afterlives”.

وأخيرًا.. نلاحظ اهتمام الكاتب والأديب الكبير عبد الرزاق جرنة بشرق أفريقيا تحديدًا، وما عانته هذه المنطقة من نهب واستعباد وعنصرية. ومن الرائع أنّ خلفية الكاتب الثقافية تسمح له بطرح وصف دقيق للأحداث من خلال أعين أبطاله، واختار لهم أسماءً تتوافق مع ثقافتهم، ما يوحي بالواقعية. إضافة إلى أنه يكتب من واقع تجربة، ربما عاشها بنفسه أو رآها أمامه، ما يُدلي بالواقعية المطلقة على أعماله المميزة التي تجعل القارئ يخرج منها في صراع فكري ويلفت نظره لما يعانيه اللاجئين والمهاجرين بسبب الاستعمار.

0

شاركنا رأيك حول "جائزة نوبل في الأدب 2021.. تذهب إلى أديب اللاجئين والمضطهدين “عبد الرزاق جرنة”"