نوبل للسلام
0

بنظرة سريعة لتاريخ الأمم نستشعر ببساطة أنّ السلام لم يكن يوماً عادلاً، كل عمليات السلام التي تمت كانت جدلية، معاهدات يفرضها المنتصر على المهزوم، القوي على الضعيف. يكفينا أن نعيد النظر في معاهدة فرساي الشهيرة لنعرف ماهية السلام حقاً. ولمن لا يذكر معاهدة فرساي، هذا تذكير سريع بها:

معاهدة سلام كانت الدافع لحرب عالمية ثانية

هذا هو مفعولها بصراحة، فرساي هي المعاهدة التي وُقعت يوم 28 يونيو 1919، بين  الحلفاء والقوى المرتبطة من جهة وبين ألمانيا من جهة، خرجت ألمانيا مهزومة من الحرب العالمية الأولى، هي والامبراطورية النمساوية – المجرية، والدولة العثمانية، ومملكة بلغاريا. وبعد ستة أشهر من المفاوضات الشاقة التي أرادت فيها كل دولة من دول الحلفاء أن تحقق أهدافاً معينة، وقّع الرايخ الألماني على المعاهدة.

بحسب الكثير من الخبراء، كانت المعاهدة مجحفة بحق الألمان، إذ أثقلت كاهل ألمانيا بديون كثيرة للحلفاء وفق بند سُمي صراحة بـ(بند ذنب الحرب). سبب ذلك السلام الذي بُني على مصالح القوي، المنتصر، ضائقة للألمان، أدت بشكل أو بآخر إلى تنامي شعور بالسخط بين أبناء الأمة الألمانية، وتفجر حرباً عالمية جديدة لم تُبقِ ولم تذر.

ببساطة: هذا هو مفهوم السلام بين الأمم، السلام الذي يُؤخذ بالقوة لا يُعطى. شروط يفرضها القوي، يقص بها آخر ما تبقى من ريش على جسد الضعيف، يعصره عصراً، ليتأكد أن لا قائمة له ستقوم بعد ذلك. ويصبح مأمون الجانب. ويا سلام على هذا السلام.

هل وقفت معاهدات السلام هنا؟ لا. ولن تقف، فهذه هي المساومات التي تُعقد بين الأمم، تُسمى سلاماً. ونال الكثير من عرابي مثل عمليات السلام تلك جوائز، وكي لا نقطع السلسلة التي بدأنا بها، من الذين مُنحوا جائزة نوبل للسلام كان أوستن شامبرلين، الذي كان من عرابي معاهدة لوكارنو، التي تلت معاهدة فرساي، وكان الهدف منها تشذيب الحلاقة التي طالت ألمانيا بعد الهزيمة، وأخذ عهد منها بعدم دخول حروب مستقبلية، وكي لا ننسى: كان هناك بنداً تجميليّاً: إعادة تطبيع العلاقات مع ألمانيا. نال شامبرلين جائزة نوبل للسلام كأفضل حلّاق بين الأمم آنذاك.

نوبل للسلام 2021

هنا لن نخوض بتاريخ الأمم، بل سنتناول هذه الجوائز، وكيف تُمنح، ومن يقررها حقّاً. هل حقاً كان أوستن يستحق الجائزة؟ هل هذا المعيار، أو المعايير القائمة عليها جائزة نوبل للسلام يمكن أن تُعتبر موضوعية؟ وفي النهاية طبيعة معظم الفائزين: أليست غريبة بعض الشيء؟

التعميم خاطئ فهناك أبطال فعلاً

كما كل الأمور التي ترتبط بطبيعتنا البشرية، لا ينبغي التعميم فيها، فهناك من نال الجائزة، والأصح أخذها برحلةٍ نضالية سلمية خسر فيها الكثير، سواء كان يمثل جماعة أو دولة، أو قضية، من غير الكياسة أن نقول إن نيلسون مانديلا لم يكن رجل سلام، لكن مانديلا لم يكن برجل السلام الذي سعى ليفرض سلاماً على دولة أو جماعة، مانديلا كان صاحب قضية لم يختلف فيها اثنان، لم يُرد أن ينتزع من أحد شيئاً، لم يفرض على بيض جنوب أفريقيا الذين عاني مواطنوها السود في ظل نظام الفصل العنصري على أيديهم الأمرين شروطاً مجحفة وانتقامية. أراد مانديلا العدالة، وبوسائل سلمية. فمُنح نوبل، لكنه لم يأخذ شيئاً بالمقابل.

مارتن لوثر كينغ، المهاتما غاندي، والمساهمين في نزع الأسلحة النووية، لكن ماذا عن غيرهم؟ أولئك الذين مثلوا حكومات أمطرت شعوباً بالقنابل، وحكومات هي محتلة فعلاً؟

ما أحلى أن نعيش: في حب ووئام!!

تشبه بعض جوائز نوبل للسلام الممنوحة مكافأة التماسيح، أي يجمع أسد الغابة التماسيح والغزلان، بعد أن يأتي سرب التماسيح على معظم قطيع الغزلان، ويشتته، ويتركه مكلوماً لا حيلة له. يقول الأسد للجميع، تحابوا الآن، قبّله، وسيقبّلك، وليكن السلام. هكذا ببساطة!! وهناك مثالان شهيران، لن أذكرهما فهما حيّان في ذهن الأمة.

نوبل للسلام 2021

هذا النوع من الجوائز، لم يخفف من وحشية التمساح بعدها، ولا أعطى للغزلان أسلحة مدرعة تحقق بها بعض المساواة في مواجهات غير عادلة مع سرب التماسيح. والمضحك المبكي أن بعضها تلاه حرباً طاحنة قوضت كل معاني السلام ولا مثال أبرز من الحرب الفيتنامية (بين فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية) 1973، التي تلت وبشكل مثير للسخرية نيل كل من “هنري كيسنجر” و”لي دوك ثو” جائزة نوبل للسلام لجهودهما في إنهاء الحرب الفيتنامية باتفاقية باريس.

حين نمر أمام أسماء الفائزين بالجائزة، سنتأكد بما لا يرقى له الشك، أن السياسة تفسد كل ود، وكل قضية، وأن الجائزة لو بقيت مرهونة بالمنظمات والأشخاص الذين خرجوا من بين من دافعوا عنهم، لكنا احتفلنا بها، ولم نشعر بالغرابة حيالها، أو السخرية، وحتى ظلم في بعض المرات. نعم لتكن نوبل للسلام بعيدة عن السياسة، لتبقى نظيفة، بعيدة عن القذارة.

نادية مراد، مالالا يوسفزاي، فُزن بجائزة نوبل للسلام، وكنّ ضحايا السياسة بطريقة ما، كذلك هناك القليل من السياسيين ممن حصلوا على الجائزة لجهودهم في إحلال السلام، لكن السياسة تبقى السياسة. مجال لا يُشعرنا الارتباط به بالراحة، أو ربما الأمر كذلك هذه الأيام فقط، لا سيما وأننا اعتدنا على معرفة أن السياسي رجل يصل إلى مفترق طريقين فيمشي فيهما.

نوبل للسلام 2021: للفلبينية ماريا ريسا والروسي ديمتري مورتاتوف

هذا العام مُنحت الجائزة للصحفيين، الفلبينية ماريا ريسا والروسي ديمتري موراتوف. الصحفية الفلبينية عملت لسنوات على فضح ممارسات سلطة بلادها، وسوء استخدام السلطة، كما أسست شركة وسائط رقمية Rappler استقصائية، لعبت دوراً هاماً في تسليط الضوء على الدور المثير للجدل الذي لعبته السلطة في الحملة التي شنتها لمكافحة تجارة المخدرات، حيث عرفت الحملة أرقام قتلى كبيرة مثيرة للاستغراب، جعل الحملة تبدو وكأنها حرباً ضد سكان البلاد. كما وثقت الشركة كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل السلطات لنشر أخبار مزيفة.

أما ديمتري موراتوف، فهو صحفي أيضاً دافع عن حرية الصحافة في بلاده وأسس صحيفة Novaja Gazeta التي كانت تشير إلى الفساد المتزايد بين أفراد السلطة، وانتقاد استخدام القوات الروسية داخل البلاد وخارجها. قضى 6 صحفيين من العاملين في الصحيفة، منهم الصحفية آنا بوليتكوفسكايا التي كتبت مقالات كاشفة عن الحرب في الشيشان. دافع ديمتري باستمرار عن حق الصحفيين في كتابة أي شيء يريدونه حول ما يريدون، طالما أنهم يلتزمون بالمعايير المهنية والأخلاقية للصحافة.

في موضوع الصحافة، ماذا عن أبطال من دول التي لا صحافة فيها، ولا يجرؤ مواطنوها على كتابة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ماذا عن تلك الدول التي صاغت تُهماً لا تقل انتهازيتها عن انتهازية “بند ذنب الحرب”؟ ماذا عن تلك الحكومات التي تريد فقط إسكات مواطنيها؟ ماذا عن الضحايا هناك الذين بالكاد نسمع بهم وبتغييبهم القسري والعذابات التي تجري في الأقبية؟

أرقام القتلى من الصحفيين والمدافعين عن حرية الإعلام صادمة، لقد قالت اللجنة النرويجية التي منحت نوبل للسلام هذا العام في نص إعلانها:

“قررت لجنة نوبل النرويجية منح جائزة نوبل للسلام لعام 2021 لماريا ريسا وديمتري موراتوف لجهودهما في حماية حرية التعبير، وهو شرط مسبق للديمقراطية والسلام الدائم. تحصل السيدة ريسا والسيد موراتوف على جائزة السلام تقديراً لكفاحهما الشجاع من أجل حرية التعبير في الفلبين وروسيا. في الوقت نفسه، هم ممثلون لجميع الصحفيين الذين يدافعون عن هذا المثل الأعلى في عالم تواجه فيه الديمقراطية وحرية الصحافة ظروفاً معاكسة بشكل متزايد”

نعم دافعا عن حرية التعبير، لكن الخاطئ أنهما لا يمثلان كل صحفيي العالم، ففي بقاع كثيرة لا ديمقراطية ولا سلام، وتصبح حرية التعبير ترفاً لا يحلم به الكثير، ويحتاج جوائز لإدراج هذه الكلمة في قاموس السلطات أولاً، والشعوب ثانياً. بكلمات أخرى، وكمواطن من بلدان ربما لن تعرف سلاماً قريباً، لمَ لا تُكرس الجائزة للمكافحين من أجل اسمها مباشرة، دون أن تُضطر اللجنة إلى إدراج جملة تبريرية، أي جائزة تُمنح لسبب وسيط، لا سيّما وأن عدد المنظمات والهيئات التي تتبني قضايا حرية التعبير ليست بالقليلة أبداً، لمَ لا تلتزم روح وصية نوبل الذي ربما رأى فيها تكفيراً عن اختراعه للديناميت!!!

اقرأ أيضا عن نوبل 2021:

0

شاركنا رأيك حول "نوبل للسلام 2021: تذهب للشرط المسبق للديمقراطية والسلام هذا العام!"