0

الإجابة على السؤال المطروح يُمكن اختزالها في تسع كلمات:

“كفرت بدين الله والكفر واجب علي وعند المسلمين قبيح”

أظن أنك قد سمعت بهذه المقولة من قبل. ذلك البيت لمتصوف معروف يُدعى الحسين بن منصور الحلاج، بغض النظر عما يقال عنه فإن كنت تسمع هذه الجملة لأول مرة فسيكون تأثيرها إما الغضب والتراجع عن القراءة أو الاندهاش لجرأة الجملة أو كليهما. لكن هل تعلم أن للكفر معنى آخر وهو غطاء، يمكنك الاطلاع على مُعجم المعاني وسترى أنها قد تأتي بذلك المعنى.

أنت مطمئن الآن؟ لكن ما حدث الآن هو الذي يحدث مراراً وتكراراً مع جميع كُتاب المقالات العلمية تحديداً ألا وهو سوء الفهم والتسرع في الحُكم، وذلك أمر طبيعي فالمعطيات التي لديك تجعلك تذهب للكلمات الشائعة أو الأفكار المسبقة بشكلٍ عام وتقوم بإصدار القرار من خلالها. إذاً لماذا لا يكتب الكتاب جمل ذات دلائل دينية في مقالتهم؟

الإجابة هنا متشعبة ويوجد عدة أسباب لذلك سأحاول أن أطرح جميع الإجابات حتى لا يظهر أشخاص آخرين يتهمون الكُتاب ويطلقون ألسنتهم دون وجه حق، أو طرح نقد لا علاقة له بالمقال أو طبيعة الكتابة بمثل هذه المقالات من الأساس.

كتاب المقالات العلمية
ملحدون أم ماذا؟ لماذا لا يكتب كتاب المقالات العلمية جمل مثل سبحان الله أو تبارك الخلاق بمقالاتهم؟

سياسات التحرير وشخصية الكاتب

لدى كل موقع سياسات تحرير لعدد كلمات مُعين، ونوع معين من هذه الكلمات، مثلاً هناك من يضع للكاتب كلمات المقال بين 800: 1000 كلمة، وهناك من يشترط عدد كلمات لا تزيد عن 2000 كلمة، ومواقع أخرى تفرض للكتاب عدد كلمات لا يتجاوز 1200 كلمة، وكل حسب شروطه وعلى الكاتب الالتزام بعدد الكلمات. هناك كُتاب يلتزمون بتلك الكلمات في مقالاتهم وهناك من يلتزم بها من خلال حشو بعض الكلمات التي لا ضرورة لها في المقال. على سبيل المثال انظر للجملة الأولى والجملة الثانية وستفهم ما أقصده.

الأولى: “سيظل الإنسان هو صاحب قراره الأول والأخير مهما كانت الصعوبات فهو الذي يختار دائماً وعليه أن يتحمل نتيجة ذلك” 19 كلمة.

الثانية: ” سيظل الإنسان صاحب قراره الأول والأخير وعليه تحمل النتيجة مهما كانت الصعوبات” 12 كلمة.

هذا ما أقصده بحشو كلمات لا ضرورة لها في المقال فهي تأخذ مساحة في حجم المقال دون الحاجة الضرورية لها، وعلى ذلك المنوال بعض الكُتاب يتركون الجمل التي لها مقصد ديني للقُراء في الأساس، فهو يعلم أنه الغالبية العظمى ستقوم بذكر تلك الجمل دون الإشارة لها في المقال، فما الحاجة لها إذاً في المقال؟ أو يبتعد عن الإدلاء بدلوه بقضية علمية حسمت المخابر أو المراكز البحثية بها، فلا رأي لأحد بعدها.

اقرأ أيضًا: أزمة الإلحاد الجديد: دين اللا دين!

طبيعة الكتابة في السياق علمي

الغالبية العظمى من كتاب المقالات العلمية تحديداً يلجأون دائماً للمصادر الأجنبية بما فيها الأوراق البحثية، وفي ذلك الجزء تحديداً هناك نوعان من المقالات. الأولى مقالات مترجمة من مصدر واحد، والثانية مقالات أصلية مُجمعة من عدة مصادر.

النوع الأول وهو يعتمد على كتابة المقالة من مصدر واحد، فطبيعة الترجمة لن يكون بها جمل ذات طابع ديني في المقال بكل تأكيد، سيكون الموضوع بالكامل يدور حول نقاط معينة بطريقة سرد الكاتب الأصلي والمترجِم سيكتب ما يقوله هو.

كتاب المقالات العلمية
ملحدون أم ماذا؟ لماذا لا يكتب كتاب المقالات العلمية جمل مثل سبحان الله أو تبارك الخلاق بمقالاتهم؟

أما النوع الثاني وخصوصاً الذي يمتلك الخبرة الكافية في الكتابة، فقد أدرك طبيعة الكتابة العلمية من خلال قراءة الأبحاث العلمية المنشورة. فالكتابة العلمية للأبحاث مثلاً تكون صارمة وكل سطر فيها يجب أن يكون له مدلول ومعنى والكلمات يجب أن تكون مُختاره بعناية شديدة حتى لا يتعرض الباحث لرفض ورقته العلمية؛ لذلك عند قراءتك لورقة بحثية أو مقال مراجعة – Review article ستجد طريقة الكتابة مُحكمة -في الأغلب- ولا يوجد خلل أو أي إضافات، فقط الموضوعية قدر الإمكان. بالإضافة إلى قلة استخدام كلمات التأكيد أو صيغ المبالغة مثل Always, amazing, wonderful results.. إلخ، وبالتأكيد لن يكون هناك أي إشارات في الأبحاث العلمية لكلمات ذات دلائل دينية أو عاطفية أو حتى شخصية.

لذلك عادة ما يكون الكتاب على دراية بآليات الكتابة العلمية ويحترمها ولهذا لا تجده يتطرق إلى أي مواضيع جانبية أو حشو أي جمل -وإن حدث دون قصد حتى- لا علاقة لها بالموضوع، لكن عادة ما يستخدم وسائل لمخاطبة القارئ أو لفت انتباه القارئ لنقاط معينه حتى لا يشعره بالملل، وذلك لا يعتبر حشوًا في المعنى ما دامت الكلمات المضافة لها غرض إيجابي تجاه القارئ، فهو لا يكتب ورقة علمية للنشر وإنما مقالة تناقش زاوية ما في بحث أو موضوع علمي كامل.

كتاب المقالات العلمية
ملحدون أم ماذا؟ لماذا لا يكتب كتاب المقالات العلمية جمل مثل سبحان الله أو تبارك الخلاق بمقالاتهم؟

لكن هل هذا يعني أنه لا يوجد طريقة للتعبير بحرية أكثر؟

بالطبع لا، فمثلاً الكتابة الأدبية يمكن لها أن تتضمن كلمات ذات دلائل دينية أو عاطفية أو حتى شخصية. فالكتابة الأدبية متروكة للكاتب ولا يوجد لها معايير صارمة أو إطار محدد له، فقط الإطار المُحدد والمتعارف عليه لنوعية الكتابة نفسها سواء كانت قصة أو رواية أو حتى مقال. بل وتتسع الكتابة الأدبية للجميع فالكاتب من الممكن أن يكتب باللغة العامية -بالطبع هذا أسوأ أنواعها- أو الفصحى أو حتى المزيج بين مرادفات العامية والفصحى، الأمر متروك له تماماً ولخياله.

لماذا هذا المقال؟

بعد نشر آخر مقال لي بعنوان “فرضية جايا: أغرب الفرضيات العلمية التي تعيد تشكيل مفهوم الحياة من جديد” وجدت بعض التعليقات التي تسخر من العنوان والبعض الآخر يسخر من الفرضية بغض النظر عن مدى صحتها أو قبولها. وقرأت عدة تعليقات في المنتصف تدور حول إيماني. ففكرت لبرهة لماذا لا يكون هناك رد يتم فيه توضيح طبيعة عملية الكتابة العلمية بشكل خاص والكتابة بشكل عام حتى لا يتم صرف الكثير من الوقت والجهد في اتهام أشخاص آخرين، وحتى يُدرك الجميع طبيعة تلك العملية؟ لذلك أرجو أن أكون قد قدمت الأسباب التي تقود الكُتاب في المجال العلمي لعدم ذكر أي من تلك الجمل عموماً أو غيرها.

0

شاركنا رأيك حول "للعموم: لماذا لا يكتب كتّاب المقالات العلمية جمل دينية أو ذات مدلولات شخصية في مقالاتهم؟"