فتاة منعزلة، تقضي أغلب الوقت في غرفتها مع أوراقها وقلمها الذي استغنت به عن كل شيء آخر، لا تلتزم بالمعايير الأدبية المفروضة بل تعمل على اختلاق نمط مختلف من الشعر، حتى وإن لم يقرأه أحد غيرها، لم تبحث عن الشهرة، ونشرت في حياتها 11 قصيدة فقط تحت أسماء مستعارة، هكذا كانت الشاعرة إيميلي ديكنسون. وبالرغم من كل ذلك أصبحت إيميلي من أكثر الشعراء نفوذًا، وتأثيرًا في الأدب الأمريكي، بعبقريتها وتفردها، وأسلوبها غير التقليدي في كتابة الشعر بمزيج من الشرطات والفواصل. حديثنا اليوم عن حياتها.

نشأة إيميلي ديكنسون: بين أب صارم وأم لا مبالية

ولدت إيميلي إليزابيث ديكنسون في أمهيرست بولاية ماساتشوستس في 10 ديسمبر 1830 لإدوارد وإيميلي ديكنسون. في وقت ولادتها، كان والد إيميلي محاميًا شابًا طموحًا، تلقّى تعليمه في جامعتي أمهيرست وييل، وعاد إلى مسقط رأسه وانضم إلى ممارسة القانون اتباعًا لوالده، صموئيل فاولر ديكنسون، وانضم أيضًا إلى والده في منزل العائلة الذي بناه في عام 1813.

ًصورة أدوارد ديكنسون والد الشاعرة إيميل ديكنسون.

انضم إدوارد إلى الحزب السياسي اليميني المحافظ، وانتُخب عضوًا في المجلس التشريعي لولاية ماساتشوستس (1837-1839) ومجلس شيوخ ولاية ماساتشوستس بين عامي 1852 و 1855 خدم لفترة ولاية واحدة كممثل من ماساتشوستس في الكونجرس الأمريكي. في أمهيرست، قدم نفسه كمواطنٍ نموذجي وافتخر بعمله المدني بصفته أمين صندوق جامعة أمهيرست، وداعم أكاديمية أمهيرست.

اتخذ إدوارد دوره كرئيس لأسرته على محمل الجد، فداخل منزله كانت قراراته وكلمته قانونًا. حادثة وصفتها إيميلي ديكنسون تتحدث عن الكثير من الحياة داخل منزلها:

“لم أكن أعرف أبدًا كيف أعلم الوقت بالنظر إلى الساعة حتى بلغت الخامسة عشرة من عمري. اعتقد والدي أنّه علمني لكنّني لم أفهم وكنت أخشى أن أقول إنّني لم أفهم وأخاف أن يسأل أي شخص آخر لئلا يعلم”

ًصورة إيميلي نوركروس ديكنسون والدة الشاعرة إيميل ديكنسون.

أما عن والدتها فلا يُعرف سوى القليل نسبيًا عنها، والتي غالبًا ما يتم تمثيلها على أنها الزوجة السلبية لزوج مستبد. كتبت إيميلي ذات مرة إلى معلمها، توماس وينتورث هيجينسون، “أمي لا تهتم بالفكر”، الذي كان شيئًا غريبًا عن الطريقة التي عاشت بها إيميلي. كتبت لاحقًا إلى هيغينسون:

“هل يمكن أن تخبرني ما هو الوطن؟ لم يكن لديّ أم قط. أفترض أن الأم هي التي تسرع إليها عندما تكون مضطربًا.”

كانت علاقة ديكنسون بوالدتها متوترة، خاصة خلال سنواتها الأولى. لم تستطع التطلع إلى والدتها للحصول على الدعم في جهودها الأدبية، لكن لم يرها أي من أفراد عائلتها أو أصدقائها على أنها عبقرية أدبية. رأى والدها أخيها أوستن على أنه عبقري ولم ينظر إلى أبعد من ذلك. حتى معلمها هيغينسون، بالرغم من دعمه لها، إلا أنه رآها أيضًا “مضطربة جزئيًا”.

ولع إيميلي بالموت

“لأنني لم أستطع التوقف من أجل الموت –

لقد توقف بلطف من أجلي –

لم تحمل العربة شيئًا سوانا-

والخلود.”

لم تكن سنوات شباب ديكنسون خالية من الاضطرابات. أثارت وفاة الأصدقاء والأقارب، بمن فيهم ابنة عمها الصغيرة صوفيا هولاند، أسئلةً عديدة حول الموت والخلود. وحقيقة وجود منزلها بالقرب من مقبرة المدينة، لم يساعدها على تجاهل المدافن المتكررة التي تراها، وقدمت فيما بعد صورًا قوية عنها في قصائدها.

وبعدها تأثرت بموت والدها إدوارد ديكنسون، خاصة أنه مات وحيدًا في بوسطن بعد انهياره أثناء إلقاء خطاب في المجلس التشريعي للولاية، وكان الأمر برمته لا يطاق لجميع أفراد الأسرة. وبعد عام واحد مرضت والدتها وتعين على إيميلي الاعتناء بوالدتها خلال السنوات السبع الأخيرة من حياتها، حتى توفيت والدتها في 14 نوفمبر 1882.

في رسالة إلى صديقتها السيدة جيه سي هولاند، كتبت:

“الأم العزيزة التي لم تستطع المشي، قد سافرت.

خطر ببالنا أنها ليست لديها أطراف، ولديها أجنحة –

وقد صعدت بدوننا بشكل غير متوقع كطائر يُلبي النداء – “

لم تستطع ديكنسون استيعاب وفاة والدتها، وتصارعت مع فكرة الموت الذي شعرت أنه يحاصرها من كل ناحية، كانت تخشاه وكتبت قصائد كثيرة عنه لمحاولة فهمه. لذلك، كانت نهاية والدتها صعبة عليها، خاصةً بعد هذا المرض الطويل.

علاقة خيانة أخيها بنشر قصائدها

يرجع الفضل إلى مابل لوميس تود– Mabel Loomis Todd بوصول قصائد إيميلي ديكنسون إلينا، فمن هي؟

صورة مابل لوميس تود- Mabel Loomis Todd عشيقة أوستن أخو إيميلي ديكنسون.

انتقلت مابل مع زوجها دايفيد إلى أمهيرست، ماساتشوستس، حتى يتمكن ديفيد من تولي وظيفة في كلية أمهيرست كأستاذ في علم الفلك. وتعرفت مابل على أوستن لأنه كان مواطنًا بارزًا في المدينة، ومحاميًا وأمين صندوق كلية أمهيرست، عاش هو وزوجته وأطفاله بجوار والدته المعزولة وأخواته المنعزلات، لافينيا وإيميلي.

بعد زيارتها الأولى لمنزل ديكنسون، انغمست مابل في علاقة حب عاطفية مع شقيق إيميلي المتزوج أوستن ديكنسون، واستمروا في العلاقة لمدة 13 عامًا، حتى وفاة أوستن. وعلى الرغم من ترددها على منزل إيميلي ديكنسون مرات كثيرة، إلا أنها لم ترَ الشاعرة إلا في نعشها. عُرفت إيميلي في أمهيرست باسم “الأسطورة” فهي لم تخرج من منزلها منذ خمسة عشر عامًا، وحين كانت تزورهم مابل كانت تبقى إيميلي خلف الستار تسمع غناء مابل بدون الحاجة لمقابلتها وجهًا لوجه.

وصفت مابل إيميلي بأنها “عبقرية” في كثير من النواحي:

“إنها ترتدي اللون الأبيض دائمًا، وقد تم ترتيب شعرها كما كانت الموضة قبل خمسة عشر عامًا عندما تقاعدت.”

كثيرًا ما كانت إيميلي ترسل لها الزهور والقصائد، وكتبت مابل:

“كانت لدينا صداقة ممتعة للغاية بهذه الطريقة.”

بعد وفاة إيميلي عام 1886، دمرت لافينيا رسائلها -بطلب من إيميلي نفسها بحرق أوراقها- وطلبت من زوجة أوستن التأكد من نشر قصائد إيميلي. لم تُظهِر سوزان -التي كانت صديقة مقربة من إيميلي- اهتمامًا كبيرًا بالمشروع، لذلك طلبت لافينيا من صديقين للعائلة -مابيل لوميس تود وتوماس وينتورث هيجينسون- نشر 40 مخطوطة تركتها إيميلي. وتولى الاثنان المهمة، بل وقاما أحيانًا بإجراء تعديلات على قصائد إيميلي.

نشر الأخوان روبرتس المجلد الأول من القصائد، في عام 1890. في غضون عامين، تم طباعة 11 طبعة. بدأت مابل مهنة تعريف العالم كله بشاعرة أمهيرست الغامضة، حيث ثبتت صورتها في أذهان الجمهور. وطُبع مجلد ثانٍ من القصائد في عام 1891، لكن هيجينسون لم يعجبه تعديلات مابل تود واستقال منها. وقامت مابل بمفردها بتحرير قصائد إيميلي على نطاق واسع لنشرها في مجلد ثالث.

توفي أوستن بسبب إرهاق العمل في عام 1895. كان قد أورث قطعة أرض لمابيل وزوجها ديفيد تود، لكن طعنت لافينيا في الوصية في المحكمة وفازت بها. نتيجة الخلاف، قسمت عائلتا تود وديكنسون مخطوطات إيميلي. ونشرت ابنة أوستن، مارثا ديكنسون بيانكي أربعة كتب من قصائد إيميلي وكتابَي سيرة ذاتية بين عامي 1913 و 1937، ونشرت مابيل لوميس تود وابنتها ميليسنت المزيد من قصائد إيميلي بين عامي 1931 و 1955.

وفاتها

شكلت وفاة إيميلي ديكنسون لغزًا حتى الآن بسبب تعدد التشخيصات والاحتمالات الممكنة، من خلال رسائلها تم الكشف عن الأعراض التي كانت تصيبها كالصداع الشديد والغثيان، وغيبوبة فراش الموت التي يتخللها هشاشة وصعوبة في التنفس، وذلك دفع الباحثين إلى استنتاج أنها توفيت بسبب قصور القلب الناجم عن ارتفاع ضغط الدم الشديد (ارتفاع ضغط الدم)، لكن سبب الوفاة الذي ذُكر في شهادة الوفاة الذي كتبه الدكتور أوتيس ف.بيجلو هو “مرض برايت”، ومع ذلك يظهر حتى الآن تحليلات جديدة لسبب الوفاة ومرض إيميلي الغامض.

اقرأ أيضًا: بعد فوزه بجائزة نوبل للأدب: ماذا نعرف عن الكاتب عبد الرزاق قرنح؟