الإجهاض
0

في كلّ يوم تستقبل الحياة مولوداً وتودّع مولوداً آخر، وبين مُستقبلٍ ومودّع تأخذنا بحار من المشاعر والعواطف والأفكار والقرارات. ولعلّ من أجمل ما يزيّن حياة المرأة ويضفي عليها دفء الكون وحنانه حملها بذلك الكائن اللطيف، والتشوّق لملاقاته وضمّه بين ذراعيها وصدرها.

ولكن ماذا لو نظرنا إلى الجانب المؤلم من هذه المرحلة الرحمانيّة؟ ماذا لو تعمّقنا في الأحداث والظروف التي قد تدفع المرأة إلى التضحية بقطعة منها تحت حكم الاضطرار أو الرغبة أو الإجبار، ماذا لو حدث الإجهاض؟!

ما بين معارضٍ ومؤيّد للإجهاض تتنافس صناديق المعتقدات الدينيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والعلميّة، وتتعالى الأصوات والمناشدات وتتهافت الجموع، وتعقد المحاكم وتسنّ الشرائع بين داعمٍ لحرّية الاختيار ومناصر لحقّ الحياة.

سنتعرّف في هذا المقال عن الأقطاب والتوّجهات الحاكمة لقرار الإجهاض بمعناه الدقيق وجدليته الأزليّة، وما يخفي في طياته من تشريعاتٍ وأسرار على مرّ الزمان والمكان.

اقرأ أيضًا: نوال السعداوي المُثيرة للجدل بآرائها: نصيرة المرأة الأولى ومقتحمة المحرّمات الثلاثة

ما هو الاجهاض؟


يعرّف الإجهاض بإنهاء حياة الجنين قبل أن يصبح قادراً على الحياة خارج الرحم، إمّا بشكلٍ مقصود عن طريق الأدوية أو بعمليّة جراحية، أو قد يحدث عفوياً لسبب ما كمرض أو رض أو عيب وراثي أو عدم التوافق الكيميائي الحيوي بين الأم وجنينها، لينتج عنه في كلتا الحالتين فقدان محصول الحمل. عادةً ما يحدث الإجهاض عند المرأة الحامل قبل الأسبوع 20، ووسطياً بين الأسبوع السادس والعاشر.

ما هي مبرّرات الإجهاض من وجهة نظر الطّب ومتى يُسمح به؟

الإجهاض


يمكن الإقدام على الإجهاض والسماح به لأسباب محدّدة وواضحة تشكل خطراً على حياة الأم أو جنينها مثل:

  • الحفاظ على حياة الأم في سبيل سلامتها الجسدية أو العقلية.
  • منع ولادة طفل يعاني من تشوّه خطير أو خلل عقلي أو عيب وراثي.
  • منع إتمام الحمل في حالات الاغتصاب والتعدّي الجنسي.
  • منع إتمام الحمل لأسباب اجتماعيّة صحية كالحمل في أعمار صغيرة تشكلّ خطراً على حياة الأنثى.

سبب الاختلاف في وجهات النظر حول الإجهاض

الإجهاض


تدور في مجالس المناقشة وحلقات النزاع حول الإجهاض ثلاث وجهات نظر رئيسيّة:

  • أوّلها الاتجاه المحافظ من منطلق المعارضة المتطرّفة التي تتبنّاها الكنيسة الكاثوليكية.
  • ثانيها النظرة المؤيّدة التي تبناها الفيلسوف الإسترالي بيتر سنجر (Peter Singer).
  • ثالثها وجهة النظر المعتدلة الواقعة بين الطرفين.

يتبنّى مناهضو الإجهاض ومؤيدو حقّ الحياة في رأيهم المتطرّف حقيقة بدء الحياة من مرحلة البيضة الملقحة أحادية الخلية، وعليه ووفقاً للموقف الديني لا ينبغي للمرأة أن تخضع للإجهاض على اعتبار الجنين روح بشريّة، وقتل الإنسان محظور ومحرّم وبالتالي يحرّم قتل الأجنّة.

أمّا الجهة المؤيّدة بشدّة التي تبنّاها سنجر فتزعم أنّ الروح البشريّة تبدأ فور الولادة أو بعد ذلك بقليل، وبالتالي تبدأ الحياة عند الميلاد أو بعد ذلك بقليل كشهر مثلاً. تقوم هذه الفئة على مبدأ الإيمان بمفهوم الإنسانيّة، أي لا يعتبر كلّ كائن بشري إنساناً من منطلق أنّ ما يمنح صفة الإنسان هو امتلاك القدرات العقلية والوعي والإدراك، وعليه لا يعتبر الجنين إنساناً بل مجرّد مخلوق أو كائن حيّ وبالتالي من الممكن إجهاضه.

في حين تتبنّى الجهات المعتدلة أساساً أخلاقياً في إقرار الإجهاض بناءً على ما يحدث خلال مراحل التطوّر البيولوجي للجنين، بدءاً من البيضة الملقّحة وصولاً إلى مرحلة الولادة.

الإجهاض في الدين الإسلاميّ بين التحريم والتشريع

الإجهاض


يحرّم الإسلام الإجهاض تحريماً مطلقاً سواء قبل نفخ الروح أو بعدها، فمعظم العلماء المسلمين يجمعون على أنّ الجنين في الرحم معترف به ومحميٌّ من قبل الإسلام كروح بشريّة مقدّسة، لكن هناك حالات معيّنة يحلّل فيها الفقهاء استناداً إلى مدارس الشريعة الإسلاميّة بإجراء الإجهاض في حال كان استمرار الحمل سيعرّض حياة الأم لخطر حقيقيّ، وذلك لوجود مبدأ عام في الشريعة والقانون الإسلاميّ يقضي باختيار أهون الشرّين، وهو ما ينطوي عليه الإجهاض إذا كان إتمام الحمل مؤذياً للأم، أمّا إنهاء الحمل لعدم المقدرة على تحمّل مسؤولية الطفل الاجتماعيّة والاقتصاديّة فهو ما يُعتبر حراماً جملةً وتفصيلاً.

بينما بقي الإجهاض الذي يمنع ولادة طفل يعاني من تشوّهات جسديّة أو عقليّة جسيمة موضع جدلٍ بين مصدر مشرّع وآخر محرّم، ففي حين أحلّته بعض الجهات شرط أن يكون قبل 120 يومًا وبوجود طبيبين اختصاصيين يؤكّدان وجود عيب كبير يحول دون تمتّع الطفل بحياة طبيعيّة، رفضت جهات أخرى تبنّيه لأيّ سببٍ ما لم يكن هناك خطرٌ يهدّد حياة الأم. أمّا بالنسبة لإنهاء الحمل الناتج عن الاغتصاب وسفاح القربى والزنا فتحلّله بعض المدارس الإسلاميّة شريطة أن يكون قبل 120 يوم، وتجرّمه مدارس أخرى. وبناءً عليه السبب المتّفق عليه بالإجماع في الشريعة الإسلاميّة للمضي في قرار الإجهاض هو حياة الأم وأيّ سبب آخر يبقى موضع جدلٍ غير محسوم بعد.

موقف منظمات حقوق المرأة من مسألة الإجهاض

أطلقت منظمّات حقوق المرأة حججاً عديدة في امتلاك النساء الحقّ في إنهاء الحمل أو إكماله، إذ يجب احترامها كشخص له كيانه واحتياجاته، حيث تمتلك كامل الحرّية في تحديد مصير جسدها فهي ليست مجرّد مخرن للجنين. وفيما يلي بعضاً من هذه الحجج:

  • تمتلك المرأة الحقّ الأخلاقيّ الكامل في تقرير ما تفعله بجسدها.
  • الحق في الإجهاض يلعب دوراً حيوياً في تحقيق المساواة بين الجنسين.
  • يعرّض حظر الإجهاض حياة النساء للخطر، إمّا بإجبارهن في إكمال حمل قد يودي بحياتهن، أو إجبارهن على استخدام الأساليب غير الصحية والقانونية للإجهاض التي تضرّ بصحتهن.
  • يجب أن يكون الحق في الإجهاض جزءاً من مجموعة حقوق الحمل التي تتيح للمرأة اتخاذ قرار حرّ حقيقي بما يتلاءم مع احتياجاتها وكينونتها وصحّة جسدها.

رغم كل هذه الصيحات والمطالب الصارمة إلا أنّ مؤيدي حقوق المرأة لا يتّخذون موقفاً معارضاً للجنين، بل على العكس تماماً، يحرص معظمهم على الحفاظ على حياة الأجنّة، ويؤكّدون على أن يكون الإجهاض هو الخيار المناسب عندما يكون الأقلّ سوءاً بين العديد من الخيارات الأكثر سوءاً.

اقرأ أيضًا: تمكين المرأة تاريخيًّا: من حق التعليم إلى المناصب الإدارية

 تطوّر مسألة الإجهاض على مرّ العصور بين القبول والرفض

بقي موضوع الإجهاض المتداول حاليّاً رهن حملات التشجيع من جهةٍ وثورات القمع من جهة أخرى، ليصبح قضيّة اجتماعيّة أحدثت شرخاً كبيراً بين علماء اللاهوت والفلاسفة والمشرّعين لعدّة قرون. عبر التاريخ ومروراً بالعصر الروماني واليونانيّ كان الإجهاض أسلوباً شائعاً ومقبولاً اجتماعيّاً للحدّ من الكثافة السكانية واكتظاظ عدد أفراد الأسرة في ظلّ غياب الوسائل الفعّالة لتحديد النسل. إلاّ أنّ اللاهوتيين المسيحيين فيما بعد أدانوا الإجهاض وبشدّة، ومع ذلك لم تطبّق أيّ عقوبات جنائيّة صارمة لردع ممارسته حتى القرن التاسع عشر.

في القرن العشرين تم تعديل هذه العقوبات في عدّة بلدان مختلفة بدءاً من الاتحاد السوفييتي عام 1920 م، والدول الإسكندنافية عام 1930م، بالإضافة إلى اليابان والعديد من دول أوروبا الشرقيّة في خمسينات القرن العشرين. أمّا الصين فقد استخدمت الإجهاض على نطاقٍ واسع كجزء من سياستها المطبّقة آنذاك للسيطرة على النمو السكانيّ الكبير الذي شهدته حينها.

وفي أوائل القرن الواحد والعشرين، قامت بعض الولايات التي تضمّ عدداً كبيراً من الكاثوليك والروم في البرتغال والمكسيك، بإلغاء تجريم الإجهاض رغم المعارضة الشديدة التي أظهرتها الكنيسة. وفي الولايات المتحدة الأمريكية لعبت قضية “رو ضد وايد” الشهيرة دوراً كبيراً في تشريع الإجهاض عام 1973، حيث قضت المحكمة العليا بأنّ للمرأة الحامل حقّ دستوري في تقرير إنهاء حملها قبل الاستمرار به كجزءٍ من حرّيتها في الاختيار الشخصي بما يتعلّق بشؤون الأسرة بموجب التعديل الرابع عشر.
أمّا في الطرف المقابل فقد فرضت بعض الدول مثل نيكاراجوا مزيداً من القيود والعقوبات حول السماح بالإجهاض وملاحقة المتوّرطين به. كذلك الأمر في البلدان العربيّة الإسلاميّة بقي الأمر متعلّقاً بما تسمح به مدارس الشريعة الإسلاميّة وما يتفق عليه علماء المسلمين.

في الواقع لن تعكس لوائح المعارضة والتأييد كيفيّة تفكير معظم الناس حول خصوصيّة موضوع الإجهاض. لذلك بدلاً من تصنيف الناس في فئة واحدة أو أخرى، يجب أن نحترم خيار وقرار المرأة وعائلتها فنحن لا نعلم حقيقة الحياة التي يكابدها كلّ إنسانٍ يوميّاً، وما الظروف التي يواجهها مرغماً أو مخيّراً.

اقرأ أيضًا: حملات دعائية مُبتكـرة لرفض العنف ضد المرأة

0

شاركنا رأيك حول "الإجهاض ما بين شروط التحريم ورغبة التشريع: موضع جدلٍ بين الفقه والقانون والطب"