أنغيلا ميركل
1

“أنا موظفة حكومية، ولست عارضة أزياء”

هكذا أجابت “أنجيلا ميركل” على سؤال أحد الصحفيين، وكان قد سألها عن سبب ارتدائها ملابس متشابهة، تكاد تكون موحدة. تمتعت ميركل بالحكمة والذكاء، حتى أُطلق عليها مستشارة الأزمات. واستطاعت ميركل النهوض باقتصاد ألمانيا وأوروبا، وأثرت على مستوى العالم أجمع.

قبل ذلك بأعوام كثيرة

في شمال غرب ألمانيا، تقع مدينة فائقة الجمال، تتسابق فيها المياه تحت جسورها المميزة، فتطرب آذان المارة، ويا له من مشهد خلاب عندما تلتقي مياه نهر الإلبه مع أشعة الشمس قرب الغروب أثناء الربيع، تلك المدينة هي “هامبورغ” الألمانية، التي التقى فيها هورست كاسنر بفتاة حسناء تُدعى هرليند. كان هورست طالبًا يدرس علم اللاهوت، بينما كانت هرليند معلمة لغة إنجليزية. اتفق الثنائي على الزواج الذي أثمر عن ميلاد طفلة رائعة في 1 يوليو 1954، أطلقوا عليها اسم “أنجيلا”..

أنغيلا ميركل
صورة لـ”أنجيلا ميركل” عندما كانت طفلة.

بعد أسابيع قليلة من ميلادها، انتقلت عائلة أنجيلا إلى ألمانيا الشرقية، وفي عام 1957، رحلوا إلى مدينة “تمبلين”، وهناك أنهت أنجيلا دراستها الثانوية عام 1973، ثم قررت دراسة الفيزياء في جامعة “كارل ماركس” بمدينة لايبزيغ. وهناك قابلت “أولريش ميركل”، وتزوجا عام 1977، وحصلت أنجيلا على لقب ميركل الذي لازمها بقية حياتها. وانفصلت عنه عام 1982. وفي عام 1986، حصلت على درجة الدكتوراه في كيمياء الكم، وقتها كانت تحلم بأن تصير عالمة فيزياء. وفي 30 ديسمبر 1998 تزوجت من يواكيم سوير وأمضت معه حياتها.

اقرأ أيضًا: حقائق ممتعة عن ألمانيا .. الملجأ الإنساني الأوّل في العالم

رحلة الصعود السياسي.. بدأت من سقوط جدار برلين

في أكتوبر 1989، تأسس حزب “حركة الصحوة الديمقراطية”، الذي كان يهدف إلى إعادة توحيد دولة ألمانيا، بعدما فُصلت بجدار برلين عام 1961 إلى ألمانيا الشرقية والغربية. انضمت ميركل لهذه الحركة، وفي نوفمبر 1989، سقط جدار برلين أخيرًا.

في فبراير 1990، أصبحت ميركل هي المتحدث الرسمي باسم الحزب، وحدث التحالف بينه وبين الاتحاد الألماني الاجتماعي (DSU) والاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU). هدف هذا الاتحاد للحفاظ على وحدة ألمانيا، وقد كان، وصار حزب حركة الصحوة الديمقراطية جزءًا من الحكومة الجديدة. في أغسطس 1990، انضمت ميركل إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي اتحد مع نظيره في ألمانيا الغربية في 1 أكتوبر. وفي 3 أكتوبر 1990، عادت وحدة ألمانيا.

في ديسمبر 1990، ظهرت نتيجة أول انتخابات بعد الوحدة، وفازت ميركل بمقعد في البوندستاغ الألماني (وهو المجلس التشريعي الاتحادي)، وفي يناير 1991، عينها “هلموت كول” وزيرة للمرأة والشباب. وفي انتخابات عام 1994، صارت ميركل وزيرة للبيئة. وكانت رئيسة مؤتمر الأمم المتحدة الذي عُقد لأول مرة في برلين، تدعيمًا لقضية المناخ بين مارس وأبريل 1995. وتوالت المناصب التي تولتها ميركل حتى جاءت الساعة الموعودة عام 2005..

مستشارة الأزمات.. عندما سيطرت ميركل على المشهد السياسي الألماني

أنغيلا ميركل

في نوفمبر 2005، انتُخبت ميركل لتصبح مستشارة لألمانيا في سن الـ 51. وبذلك صارت ميركل هي المرأة الألمانية الأولى التي تصعد لمنصب كهذا وتقود البلاد لمدة 16 عامًا بعقلية بارعة. وفي 27 سبتمبر 2009، أُجريت الانتخابات البرلمانية وجُددت ولاية ميركل من جديد بدون منافس، وشكلت حكومة جديدة مع الحزب الديمقراطي الحر (FDF). في 17 ديسمبر 2013، فازت ميركل للمرة الثالثة في الانتخابات، وشكلت حكومة مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، وفي سبتمبر 2017، فازت ميركل للمرة الرابعة بلا منافس كمستشارة، وواصلت مسيرتها في النهوض بألمانيا، ولكنها كانت قد أعلنت تنحيها عن المنصب مع انتهاء ولايتها في سبتمبر 2021.

حال الاقتصاد الألماني قبل ميركل.. رجل أوروبا المريض

في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أطلق “نيكولاس الأول” قيصر روسيا، على الدولة العثمانية (كان مقرها في تركيا حاليًا) لقب “رجل أوروبا المريض”، وذلك بسبب الانهيار الاقتصادي الذي عانت منه الدولة العليا في تلك الأثناء قبل انهيارها التام في بداية القرن العشرين. منذ ذلك الحين، كانت الدول التي تنهار اقتصاديًا تُعطى هذا اللقب. وفي أواخر تسعينات القرن الماضي حتى أوائل القرن الحادي والعشرين، حصلت ألمانيا على لقب “رجل أوروبا المريض” بسبب الركود الاقتصادي الذي تعرضت له. ومن أمثلة ذلك ما يلي:

  • بين عامي (1998-2005)، كان متوسط النمو الاقتصادي لألمانيا 1.2% سنويًا.
  • حدث ركود عام 2003.
  • عام 1998، كان معدل البطالة 9.2%.
  • في 2005، ارتفع معدل البطالة إلى 11.1%.

ألمانيا بعد لمسات ميركل.. نجم الاقتصاد الأوروبي!

أنغيلا ميركل

تولت ميركل منصب مستشارة ألمانيا في عام 2005، كانت الدولة في حالة ضعف اقتصادي، لكن خلال سنوات قصيرة، أحدثت نفس الدولة الراكدة ضجة اقتصادية عالمية، تحدت أزمة اليورو (سنتحدث عنها بعد قليل)، واحتلت المركز الرابع عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بعد أن عانت من انخفاض حاد في هذا الناتج المحلي بين عامي (2008 – 2009)، وبذلك تحولت من رجل أوروبا المريض إلى نجم الاقتصاد الأوروبي الساطع الذي تهتدي دول الاتحاد الأوروبي والعالم أجمع بنوره. إليك بعض من صور تطور ألمانيا في عهد ميركل:

نمو اقتصادي بنسبة 34%

خلال عهد ميركل الذي امتد لـ 16 عامًا، نما الاقتصاد الألماني بنسبة 34%، حتى أنه واصل نموه حتى سبق دول أوروبا الأشهر (فرنسا – أسبانيا – المملكة المتحدة – إيطاليا). وتُعد فرنسا هي المنافس الأقوى لألمانيا في النمو الاقتصادي، مع ذلك نجد أن نمو فرنسا خلال نفس الفترة (16 عامًا) بلغت 19% فقط. أي أنّ ألمانيا هي الأقوى والأسبق بنسبة 15%. استطاعت ميركل فعل ذلك بحكمة وذكاء، حيث استغلت ما بدأ في بنائه المستشار الذي سبقها “غيرهارد شرودر”، فقد خفّض الضرائب وقام ببعض الإصلاحات في البلاد من قبلها.

وانخفضت البطالة

طبقت الحكومات التي أشرفت عليها ميركل نظام العمل لوقت قصير، وهذه خطة ممتازة أثبتت فعاليتها في إدارة البلاد والقضاء على البطالة، حتى انخفضت بأكثر من 3 ملايين نسمة، واستطاعت ميركل توظيف ما يزيد عن 6 مليون من المواطنين الألمان. وقد ساعد نظام العمل لوقت قصير في إمداد الشركات والمؤسسات بالإعانات المالية، لتجنب تسريح العمال عندما تمر الشركة بأزمة ما مثلما حدث أثناء وباء كورونا. إضافة إلى ذلك، وفرت الخطة نحو 500 ألف وظيفة خلال فترة الركود الاقتصادي التي عانت منها ألمانيا عام 2009. وخلال أزمة كورونا في 2020، ضخت ميركل نحو 1.2 تريليون دولار الشركات، لإعانة مالية لمنع تسريح الموظفين ومنع البطالة.

صادرات مرتفعة

بالرغم من سيطرة الصين والولايات المتحدة الأمريكية على السوق العالمي، استطاعت ألمانيا في عهد ميركل إثبات وجودها وفرض هيمنتها من خلال الصادرات الألمانية المتميزة، ووصلت هذه الصادرات عام 2011 إلى 1.738 تريليون دولار، بنسبة 7.7% من الصادرات العالمية. كما حرصت على ألا يستحوذ المستثمرون خارج الاتحاد الأوروبي على المنظمات المحلية بألمانيا.

النهوض بالميزانية المالية لألمانيا

حدد الاتحاد الأوروبي نسبة محددة للعجز المالي بالنسبة للدول التي تستخدم عملة اليورو – منها ألمانيا – كانت هذه النسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2001، وصل العجز المالي لرجل أوروبا المريض (ألمانيا وقتها) إلى 3.2%، أي أنها تخطت النسبة التي حددها الاتحاد الأوروبي. وبعد قيادة ميركل بعام واحد في 2006، انخفضت هذه النسبة إلى 1.7%. بل وارتفع النمو الاقتصادي في نفس السنة بنسبة 2.5%، وهو معدل سريع لم تشهده ألمانيا منذ فترة طويلة. كما سارعت لإنقاذ الحالة السيئة للبنوك، وضخت 500 مليار يورو لتعزيز سيولة البنوك.

ميركل والهجرة.. أم المهاجرين

عام 2010، أعلنت ميركل عن رأيها في تعدد الثقافات بألمانيا بسبب الهجرة، وأشارت إلى الآثار السلبية لهذه الهجرة. لكن رأيها هذا لم يجعلها تغلق أبواب ألمانيا في وجوه اللاجئين حول العالم، خاصة بحلول عام 2015، بعدما استقر اقتصاد ألمانيا ولجأ إليها كثير من أهالي البلاد التي تعاني من الحرب، وقفت ميركل لحكومتها قائلة: “نستطيع التعامل مع ذلك!”. وبالفعل دخل ألمانيا في 2015 أكثر من مليون لاجئ، معظمهم من سوريا.

لاقت ميركل العديد من الانتقادات بسبب موقفها هذا، لكنها أثبتت صحة وجهة نظرها، ونجحت في كسب ولاء اللاجئين لألمانيا، حتى أطلقوا على ميركل “أم المهاجرين”. وشهدت فترة ولايتها ازدياد كبير في عدد السكان اللاجئين من جميع الفئات العمرية. ما جعلها تكسب احترامًا دوليًا وتنال شعبية واسعة على مستوى العالم، بالرغم من مخاوف سكان ألمانيا الأصليين بسبب تدفق أعداد هائلة من اللاجئين. لكنها أثبتت في النهاية أنها على صواب وفعلت الشيء الصحيح.

يرى العديد من الخبراء أنّ تصرفها هذا إنساني من الدرجة الأولى، لكن هناك بعض المخاوف حول الفترة اللازمة لدمج اللاجئين مع المجتمع الألماني، حيث يقل دخلهم عن المواطنين الأصليين بنسبة 45%، ويحتاج الأمر لجيل كامل، حتى يحدث الاندماج التام بين المهاجرين والسكان الأصليين.

لم تتوقف جهودها مع اللاجئين عند هذا الحد، بل إنها عقدت صفقة مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” لتقديم المساعدة للاجئين السوريين في تركيا، حيث تعهد الاتحاد الأوروبي -بفضل جهود ميركل- بإمداد تركيا بالمساعدات المالية تحت مسمى “صفقة اللاجئين“، مقابل استقبال السوريين.

اقرأ أيضًا: “ألمانيا” سيّدةٌ عرفتُها، وزرتُها، واستحوذت على قلبي

ميركل واقتصاد أوروبا

يتعاون الاتحاد الأوروبي في الأزمات، ومن أجل هذا، صُمم “صندوق التعافي الأوروبي”، وتبلغ قيمته 750 مليار يورو، الذي يهدف لمساعدة دول الاتحاد من خلال مدّه بمعونات مالية. تُعد ألمانيا هي الدولة الأكثر مساهمة في هذا الصندوق -بفضل ميركل- خلال جائحة كورونا.

أما فيما يخص أزمة اليورو..

يُطلق عليها أيضًا “أزمة الديون الأوروبية”، وهي إشارة إلى الدول التي تعاني من الديون في منطقة اليورو (أي البلاد التي تستخدم اليورو كعملة للدولة) منذ عام 2009. خلال فترة ميركل، دعت للتقشف والاقتصاد لسد ديون دول الاتحاد الأوروبي، ومواكبة تقدم دول الأعضاء، ما يعزز من قوى أوروبا عمومًا. سمحت ميركل للبنك المركزي الأوروبي بإعطاء قروض للدول التي تعاني من الديون، ما ساعد في دعم اقتصاد دول جنوب أوروبا.

القائدة الأكثر شعبية في أوروبا

في أكتوبر عام 2020، أظهرت نتائج أحد الاستطلاعات أنّ 75% من البالغين في 14 دولة أوروبية يضعون ثقتهم الكاملة في ميركل. من ناحية أخرى، وفي أغسطس 2021، صُنفت على أنها أكثر السياسيين شعبية في ألمانيا.

وأخيرًا.. أثبتت ميركل خلال فترة ولايتها أنّ المرأة قادرة على إحداث تغيير، بالرغم من الهجوم عليها في بعض الأمور، لكن اتفق الجميع على لمساتها الساحرة التي داوت رجل أوروبا المريض وجعلته رابع أقوى اقتصاد في العالم خلال عهدها.

1

شاركنا رأيك حول "مستشارة الأزمات.. كيف أثرت ميركل في الاقتصاد الأوروبي؟"