الخلود
0

لربما كانت النقوش الفرعونية والحضارات القديمة التي تركت لنا آثارًا تعبيرًا عن رغبة واحدة، عتيقة ويبلغ عمرها عمر النوع الإنساني قاطبة. لقد تمنى البشر منذ فجر التاريخ رغبة واحدة أساسية، أن يقهروا الموت. وللمفارقة، في محاولة بلوغ تلك الرغبة، تمكنوا من تحقيق المعجزات. فبداية من الأساطير والآثار مرورًا بالفنون والأديان، انتهاءً بعصر العلم والتكنولوجيا والسفر إلى الفضاء. اشتركت كل تلك المنجزات البشرية في رغبة واحدة، وهي الخلود.

تحليل الإنسان إلى عناصره الأساسية: ماذا يخلد وماذا يموت؟

«الفناء تجربة أساسية للنوع الإنساني. لكن الإنسان لم يستطع قبول تلك الحقيقة، أو استيعابها، أو التصرف على أساسها. لا يعلم الإنسان كيف يكون فانيًا، وعندما يموت، لا يعرف كيف يكون ميتًا».

سطّر الأديب التشيكي ميلان كونديرا هذه الكلمات في روايته الخلود، معبرًا عن حقيقة ينكرها الإنسان ويبالغ في إنكارها، حتى يعيش وكأنه خالد لا يموت. لقد عبّر عالم النفس ألفريد آدلر عن هذه المغالطة البشرية الشهيرة؛ أن يعيش الإنسان دون أن يضع الموت في اعتباره كحقيقة تحدث لكل الناس، وعندما تحدث يفاجئ الجميع وكأنه حدث خارق للعادة، دون أن يتصرفوا في حياتهم وتلك الحقيقة في الاعتبار.

ولكن ما الذي يطمح الإنسان إليه في خلوده؟ إذا تناولنا هذا السؤال سنتوجه إلى تحليل الإنسان لعناصر أساسية. لقد تساءلت الفلسفة منذ القدم مم يتكون الإنسان، أهو جسد فقط أو روح فقط أم كلاهما، وكان هذا السؤال محوريًا في تاريخ الفلسفة حتى انقسمت على إثره المدارس الفلسفة إلى واقعية ومثالية. ربما طمح الفنانون وملوك الدولة الفرعونية القديمة إلى تخليد الأرواح والذكريات، عبر النقوش والرسوم والآداب والأهرامات. ولكن هذا التوجه اختلف مع تقدم العلم، حتى أصبح خلود الأجساد البشرية إمكانية يتحدث عنها الباحثون والعلماء، وأصبح السفر إلى كوكب المريخ قابلًا للتجربة.

اقرأ أيضًا: قبل الموت بلحظات: ماذا كانت أمنيات هؤلاء؟

الخلود في البيولوجيا والطب: كيف يحسد الإنسان الحيوان؟

يتساءل القارئ في هذه اللحظة عن إمكانية الخلود، بعد كل تلك الأبحاث والدراسات الطبية، وهو ما سنتطرق إليه في قسم آخر من المقال. ولكن هل تساءلت عن شيء آخر، عن حدوث الخلود في العالم بالفعل؟ لقد أثار علماء البيولوجيا هذه الدعابة بدراستهم عن بعض الأنواع الحية، فدعنا نغوص في هذا العالم الذي أحبه من الأحياء، وأتمنى أن تحبه أيضًا.

البكتيريا والانقسام الثنائي

إن مصطلح البكتيريا الدال على هذه الكائنات الميكروسكوبية الدقيقة، يثير في الذهن السعال والعطس واحتقان الحلق، فلا يرتبط في ذهن المرء سوى بتلك الأمراض. البكتيريا كلمة لاتينية تعني الكائنات العصوية؛ إذ كانت هذه الكائنات عند اكتشافها مكونة من خلية واحدة على شكل عصا، وموجودة في تجمعات. يجادل بعض العلماء أن الخلية البكتيرية من الكائنات الخالدة، أو المعبرة عن الخلود في البيولوجيا، فعند انقسامها عبر الانقسام الثنائي تنتج خليتين مطابقتين.

الخلية السرطانية

لم تترك الخلايا البشرية موضوع الخلود وشأنه، فكيف تفعل البكتيريا شيئًا لا يتمكن للبشر من فعله؟ ولكنها عندما أدلت بدولها في الخلود، وتحولت إلى خلايا كثيرة الانقسام، تحولت إلى خلية سرطانية. ففي الأحوال الطبيعية، يلتقط الجسد البشري أي محاولة للانقسام خارج النظام، ويقضي عليها في المهد. كما تقوم بعض الخلايا بعملية انتحار ممنهجة، للحفاظ على التوازن الخلوي. ولكن عندما حاولت خلية ما أن تكون خالدة، قضت على الإنسان تمامًا، في ما يُعرف بالطب الحديث بالسرطان.

كلمة الطب الحديث في الخلود

يتحدث الأديب جوزيه ساراماجو في روايته انقطاعات الموت ويفتتحها قائلًا: «في اليوم التالي لم يمت أحد.. » فعلى العكس من كل الروايات الديستوبية وأفلام نهاية العالم، والأوبئة أو الحروب والمجاعات، يطرح ساراماجو فكرة عبقرية نقيضة، ماذا لو كان هناك يوم لا يموت فيه أحد؟ إن هذا لأمر مربك على كافة الأصعدة، كيف لا يموت سائق القطار والركاب بعد انقلابه، ولا يموت المصابون بالأمراض والحالات الحرجة، كيف لا يموت على سرير العمليات أحد؟ فبينما يواجه الإنسان الموت والمرض عبر الطب الحديث، يطرح ساراماجو السؤال؛ هل الإنسان جاهز للخلود حقًا؟

حقق الطب تقدمًا في تشخيص وعلاج الأمراض، ومحاولة إنقاذ المصابين في الحوادث. ولكن ماذا عن الشيخوخة؟ يعمل الطب الحديث على تحقيق حالة الخلود عبر مقاومة نقيضها؛ الشيخوخة. إذ تحدث الشيخوخة بسبب تلف الحمض النووي الريبوزي (مكوّن الجينات) عبر تلف النهايات الكروموسومية المسؤولة عن خاصية الانقسام الخلوي، المعروفة بالتيلومير. ينشغل العلم بمحاولة إصلاح تلك التيلوميرات دون الوقوع في فخ التحول لخلية سرطانية. وتُبنى هذه العملية من خلال إنزيم يصلح التيلومير يسمى تيلوميراز. لكن هذا العمل لم يسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.

اقرأ أيضًا: أشخاص غريبو الأطوار قتلوا أنفسهم بحثاً عن أسطورة ينابيع الشباب والخلود !

الخلود فلسفيًا: التجليات والحيثيات

العيش في حديقة ويست ورلد أو لماذا يسعى الإنسان للخلود

يتحدث المسلسل الأمريكي ويست ورلد عن حديقة مصممة من الروبوتات، لا يمكنك التفريق بينها وبين البشر، إذ أنها صُممت بشكل بارع وبأعلى التكنولوجيا الممكنة لتحاكي البشر تمامًا، ويسمى كل منهم بالمضيف. والعنصر الثاني هو الزوار، وهم البشر أو الأثرياء الذين جاؤوا إلى الحديقة للعب والتسلية. وبهذه الخلفية الدرامية، يتناول المسلسل عددًا من القضايا الأعمق، ولعل أهمها في حوارنا الحديث عن الخلود والوعي والعلاقة بينهما.

يحلو للعلماء ولأرسطو وصف الإنسان بالحيوان العاقل، والعقل إن كان يعني كثيرًا من الدلالات، فإنه يعني من بينها الوعي. ربما يكون الإنسان الكائن الوحيد الفريد بوعيه؛ الوعي بالوجود والوعي بالفناء بصفتهما الركيزة الجوهرية لهذا الكائن. فالإنسان يعي أنه موجود، كما يقول الفيلسوف ديكارت «أنا أفكر إذًا أنا موجود». وهذا الوعي بالوجود يتداعى إلى الأخلاق والأملاك، والتفكير في الماضي والحاضر والمستقبل وصناعة الزمن بصورة عامة. كما أنه يعي فناءه، حتى لو تغاضى عن هذا الوعي مؤقتًا كما ذكرنا في أول المقال.

لقد كان هذا الوعي بالوجود والفناء محركًا لكثير من السلوكيات والرغبات البشرية. بدايةً من الإنجاب كرغبة واعية في الحفاظ على سلالة العائلة، والتوريث، والمنتجات الفنية للحفاظ على الروح في صورة مجردة وتخليد الذكرى، والأديان وخلود الروح في الآخرة. وصولًا إلى محاولة تخليد الوعي ذاته، كما طرح المسلسل. فإذا كان الروبوت جسدًا خالدًا لا يقهره الموت، فلماذا لا ننسخ الوعي في أجساد تشبه أجسادنا تمامًا، وبهذا نحقق الخلود المرجو؟

إمكانية الأخلاق في ظل انقطاعات الموت

ربما طرح ساراماجو في روايته هذا السؤال: هل يرغب الإنسان في الخلود حقًا؟ فلتتخيل معي أن البشر استيقظوا يومًا وكانوا خالدين، لا يقهرهم الموت، هل سيهتمون باتباع الأخلاق؟ حينئذ لا خوف من العقاب في الآخرة وقضاء الأبدية في الجحيم، ولا جنة ونعيم يرغب بها المتقون. تهدف الأخلاق في تحسين حياة المقهورين، والحفاظ على حقوق الآخر وإيثاره على النفس، تمنيًا في عالم أفضل في الدنيا، ونعيم في الآخرة. هذا وإلا ستتحول الدنيا إلى دار عذاب والآخرة إلى لهيب مستعر.

فبينما يعد الخلود بالتحرر التام، فكل شيء يمكن إصلاحه، والفرصة ستتحول إلى ملايين الفرص القابلة للتحقيق. ولكنه يثير عدة تساؤلات عن الرغبة الحقيقية للإنسان. وبينما ترتبط الأخلاق بالوعي بالموت والفناء، ونقرأ مصداق ذلك في القرآن الكريم «قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين»، تثير فكرة الخلود تصورات مرعبة عن رغبات لا محدودة، وأفعالًا بلا عواقب، حينئذ سيتحول العالم إلى حديقة ويست ورلد كبيرة، لا فرق فيها بين المضيف والزائر.

اقرأ أيضًا: أفضل مسلسلات HBO التي أحدثت ثورة في عالم الدراما

0

شاركنا رأيك حول "الخلود:بأبعاده الطبية والفلسفية: هل هو غاية كل إنسان؟"