0

”إنّ التعودّ يلتهمُ الأشياء، يتكررُ ما نراهُ فنستجيبَ له بشكلٍ تلقائيّ؛ وكأننا لا نراهُ، لا تستوقفنا التفاصيل المُعتادة كما استوقفتنا في المرةِ الأولى، نمضي وتمضي بنا الحياةُ وكأنها لا شيء“.. رضوى عاشور

الفشار، الشاميّة، البوشار، الماييس، الشوش أو القطانيا، كلها أسماءٌ للشيءِ ذاته؛ ذُرةٌ مُفرقعةٌ بفعلِ الحرارة، سريعةُ التحضير، رخيصة الثمن، وبالأكثرِ مناسبةٌ لكلّ الأوقاتِ. وقد كشفت الأبحاث أن الفُشار ليس مُجرد مُقبلاتٍ لذيذة بل يمتلكُ أيضًا فوائدَ صحيّة عدّة، فهو مصدرٌ غنيّ بالمعادِن والفيتامينات حيثُ يحتوي الفُشار على نسبٍ جيّدة من المعادِن الضروريّة لجسمِ الإنسان.

هل الفشار حقًا صحيّ؟

وعلى الرغمِ من صِغَر حجمِ تلك الحبّة إلا أنها تحتوي على المنجنيز، الفسفور، الزنك، الحديد، النحاس والبوتاسيوم؛ كل هذه العناصر مجتمعة داخلها. ولكن هذه الحبّة البيضاء الهشة لم تكتفِ بهذا فقط، فهي أيضًا تُعدّ مصدرًا غنيًا بالأليافِ ومُضادًا للأكسدة في ذاتِ الوقت. حيثُ تحتوي الحبّة الواحدة على نسبةٍ كبيرة من مُركبات الـ Polyphenols والتي تتركزُ على وجهِ الخصوص في القِشرة الخارجية. كما أنّ الفُشار يُساعد على الشعورِ بالامتلاءِ لأطولِ فترةٍ مُمكنة.

ولكِن مع كل هذا، لا زال السؤال مُعلقًا في الفراغِ، لماذا ارتبطَ الفُشار في عقولِنا جميعًا بصالاتِ السينما والأفلام؟ ولهذا، في مقالي اليوم سنقتحمُ معًا صالةِ السينما في مُنتصفِ الفيلم تمامًا، وسنزيحَ غُبارَ الغموضَ المُتراكِم فوق تلك العُلب الممتلئة بالفُشار والتي تتوسطُ أيادي كلّ من حولِنا.

متى ظهر الفشار لأول مرة؟

فوق رِمال الشاطئ الغربيّ لدولة بيرو وُلدَت أولى حبّات الفُشار وشقّت طريقها إلى العالم، وشكّل الفُشار من بعدِها الغذاء الرئيسيّ للهُنود الحُمر وكانوا يقومون بخلطِه مع الأعشابِ والتوابل حيث كانوا يستوطنون هذه المنطقة حينَها. فكانوا هم أول من ابتكر فكرة تحضير الفُشار من حبّات الذرة الذهبية عن طريقِ وضعِها على حجرٍ ساخنٍ ويُقدموه من بعدِ ذلك في أوانٍ فُخارية.

وقد تعرفّ الأوروبيون على تلك الحبّة البيضاء عندما قدمّها لهم الهُنود الحُمر ترحيبًا بهم عندما حطّت ترحالات المُستكشف كولومبوس فوقَ الأراضي الأمريكية، وكان ذلك في أوائل القرن السادس عشر وتحديدًا عام 1519. وأصبحَ الفـُشار منذ ذلك الحين أحد وسائل التسلية عند سُكان أوروبا المُهاجرين لأمريكا، ولكنه رغم ذلك فقد ظلّ محصورًا في نطاقٍ ضيقٍ مثل أي شيء جديدٍ، حيثُ يُحصَر في بادئ الأمر على كِبار الملوك ومن ثمّ يصل لأيدي عامة الشعب.

وقد وصل الفُشار بدورِه مع نهاية القرن التاسع عشر وأصبح في مُتناول الجميع، وحينَها قرر أن يتمرّدَ وذاع صيتُه وتصاعدت شعبيته في غضونِ عدّة أشهرٍ، والفضلُ كله يعودُ إلى السينما، فكان ينتفعُ بها وتنتفعُ به، ولكن من هو صاحبُ الفضلِ في إدخالِ الفُشار إلى عالمِ السينما؟

كريترز والفُشار

ومثلما قالت رضوى، فبعضُ الأشياءِ تقتحمُ حياتنا فجأة وتُصبح مع الوقتِ عاداتٍ مُتوارثة، دونَ أن نصل أبدًا للمعنى أو المغزى وراءها. وكأنها ضيفٌ قد قرر المكوثَ في بيتنا للأبد، فبتنا نحسبه من سُكان البيت الأصليّين، والفُشار كان أيضًا في يومٍ من الأيام ضيفًا ثقيلًا على السينما. والقصةُ كلها بدأت عندما كان الباعة الجوالون يواجهون صعوبة السيرِ بعرباتٍ مُحملّة بالفُشار مثلما كانوا يفعلون مع الحلوى لأن الفُشار يجب أن يُؤكَل ساخنًا. وهُنا، قرر تشارلز كريترز الولوجَ في الحِكاية وإضافةِ بعضِ التغيراتِ على فصولِها.

ففي عام 1885 قرر كريترز أن يأتي بمُحركِ بُخار وقام بتصميمٍ مبدأيّ لٱلةٍ معدنيّة صغيرة مُستلهمًا الفكرة بالكامل من آلةِ تحميصِ الفُستق. وفي نفسِ العام، حصل كريترز على براءةِ اختراع لأولِ مكنةٍ لصُنعِ الفُشار في التاريخ. وبعدها بعدّة سنوات، صمم كريترز عربةً مُلونة وقام بوضع آلته الجديدة فيها وشدّ رِحالَه نحوَ مهرجانٍ من أشهر المهرجانات التي أقيمَت حينَها في أمريكا؛ مهرجان شيكاغو الكولومبي.

وحينَها وجد تشارلز ما لم يكُن أبدًا ضمنَ توقعاته، فقد تشكل طابورٌ طويل أمام عربتِه المتواضعة، وجميعُهم بالطبع يُريدون تجربة الفُشار الطازج الجديد. وكان هذا المهرجان بمثابةِ قفزةٍ حقيقيّة في مسيرةِ تشارلز المهنيّة. ومعِ انتشارِ الكهرُباء، قرر تشارلز بناء معمل كامل لتصنيعِ الفُشار وقام بتبديلِ المُحرك البُخاريّ بآخرٍ كهربائيّ، وكان ذلك بالطبعِ بعد 20 مُحاولة باءت بالفشل.

وإلى يومِنا هذا، تُعدّ شركة Cretors من أشهر الشركات التي تحتكرُ مجالَ تصنيع الفُشار.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن اتباع نظام حياة يجنبنا السمنة؟

الفشار

الفشار يحتلّ ساحات السينما

في السنواتِ التي سبقت الحرب العالميّة الأولى، كان رُوّاد السينما يقتصرون على كِبار رجال الأعمالِ ومن هم ضمن الطبقةِ المخمليّة بشكلٍ عام، ومن توفرت لهم فُرصة التعليم ويرجعُ السبب في كونِ السينما حينَها صامتة. وفي نفسِ الوقتِ، كانت دور العرضِ تمنع دخول أي مأكولاتٍ أثناء عرض الأفلام حتى لا تسبب تشويشًا على المشاهدين.

وبعد انتهاءِ الحرب، وتحديدًا عامِ ١٩٢٧، تحولّت السينما من سينما صامتة إلى سينما ناطقة والتي كانت تميلُ إلى الفُكاهة والترفيه، وكان أشهرها أفلام تشارلي تشابلن. فكان من المتوقع أنه وبعد أربعة سنواتٍ مُتواصلة من الحروب أن تحدثَ أزمةً اقتصادية ضخمة في العالمِ كله، مما أدّى لارتفاعِ أسعار سلعٍ مثل السكر وانخفاضِ أسعار أخرى مثل الملحِ والذرة. وهُناك تمامًا، مُنحَ الفُشار تذكرته الذهبية لدخولِ عالم السينما.

فمن بعدِها، بدأ الباعة الجوالون ببيعِ الفُشار أمام دور العرضِ وخارج صالات السينما المُختلفة، وعلى الرغمِ من أنّ صالات السينما لم تكُن مُجهزةً لاستقبالِ آلات تصنيع الفُشار إلا أنّ إدارات السينمات فورَ أن لاحظت ذاك الإقبال الشديد على شِراء الفُشار حتى قررت في مُحاولةٍ منها لجذبِ عدد أكبر من الجمهورِ أن تسمح للمرةِ الأولى ببيعِ المأكولات والمشروبات داخل صالات السينما. كي يستطيعوا تعويضَ خسائرهم الفادحة التي تلت الحرب وقامت بشراءِ ماكنات تحضير الفشار ووضعها داخل قاعات السينما لتشجيع الناس على شِراء التذاكر مع شرائهم للفُشار.

ومنذ ذلك الحين اقترنت سيرة الفُشار بالسينما والأفلام، وبات هُناك أفلامٌ من المستحيل أن تُشاهدها دون أن تُمسك بين يديكَ حفنةً من الفُشار.

اقرأ أيضًا: أفضل الأطعمة التي تضمن تقوية جهازك المناعي وتنشيطه

يومٌ عالميّ للفشار؟

وفي التاسعِ عشر من يناير كل عام، يحتفلُ عُشاق الفشار والسينما معًا بيومِ الفُشار العالميّ، ومع اختلافِ البلدان وتنوع عاداتها وتقالديها، اختلفت أيضًا طريقة كلٍ منها في التعبير عن حبّها للفُشار. ففي اليابان، يحبون أن ينكهّوه بالعسلِ وتوابل الكاري أما في مُعظمِ دولِ أوروبا، فيُحبون إضافةِ الكراميل، ومن أوروبا إلى أفريقيا، نجدُهم في نيجيريا يُفضلون الاستمتاع به بنكهاتِ الفاكهة المُختلفة، وأخيرًا إذا عُدنا أدراجنا إلى آسيا من جديد، فإذ بالهندِ تُحبه ممتزجًا بالزبدة أو توابلها المميزة مثل جوز الهند الأحمر.

الفشار

وفي الختام، لا تنسوا أن تُخبرونا في التعليقات أي نكهةٍ تفضلونها لفشاركم؟

0

شاركنا رأيك حول "كيف قطع الفشار المسافة من البيرو إلى صالات السينما"