العمل السائل
0

رغم أنّ المقدمات مهمّةٌ أحيانًا لإيصال الفكرة العامة للقارئ وفق تسلسل بنّاء ولافتٍ للنظر، إلّا أنّ موضوع اليوم لا يحتاجُ لها: مجتمعنا الحديث يواجه مشكلةً عويصة نتجت عن سيطرة السّوق الرأسمالية المعتمدة على العمل السّائل بشكلٍ أساسيّ على جميع الميادين بعد أن كانت منحصرةً في الاقتصاد، واكتسبت ميزةَ الأخطبوط في احتواء أرجلها المتعدّدة لكلّ مجالات الحياة، فنجد أثر خطواتها في الثقافة، والمجتمع، والعلاقاتِ الإنسانية، وطبق العشاء، وحتى في الفضاء!

سقط بذلك إنسان المجال العام المحافظ على إنسانيّته وعلاقاته، وبدأت المبادئ والقيم الكبرى تنسحب عن الساحة شيئًا فشيئًا، وشكّلت دائرة التقاطع بين كلّ هذه المفاهيم: “العمل السائل، السوق الرأسمالية، الإنسانية” صدمةً حضارية جرّدت المرء من إنسانيته، وجعلت منه آلة إنتاج لا أكثر من ذلك ولا أقلّ.

ظلّ الإنسان باقيًا إلى الآن لأنّه من فرط جهله لم يكن قادرًا على تحقيق رغباته. والآن وقد بات قادرًا على تحقيقها عليه أن يبدلّها أو يهلك. – وليم كارلوس ويليامز.

اقرأ أيضًا: قهوة الذهب وهوس الاستعراض عند المشاهير و.. تساؤلات أخرى في المنتصف!

لماذا يكون العمل سائلًا من الأساس؟

لا يخلو أي موقع أو كتاب اقتصاد من تعريف الرأسمالية واقتصاد السوق؛ فتحرص الأولى على تنمية الملكية الفردية على حساب الملكيات العامة وخصخصة المؤسسات الصناعية سعيًا نحو الحرية، ويقوم اقتصاد السّوق على تقييم السّلعة وفقًا لمنفعتها ومنح الحريّة للأفراد في تسويقها وممارسة أيّ نشاط اقتصادي عبرها. هذا تعريفٌ متفق عليه بإمكان الجميع أن يجدوه في أوّل نتيجة لمحركات البحث، لكنّها صارت مظلّة ترضخ تحتها الحياةُ بأكملها عبر العديد من العوامل، من بينها: العمل السّائل.

هناك علاقةٌ عكسية تربط بين العمل السائل واقتصاد السّوق (أو الرأسمالية) والإنسانية: الرأسمالية = العمل السائل / الإنسانية. كلما زادت نسبة هذا العمل السّائل ارتفعت الرأسمالية على حساب الإنسانية. هذه بالضبط المعادلة التي صارت بطاقة هوية عالم ما بعد الحرب الباردة، أو نظام العولمة، النظام الذي يريد للعالم أن يكون نسخةً واحدةً عن صورةٍ واحدة؛ وأيّ وجهٍ لاختلاف أو تمسّك بالثقافة لا يصبّ في صالحه. لكن لماذا يكون العمل سائلًا من الأساس؟

لنعد بالزمن قليلًا إلى الوراء؛ إلى درس الفيزياء في مقاعد الدراسة، حينما تعلمنا بأنّ أشكال المادة ثلاث (هي في الحقيقة أكثر من ذلك): صلب، وسائل وغازيّ. كيف نفرّق الصلب عن السّائل؟ بتعريف بسيط جدًّا وعمليّ، يكون الجسم الصّلب محتفظًا بهيئته ولا يأخذ شكل الحيز الذي يوضع فيه، على عكس الجسم السّائل الذي يأخذ مباشرةً شكل هذا الحيّز. بإمكاننا أن نضع الماء في قارورة مستطيلة، كما بإمكاننا وضعه في إناء محدّب؛ الماء في الحالتين سيأخذ شكل الحيزين بكلّ سلاسة. هل وصلت الفكرة؟ السيولة هنا تعبيرٌ عن سرعة التغيّر الدائمة، عن سرعة التأقلم؛ فالجسم السائل لا علاقة له بالماضي، على عكس الجسم الصلب الذي يبقى متشبثًا بشكله في كلّ الظروف. السّائل يخبرنا بأنّ سرعة الاندماج مع القوالب المفروضة هي الحل، وهذا بالضبط ما يحدث الآن.

العمل السائل

العملُ سائلٌ إذن لأنّه أصبح غير محدّد بتوقيت أو مكان أو زمان، وصار مصطبغًا بفكرة التأقلم، والسرعة، وضرورة التغيّر، والعناية بالكمّ على حساب الكيف والجودة. وأصبح الأفراد بالمقابل أشبه بآلات إنتاج، لا نشاط خارجيّ لهم، لا وقت مع العائلة، لا فسحة للتأمل، لا مساحةَ للراحة، لا هدوء، لا اطمئنان، لا رضا: صخبٌ وراء صخبٍ وراء صخب.

ربما تختلف أنماطُ الحياةِ الحديثة في بضعٍ نواحٍ؛ لكنّها تتشابه تحديدًا في طبيعتها الهشةِ العابرة، وقابليتها للتغيّر الدّائم، وميلها إليه. – زيجمونت باومان، الحداثة السّائلة.

اقتصادُ السوق: الوجهُ الآخر للعبودية الحديثة

إنّ حقيقة قيام اقتصاد السّوق على تشجيع الإنتاج الدّائم ومواكبة روح العصر في كلّ المجالات جعلت من الأفراد وفقًا لذلك أشبه بعبيد؛ الوضع اليوم لا يختلف كثيرًا عن الوضع سابقًا، ففي القرن السابع عشر حينما توسّعت تجارة العبيد في المستعمرات الإنجليزية والفرنسية من أجل استغلالهم للعمل في مزارع السّكر الذي كان قد اكتشف حديثًا حينها، عمل العبيدُ الأفارقةُ ليل نهار تلبيةً لرغبة الإقطاعيين بأن يكون الإنتاج كثيرًا، وبالتالي مدرًّا لدخل كثير، حتّى أطلق مثلٌ شهير: “لا سكّر بدون عبيد” كما جاء في كتاب: “كيف غيّر السكّر العالم؟”. المثلُ في حدّ ذاته -بغض النظر عما أثبتته كتب التاريخ- يعطينا تصورًا بأنّ هؤلاء العبيد المساكين كان يتم استغلالهم بطريقة شنيعة، كأنّما هم آلة حرث.

العمل السائل

السيناريو ذاته يحدث الآن؛ لكن بطريقة عصرية أكثر، مع بذلة رسمية مثلًا، وكرفت. يدخل العامل إلى مكتبه صباحًا، ولا يخرج إلّا قبيل المغرب، يعود إلى المنزل متعبًا، يأكل عشاءه وينام، وهكذا دواليك. لا مساحة عنده من أجل زيارة أقاربه، أو الحديث مع أبنائه، أو المشي في حديقةٍ ما. لقد صار الأفراد بطريقة أو بأخرى عبيدًا للإنتاج، وبالتالي عبيدًا للاستهلاك. طيب سين سؤال: “لم كل هذا؟” الجواب سهل وبسيط: لطالما كانت الغايةُ الكبرى للمرء تحقيق السعادة، بمختلف الوسائل والطرق. أفراد الجيل الحديث يريدون الوصول إليها قصرًا عن طريق المال، ففي تصوّرهم: “Money, money, money = Happiness, happiness, happiness”.

يقومُ المجتمعُ الاستهلاكيّ على وعدٍ بإشباع الرغبات البشرية بما يفوق ما كان بإمكان المجتمعات الماضية كافةً أن تشبعهُ أو تحلم بإشباعه. – من كتاب الحياة السّائلة، ص 112

هذه نتيجةٌ من النتائج التي أورثتها أفكار الحداثة ومبادئ اقتصاد السّوق من قناعات، عن طريق تشجيع الأفراد على العمل دون توقف، وعلى التغير الدائم، وعلى الاستهلاك الدائم. ويبدو كلّ ذلك في غاية الخطورة بسبب عدم وجود خط نهائيّ نطمح إليه، فمحطّة الوصول غير مبنية أساسًا، ويبدو مسارُنا مجهولًا: تظهر كلّ يوم موضة جديدة، وبالتالي استهلاك وراء استهلاكٍ وراء استهلاك، وبالتالي إسرافٌ وتبذير، ثمّ ينتج عن كلّ ذلك فضلاتٌ ونفايات؛ فالهاتف الذي اقتنيناه اليوم صارَ بعد شهرٍ في زمرةِ الإصداراتِ القديمة، ولا بدّ من الحصول على إصدار جديد، كيف ذلك؟ عن طريق الزيادة في وتيرة العمل، في وتيرة الإنتاج، في حجم الدخل، وفي سرعة هذا الفرد الذي أصبح آلة. وهكذا دواليك، يتكرر الأمر دون توقف مثل الحلقة المغلقة، ومن دون أيّ سقف محدّد. المرءُ يدفع إنسانيته وحريته ثمنًا من أجل سعادةٍ مؤقتة، موجزة، ينتهي سحرها بمجرّد انتهاء صلاحية مسببها.

اقرأ أيضًا: إنسان منتهي الصلاحية

كيف جرّدنا العمل السائل من إنسانيتنا؟

مشكلة اقتصاد السوق، والعمل السائل الناتجين عن الحداثة ونظام العولمة هي صناعةُ إنسان جديد لا يشبه الإنسان في شيء، من خلال “تسليع” كلّ ما يخصّه ويحيط به، ليصبح كلّ ما حولنا مادةً استهلاكيةً بحتة، لا وجود للقيم، ولا لعناصر التفرّد في الثقافة، ولا للمشاعر الصّادقة، ولا للوفاء لأيّ شيء قديم (ولو حتى قِدم عام أو عامين) أو له علاقةٌ بالماضي؛ فالوفيّ في هذا العصر شخصٌ منتهي الصلاحية، منبوذ، يبعث على الخجل، لا الفخر.

بدأ تجردنا من إنسانيتنا عندما صرنا كالمجانين نجري وراء العمل وكسب المال بأيّ ثمنٍ من الأثمان، من دون توقف. وهذا الأمر أشبه بمن يحاول أن يملأ دلوًا مثقوبًا بالماء، ويرفض أن يقتنع بأنّه لن يمتلئ أبدًا، ولو طارت المعزة، ولو انفجرت النجوم. ثمّ امتدّ مع امتداد آثار الحداثة السلبية على كلّ المجالات، من خلال دورها في الحطّ من قيمة أيّ “قيّم” والتشجيع على التغيّر، وقصر العلاقات الإنسانية وقيامها على المنفعة، القولبة، والاستهزاء بالعادات والأمور المعنوية، التسليع، والاستهلاك، والمادية.

كلّ ما هو مُقدّسٌ يُدنس. – ماركس وانغلز

ومن بين مظاهر التداعيات السلبية لاقتصاد السوق وروافده على المجتمعات:

  • انتهاك الخصوصية: فالحياة الحديثة تشجّع الجميع على الاستعراض، وإخبار الآخرين بكل ما يحدث في حياتهم الشخصية، وبأدق تفاصيل ذلك، حتى صار البعض مهووسًا بعمل تقارير عن أموره الخاصّة، وأسراره. وسائل التواصل الاجتماعية مثلًا جعلت الكلّ يعرف بما يحدث في منازل الكلّ، الجميع يصرخون بصوت عالٍ: “تعالوا أنا هنا، من يريد أن يعرف بما يجري في منزلي؟ تعالوا لتروا كيف أنّ زوجي يحبني كثيرًا، وولدي مطيع، وابنتي ذكية”. لقد تلاشت المساحة الخاصة للفرد شيئًا فشيئًا لتصبح أشبه بمعرض استعراض. فكرة انتهاك الخصوصية امتدّت حتى إلى الهندسة الداخلية للمنازل، فالملاحظ للهندسة الحديثة مثلًا يجدها ورغم انسيابها تفتح الحجرات بعضها على بعض، فالمطبخ متداخل في قاعة الضيوف، والبهو يمرّ عليهما معًا. بإمكان الجالس في المطبخ أن يرى بكلّ سهولة ما يفعله الجالس في غرفة الضيوف. عندما أردنا تغيير هندسة منزلنا قبل عام، بذلتُ جهدًا كبيرًا لأقنع أمي بألا تهدم الجدران التي كانت تفصل بين الغرفة والمطبخ، وبأنّ ذلك يزيل الكثير من الخصوصية، وغير منطقي بتاتًا. أمي لم تكترث لكون ذلك غير منطقيّ، كلّ ما كان يهمها أنّه على الطراز الحديث وغير ذلك سيان.
  • علاقاتٌ أكثر، علاقاتٌ أقصر: إنسان العالم الحديث المجرّد من إنسانيته مولعٌ بالكثرة: كثرة الملابس، والأطعمة، وساعات اليد وكثرة العلاقات، تلتمع عيناه فرحًا بالكمّ، بغض النظر عن جودته. فكرة “القرية الصغيرة” التي جاءت بسبب نظام العولمة جعلت من المرء صديقًا للجميع: طلبات الصداقة في الفيس بوك لا تنتهي، والمحادثات كذلك. بالمقابل، طول عدد ساعات العمل وأيامه جعل من المستحيل على المرء أن يحافظ على طول مدة هذه العلاقات؛ فهو يجد مشكلة في التواصل مع أقرب أقربائه، زوجته وأولاده، فكيف بغيرهم؟ لم تصبح العلاقات قصيرة فحسب، بل أصبحت هشةً تحكمها المنفعة. حتى العلاقات الرومانسية التي كان من المفترض أن تكون قائمة على تشارك الآراء، والمحبة، صارت استهلاكية تسليعية بحتة تبحث المرأة فيها عمن يمكن أن يجعل من صورتهما التي سيعرضانها على الفيس بوك جميلة، ويبحث الرجل عن امرأة عاملة لديها دخل ثابت، حتى يقتسم معها فواتير المنزل آخر الشهر. بل حتى فعل الجنس قصير المدة الذي يمكن أن يجمع امرأة ورجلًا لم يسبق لهما أن التقيا مطلقًا صار يسمى بممارسة الحب – making love. أيّ حبٍ هذا؟
  • السرعة: في هذه الحياة التي جاءت كنتيجة للعمل السائل واقتصاد السوق، لكلّ شيء تاريخ نهاية صلاحية، وبالتالي يجب على المرء أن يجري بكلّ قوته تجنبًا لسلة المهملات.
  • ذوبان الثقافات: العروس الموجودة في الأردن، هي نفسها الموجودة في ألمانيا، هي نفسها الموجودة في جنوب إفريقيا: جميعهن يحتفلن بعرسهن في الفستان الأبيض. من قال بأنّ هذا التقليد يجب أن يكون ساري المفعول في جميع الدول؟ طيب ما الذي يفرق العرس الألماني، عن الأردني عن الجنوب إفريقيّ إذًا؟ هذا مثال عن الآثار السلبية لنظام العولمة الذي حاول أن يقضي على الثقافات، يريد من الجميع أن يكونوا وجوهًا لعملة واحدة: أن يرتدوا الجينز، ويتحدثوا باللغة الانجليزية، ويشاهدوا أفلام هوليوود. تجرّد المرء من ثقافته هو تجرّد من إنسانيته، لأن الفطرة تقول بأنّ المرء ابن بيئته.

منذ القرن الثامن عشر، يريد الغرب أن يفرض على العالم النّظريةَ القائلةَ بأنّ الحضارة واحدة قائلًا بأنّ كل من يريدُ أن يصير متحضرًّا عليه أن يستهلك الحضارةَ التي نصنعها وإذا أراد أن يرفضها فليضلّ وحشيًّا وبدائيًّا. والثقافة أيضًا ثقافة واحدة هي ثقافة الغرب، وعلى كلّ من يريد أن صاحب ثقافة في القرن 20 أن يشتري الثقافة من الغرب كما يشتري البضائع من الغرب. – علي شريعتي، كتاب العودة إلى الذات، ص 36

هذا الإصرار الكبير على إذابة كل الثقافات بعضها في بعض، من خلال تصرفات أفرادها سيؤدي حتمًا إلى نتيجة غير محمودة العواقب، وإلى تدمير معالم كلّ ثقافة، والقضاء على كلّ خصوصية تتمتع بها. يقول أرنولد توينبي – Toynbee Arnold: “الحضارةُ تموتُ بالانتحار، لا بالقتل”.

في كتاب “نظام التفاهة” يختم الدكتور آلان دونو فصله الأخير بقوله:

تجاوز أساليب السّيطرة التي تمارسها المنظمات، وحَاول خلق بنى تشبهنا… كُن راديكاليًّا!

وبدوري، أستعير هذا القول منه لأجعله خاتمةً للمقال. قف في وجه هذه السيولة التي جردتنا من إنسانيتنا: كُن راديكاليًّا.

اقرأ أيضًا: الرأسمالية: بعد أن حولت الشيوعية إلى أضحوكة وأصبحت قيمة العمل في جني المال!

0

شاركنا رأيك حول "العمل السائل واقتصاد السوق: واقعٌ مريرٌ جرّدنا من إنسانيتنا ووجه مائع لعبودية حديثة"