موجز تاريخ الفشل
0

هل تساءلتم يوماً حول جدوى وجودنا في الحياة؟

هل فكرتم بحجم الدمار الذي سببه الإنسان منذ وجوده؟

كيف نستطيع إطلاق المديح على أنفسنا في واقع تسببنا في تخريبه؟

في كتابه “البشر : موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كل شيء” يحاول توم فيلبس أن يقدم وجهة نظر مغايرة للكثير من المؤلفات والكتب التي قدمها الإنسان عبر تاريخه الطويل، تنطلق وجهة النظر هذه مما فعله الإنسان حقاً، فقد اعتاد التاريخ على اعتبار الإنسان سبباً في التطور والحضارة، وسارع الكتاب والمؤلفون للحديث عن الأبطال ومنجزاتهم، محولين القتل والتدمير إلى بطولاتٍ وانتصاراتٍ يكتب عنها ويتغنى بها الشعراء.

اقرأ أيضًا: من العبودية إلى الرأسمالية الحديثة: رحلة تطور النظام الاقتصادي الأكثر شيوعًا في العالم

اللعنة ماذا فعلنا؟

يستهل فيلبس كتاب موجز تاريخ الفشل بهذا التساؤل، ليتحدث ضمن عشرة فصول يبدأها بالحديث عن سبب حماقة التفكير لدى البشر، التي تتبلور في غطرسته وقدرته العجيبة على تحوير الحقائق بما يتناسب مع قصته التي يريد نشرها، والتي تبدأ حسب وجهة نظرنا نحن البشر من قدرتنا المتميزة على التفكير دوناً عن باقي الكائنات الحية، فالتفكير يدفعنا للإبداع والإنجاز، ولكنه من جانب آخر يودي بنا إلى الفشل.

يتابع بعدها كاتبنا للحديث عن البيئة التي نعيش ضمنها، وعن صراع الإنسان للبقاء ضمن واقع يتبع فيه للقائد، واقع الحروب والاقتتال، واقع يتحول فيه الإنسان إما إلى مستعمرٍ قاتل، وإما إلى منصاع ومنقاد يعيش تحت نير الاستعمار، فتبدو الديمقراطية مجرد كذبةٍ نستعملها كي نؤنسن حياتنا ونقنع ذواتنا بأن ثمة أملٌ من الإنسان، ذلك الإنسانُ الذي أبدع التكنولوجيا ليحسّن الحياة ولكنه سيكون سبباً في تدمير المستقبل.

متى بدأنا بإفساد كل شيء؟

يعتبر فيلبس أننا بدأنا بإفساد كل شيء من اللحظة التي اعتقدنا فيها أننا مميزون، وأن التفكير يجعلنا نرتقي عن غيرنا، فنحن نستطيع اختراع الأدوات التي تحسن من حياتنا، وتجعلنا نجابه الطبيعة على حد تعبير التاريخ، فمجابهة صعاب الطبيعة كان السبب الأول الذي دفع الإنسان ليستخدم التفكير ويبدع في اختراع كل ما جعل الحضارات تتكون.

هذا يضعنا أمام حقيقة هامة، تقول: إن قدرتنا على التفكير والتي تميزنا عن باقي الكائنات هي التي تسببت وفي كثير من الأحيان بفشلنا الذريع، فمحاولات ترويضنا للطبيعة، وجهدنا المبذول لإعادة تشكيل العالم كما نرغب، جعلنا نرتكب أكثر الفظاعات من قتل وتدمير وتشريد لأبناء جلدتنا.

من جانب آخر يبين أن نزعة الإنسان للانحياز لآرائه أمرٌ غاية في الخطورة، لأن ذلك سيدفعنا إلى فعل المستحيل كي نثبت وجهات نظرنا، ويبدو هذا جلياً في مواقفنا السياسية، فمن يؤمن بنظرية المؤامرة سيحاول جاهداً كي يثبت وجهة نظره مهما كان السبل والطرق، ومن يقف على النقيض نراه يحاول تقديم كافة الدلائل لتكون فكرته هي الأصح.

اقرأ أيضًا: نوبل للسلام 2021: تذهب للشرط المسبق للديمقراطية والسلام هذا العام!

الجشع والأنانية… منبع مصائب الإنسان

تؤدي رغبتنا المستمرة للحصول على الأشياء والمكاسب بكافة أشكالها لوقوعنا في أخطاء قاتلة، فقد كان الإنسان قديماً يصطاد لكي يحصل على طعامه، ولكنه مع الوقت بدأ يصطاد للمتعة فقط، وليظهر قوته وقدرته، وهذا طبعاً دفعه للصيد الجائر الذي تسبب ويتسبب بنقص مواد الطبيعة ويؤثر على استمرارية الحياة.

هذا الجشع جعل الراغبين بالحصول على مكاسب إضافية يفعلون كل شيء، فمالك المصنع لا تعنيه النفايات التي ترمى في الأنهار والبحار، والمستعمر يقتل ليوسّع رقعة الأرض التي يمتلكها، والمخترع يسعى جهده ليصنع أداة تخدم الإنسان من جانب ولكنها تسبب بطالة لآلاف البشر من جانب آخر، إنها أنانية الإنسان الذي يرغب أن يُحكى عنه، ويُكتب عنه، وتذكر أمجاده.

عصر الزراعة عصر تقسيم الثروات بشكل غير عادل

الزراعة ذلك الفعل النبيل الذي جعل الإنسان يحصل على أمنه الغذائي، مما دفعه إلى إنجاب المزيد من الأطفال للقيام بأعمال الزراعة من جهة، وتحت مبرر أنه من الممكن تأمين طعامهم دون الخوف من حصول المجاعات.

مع ذلك حصلت المجاعات وانتشر الجوع، فالإنسان لم يحسب في البداية أن الزراعة وإن كانت إيجابية من جانب، إلا أنها ستتسبب بتغيرات في طبيعة الترب وتكويناتها، وأن الطبيعة لن تعطي دائماً الأمطار فبعض الزراعات ستنتهي، وبعضها سيصاب بالأمراض، والإنسان طبعاً حاول إيجاد حلول لذلك.

هنا بدأ الإنسان بالتملك الحقيقي للأرض، واستطاع الأقوى أن يتملك أرضاً أكبر، وازداد طمعه في الملكية حتى بات بعض الناس يعملون في الأرض بقوت يومهم، وبعضهم يحصل على منتجات الأرض بكل راحة، فزادت نقمة الإنسان على شريكه في الطبيعة.

تدجين الحيوانات خطوتنا لنكون أسياد الطبيعة

يحدثنا فيليبس في موجز تاريخ الفشل عن توماس أوستن؛ المواطن البريطاني الذي قرر أن يستقر في أستراليا في العام 1859م محاولاً بناء حياة زراعية ريفية مستقرة، فقام بنقل عدد كبير من الأرانب البريطانية إلى أستراليا، كمحاولة منه في تحسين موسم الصيد وتحت حجة أن الأرانب لن تؤذي الطبيعة الجديدة.

موجز تاريخ الفشل

بدأت الأرانب بالتوالد، فالمعروف عنها أنها تتكاثر بشكلٍ كبير، وهذا جعل التوازن البيئي في المنطقة يتأثر، فالأرانب تأكل كل شيء أمامها وليس لديها عدو طبيعي في المنطقة الجديدة إلا الصيد، والذي لم يكفِ لتقليل أعدادها، مما أدى لتأثر المزروعات والمياه، ولم يتوقف الأمر عند قصة الأرانب فهناك سمكة الأفعى الشمالية المفترسة التي تم نقلها من بيئتها الأصلية إلى أمريكا وغيرها.

في النتيجة محاولتنا لنكون أسياداً للطبيعة جعلت الطبيعة ذاتها تتأثر وتتضرر، وليس فقط الطبيعة فنحن أنفسنا تعرضنا للضرر وتسببنا لأنفسنا بنتائج كنا وما زلنا نحصد نتائجها يومياً.

مهمة اتخاذ القرارات لشخص واحد

يتساءل فيليبس: هل سبقت الحروب نشوء القيادة الفردية أم العكس؟

يبدو الجواب واضحاً: ليس مهماً لمن الأسبقية، إنما المهم هو أن القيادة والحروب عاملان مترافقان دوماً، يضاف إليهما العنف الذي يجب أن يزين الاستيلاء على السلطة.

في واقع كهذا تصبح الحروب خبزنا اليومي، ويغدو التغني بالعنف دليلاً على القوة والعظمة، فقصص الملوك والأمراء وعظمتهم تظهر بوضوح ما فعلوه، وكيف وصلوا لسدة الحكم، وصنوف العنف التي مارسوها، ومع ذلك نجد من ينادي بتمجيدهم، ويذكرهم على أنهم أبطال!

الديمقراطية حماس الناس البسطاء

يعتقد الناس أن الديمقراطية ستمنحهم السلطة، وهذا يدفعهم للدفاع عنها ومحاولة تحقيقها، فينساقون إلى ممارسة الديكتاتورية بهدف تطبيق الديمقراطية التي تفقد معناها، وليس في التاريخ مثال أقوى من ديمقراطية هتلر الذي تحول إلى أكبر كابوس من الديكتاتورية.

كابوس السلطة يكفي كي يعيد الإنسان النظر بالحياة، ويقول لنفسه: تباً ماذا فعلنا؟ وكيف خربنا كل شيء.

البشر يعشقون الحروب

منذ البداية ومع قابيل وهابيل نشأت حرب أدت لمقتل أحد الأخوين، ومنذ تلك اللحظة وحتى يومنا لم تتوقف الحروب، سواء الفردية منها أو الجماعية، سلسلة لم تنتهِ لأسباب أغلبها كان بحثاً عن السلطة والمجد، أو لأسباب تافهة حملت في باطنها حقيقة الرغبة بالسيطرة، كحرب الدلو عام 1325م والتي نشبت بين مدينتي مودينا وبولونا لأن جنود مودينا سرقوا دلواً من بئر في بولونا.

تارةً استعمار … وتارةً فتوحات

القتلى ينتشرون في كل مكان، تارةً هم أبطال يدافعون ويموتون بشرف، وتارةً هم مجرمون، وفي كلتا الحالتين يموتون في سبيل أفكار وضعها الإنسان نفسه، وهاجم من أجلها.

المشكلة الأساسية تكمن في تعريف الأشياء، فالحروب هي فتوحات عندما نتغنى بالأمجاد، وهي استعمار مقيت عندما نكون في طرف المعادلة الخاسر، وتلك أيضاً سياسة تتغير تحت طائل الضرورات، وخير مثال على ذلك ما نسميه اليوم باستكشاف كولومبوس، والذي كتب التاريخ عنه على أنه عمل عظيم، متناسين المجازر التي ارتكبها في حق الشعوب الأصلية لتلك المناطق التي دخل إليها.

التطور العلمي… نقمة أم نعمة

حاول الإنسان منذ القدم أن يطور حياته، وفي كل محاولة كان يقدم للإنسان إنجازات عظيمة ساعدته على تحسين حياته بكافة مجالاتها، ولكن وبالرغم من ذلك فقد ارتكب العلماء أخطاء كبيرة جداً أثرت على حياتهم وحياة من حولهم.

لقد قادت رغبة العلماء إلى الاستكشاف واحتلال موقع الصدارة لارتكاب حماقات لا يمكن تجاهلها، فها هو العالم جيسي وليام لازير وكي لا يترك مجالاً للشك بأن الحمى الصفراء مرض وبائي ينقله البعوض، سمح لبعوضة حاملة للمرض بقرصه مما تسبب له بالموت بعد أن أثبت نظريته.

في النهاية لا بد لنا أن نعترف بعد كل ما سبق أن الإنسان يتمتع بقصر النظر كما يرى فيليبس، فهو ينسى دائماً أن أفعاله مهما كانت عظيمة فهي تحمل على الطرف الآخر نتائج فظيعة، ويعتقد مخطئاً أن اختراعه سيجعل العالم مكاناً أفضل وربما أن الناس ستنسى سوء ما قام به إن قدم بعض الشعارات الإنسانية، وربما يكون ما فعله ألفريد نوبل مخترع الديناميت خير دليل على ذلك، عندما اعتبر أن اختراعه هذا سينهي الحروب بين الدول كي لا تتورط باستخدام الديناميت، ولكنه كان مخطئاً، فحتى القنبلة النووية لم تستطع أن تضع حداً للحروب بين الدول، وما حدث في الحرب العالمية الثانية من تفجير مدينتي هيروشيما وناغازاكي خير دليل على ذلك.

أخيراً… يبقى كل قلناه حول موجز تاريخ الفشل وجهة نظر تعبّر عن مخاوف يبنيها الإنسان نتيجة لكل ما يحصل في عالمنا المعاصر، وربما تكون تلك المخاوف مفيدة كي لا يصم الإنسان أذنيه عن حقائق قد تودي إلى تدمير المستقبل، وربما نتعلم من تاريخنا، فلا نسقط.

فما رأيكم؟

اقرأ أيضًا: الرأي والرأي الآخر .. في مجتمعـاتنا العربية

0

شاركنا رأيك حول "البشر: موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كل شيء للكاتب توم فيليبس.. عن القدرة التخريبية لبني البشر"