الصراصير
0

في الحقيقة تبدو فكرة الإجماع على شيء ما هي فكرة نادرة الحدوث وخاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص من مختلف بقاع العالم، وإذا سُئلت سؤالًا عامًّا وبسيطًا: هل تحب الصراصير؟ فإني أوكد لكم أننا جميعًا سنتفق على بغض هذا الكائن المقزز باعتباره تجسيدًا فيزيائيًا للقذارة والجراثيم. 😣

بالرغم من وجود الكثير من الحشرات الأخرى والتي ربما لا تقل قباحةً عنه، لكن لا يزال الصرصور قادرًا على رسم ملامح القرف على وجوهنا بمجرد ذكر اسمه مهما اختلفت لغاتنا وجنسياتنا وخلفياتنا الثقافية، وبالنسبة لي فإن الصرصور ليس مجرد حشرة غير لطيفة وحسب، وإنما بوابة نفسية لقائمة كبيرة من الذكريات البشعة التي لا تزال تطاردني في كوابيسي، ولطالما كانت تلك البقعة البنية المتحركة سببًا في إيقاف عطلتي أو منع دخولي إلى منزلٍ أو حديقةٍ ما، وأراهن على أن معظمكم يوافقني الرأي، فما سر هذا الكائن الغريب؟

اقرأ أيضًا: مخلوقات يمكنها النجاة من نهاية العالم

الحشرة التي بُرمجنا على الخوف منها

بالنظر لما نعرفه عن الصرصور اليوم فمن الغريب (منطقيًا) الخوف من هذه الحشرة مع وجود كائنات مثل البعوض أو البراغيث أو القراد والتي تصنف كمصاصي دماء، فنحن لا نهرب عندما نرى بعوضة تحاول قرصنا وسحب دمائنا بالرغم من أنها قادرة على نقل أمراض أكثر فتكًا مثل الملاريا والحمى الصفراء، فكيف ولدنا مع هذا الخوف المبالغ فيه من الصرصور؟

تقول عالمة الحشرات ديني ميللر إن هذه الكائنات انتقلت للعيش مع البشر في إفريقيا عندما بدأ الناس بتخزين الطعام والعيش في أماكن مسقوفة ودافئة، ومنذ ذلك الحين وهي تتبعنا وتتطور معنا، وإذا عدنا بالزمن أكثر سنجد الحضارة المصرية تعاني من مشاكل متعلقة بهجمات الصراصير، حيث عُثر على كتاب يعود لأكثر من 3000 عام يحتوي على تعويذة لاستحضار الإله خنوم (برأس كبش) من أجل إبعادها عن منازلهم.

وفي روما القديمة تم تصنيفها كآفات عالمية انتشرت بين القارات عبر السفن بالرغم من محاولات البحارة القضاء عليها باستخدام الكبريت ومصائد الدبس والسكر. ثم بدأ ظهور المبيدات الحشرية والبخاخات الكيميائية مع بداية القرن العشرين لكنها لم تكن ذات فائدة واضحة سوى بإبعادها لفترات قليلة، وحتى المناطق الحضرية والغنية لم تسلم من هذا الغزو المقرف، يقول جيف لوكوود أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة وايومنغ “لقد اكتشفت هذه الكائنات كيفية استغلال الفرص التي نخلقها وطورت سلوكيات تمنعنا من السيطرة عليها”، بمعنى آخر فإن وجودنا ذاته يساهم في تكاثرها وازدهارها.

اقرأ أيضًا: حقائق علمية ومعلومات شيّقة لا تعرفها عن الصرصور !

هل سترث الصراصير عالمنا؟

صرصور

زاد هلع البشرية من هذا الكائن عندما اكتشف العلماء أنه قادر على تطوير نفسه ضد بعض أنواع السموم أو المبيدات خلال زمن قصير نسبيًا لا يتجاوز الـ 10 سنوات، وهذا ما حدث بالفعل مع مجموعة من العلماء حين قاموا بإنتاج مادة كيميائية قاتلة تدعى دي.دي.تي ووصفت كقاتل نهائي للصراصير، لكن بعد 10 سنوات من هذا الإنجاز الهام وُجِدت مجموعة من الصراصير تسبح في حوض من هذه المواد دون أن تتأثر بها، وهذا ما زاد اليقين بأننا نتعامل مع كائنات أعقد بكثير مما نتخيل.

لا زلت أذكر فيلم ديزني الشهير Wall-E الذي يصور أرضًا مستقبلية مملوءة بالقمامة وخالية من أي نوع من أنواع الحياة ما عدا صرصور صغير يدعى Pixar، صديق الرجل الآلي (والي) حيث يبحثان جاهدين عن بذرة حياة على هذا الكوكب، فكيف توصلنا إلى الاعتقاد بأن الصراصير ستعيش أكثر من أي شيء آخر على الأرض؟

بدأت هذه التكهنات عندما لاحظ الصحفي ريتشارد شويد أن الصراصير نجت بالفعل من انفجارات هيروشيما وناغازاكي، وظهر مقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز عام 1968 جاء فيه: “في حال حدثت حرب نووية في هذا العالم فلن ينتصر فيها الأمريكيون، أو الروس، أو الصينيون، بل سيكون الفائز في هذه الحرب الثالثة الصرصور بلا منازع”.

في الحقيقة فإن نجاة الصرصور لم تكن مجرد دعابة، بل كانت تعتمد على أساس علمي باعتبارها من أكثر الكائنات مقاومة للإشعاع، فتصميمها يسمح لها بالنجاة في الظروف العصيبة، وتعتبر كائنات حية بسيطة نسبيًا مع عدد قليل من الجينات التي من الممكن أن تتطور إلى طفرات، وبطبيعة الحال فإن خلاياها تنقسم بشكل أبطأ من خلايا الإنسان مما يعطيها الوقت الكافي لإصلاح المشكلات التي يسببها الإشعاع، وهي قادرة على تحمل إشعاعات تفوق 10 أضعاف قدرة تحمل الإنسان، وهذا ما أعطى العلماء وميضًا لفكرة اختراع بدلات مضادة للإشعاعات النووية من قشرة الصرصور باعتبارها كائنات مجهزة بشكل أفضل للتعامل مع هذا النوع من الأشعة.

يبدو أن هذا الكائن عرف كيف يتدبر أمره في الأوقات الصعبة ويعتبر ناجٍ أسطوري على مر العصور، حيث وجد الباحثون آثارها في أحافير تعود لـ 300 مليون سنة مضت، وهي فترة سبقت وجود الديناصورات بـ 70 مليون سنة، كما أنها تتحمل درجات حرارة تصل إلى 32 درجة فهرنهايت، لذلك وفي المرة القادمة التي تفكر فيها بقتل هذه الحشرة لا تنسَ ضعف جيناتك أمامها، ومن يعرف! قد تكون هذه الحشرة تنظر إليك على أنك كائن فانٍ وتنتظر الفرصة المناسبة للسيطرة على هذا الكوكب كما فعلت أسلافها من قبل.

الصراصير: حشرات غير قابلة للتدمير

تغزو الصراصير مطابخنا وتجعلها مستعمرة لها، بغض النظر عن استعمالك لكل أنواع المبيدات والمنظفات، فإنها دائمًا ما تجد طريقها إلى منزلك. حتى لو لم تستطع رؤيتها بشكل مباشر، فإن هياكلها أو بيوضها هي ما تفضح وجودها، قد تقتل المواد الكيميائية 99 من أصل 100 صرصور، لكن هذا الصرصور الباقي قادر على التكاثر وتعويض النقص في فترة قياسية.

وحتى اليوم يعتبر الصرصور الألماني من أكثر أنواع الصراصير انتشارًا وأكثرها مرونة وتكيفًا مع البيئات، على عكس ابن عمه الصرصور الأمريكي؛ فالأول يعتبر كائنًا مستأنسًا ويفضل العيش بالقرب من البشر، بينما يميل الصرصور الأمريكي للعيش في البيئات المفتوحة والهواء الطلق.

تقول عالمة الحشرات ميللر “تطورت الصراصير الألمانية للعيش مع البشر، وانتقلت من الكهوف إلى المستعمرات الزراعية واسكتشفت العالم على متن السفن والطائرات، في الحقيقة لقد رافقتنا منذ البداية”، كما أنها طورت سلاحًا جينيًّا على مدى ملايين السنين يقاوم السموم والمبيدات، وفي دراسة أجريت عام 2018 وجد الباحثون أن الصراصير الألمانية تمكنت من تطوير جينومها المسؤول عن إزالة السموم وأصبحت مناسبة أكثر للعيش في الأماكن القذرة مثل المجاري، وهذا كله بفضل بروتين يصنع في أجسادها يسمى P450 يعمل على تحييد السموم وتجنب التهديدات الكيميائية.

اقرأ أيضًا: صغيرة جدًّا لكنها قاتلة: أبرز فصول الحرب بين الفيروسات والبشر

لماذا لا يمكننا القضاء على الصراصير؟

يمتلك الصرصور ميزات كثيرة وخصائص تميزه عن باقي الحشرات، فالبرغم من أنه مصدر خوف واشمئزاز، إلا أن هذا لا يلغي تفوقها عبر ملايين السنين وفوزها على الديناصورات في حرب البقاء، إليك بعض الحقائق الصادمة عن هذه الكائنات الأسطورية:

  • يمكن أن يعيش الصرصور بدون رأس لمدة شهر: تخيل أن هذه الحشرات لا تتنفس باستخدام فمها أو رأسها بل من ثقوب صغيرة في كل جزء من جسدها، وتمتلك نظام دورة دموية مفتوحة، وللمفارقة المضحكة فإن الصرصور يموت فقط بسبب العطش خلال هذا الشهر.
  • يستطيع حبس أنفاسه لمدة 40 دقيقة: وهذا ما يجعله سباحًا ماهرًا في المجارير.
  • يستطيع قطع مسافات تصل حتى 3 أميال في الساعة: بالرغم من ذهولي من هذه القدرة الرياضية الخارقة إلا أن هذا يعني قدرة أكبر على نشر الجراثيم والبكتيريا على نطاق واسع.
  • تبلغ الصراصير الألمانية خلال 36 يومًا: وهذا يعني قدرة أسرع على التكاثر والانتشار.
  • يمكن أن يعيش شهرًا بدون طعام، وتتحمل درجات حرارة تصل حتى 30 فهرنهايت.
0

شاركنا رأيك حول "هل سترث الصراصير الأرض من بعدنا؟"