في رحلة بحثنا عن الطاقة البديلة، وجهنا أنظارنا نحو الشمس والرياح وحتى حركة المياه، لكن ماذا عما يوجد تحت أقدامنا؟ نعني الطاقة الحرارية الأرضية Geothermal Energy التي تنشأ داخل الأرض؟ هل يمكن لتلك الحرارة أن تصبح مصدر طاقةٍ دائم ومتجدد ونظيف يستغله البشر من أجل توليد الكهرباء أو التدفئة؟

مصدر الطاقة الحرارية الأرضية

تكون درجات الحرارة تحت طبقة القشرة الأرضية مرتفعةً للغاية، مصدر هذه الحرارة هو الاحتكاك الناجم عن دوران الأرض حول نفسها والضغط الكبير الناجم عن الجاذبية. بالإضافة إلى تحلل النظائر المشعة.

القشرة الأرضية هي الطبقة الصخرية التي تعيش عليها كل الكائنات الحية، يبلغ سمكها في المتوسط حوالي 40 كيلومترًا (25 ميلًا)، أي أنها تشكل 1٪ فقط من سماكة طبقات الأرض.

أسفل القشرة، تكون الصخور منصهرة بسبب درجات الحرارة العالية، هذه الصخور يمكن أن تندفع إلى الأعلى بسبب الضغط الكبير مما يؤدي إلى ثوران البراكين واندفاع الصهارة إلى السطح.

يتطلب استغلال الطاقة الحرارية الأرضية الوصول إلى الصهارة، لكن هذا لا يعني أن علينا الحفر لعمق 40 كيلومترًا، فالصهارة تندفع للأعلى ببطء وتتجمع في جيوب على أعماق قريبة من السطح. ويمكن الوصول إلى هذه الجيوب عن طريق الحفر لبضعة كيلومترات، ثم ضخ المياه فيها ليتحول إلى بخار، يندفع هذا البخار للأعلى ويستخدم لتشغيل توربينات تولد الطاقة الكهربائية.

دول استغلت حرارة الأرض الداخلية بالفعل

استخدمت الطاقة الحرارية الأرضية لأول مرة في إيطاليا عام 1904، ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، نما استخدام هذه الطاقة في العالم من حوالي 10 جيجاوات في عام 2010 إلى 13.3 جيجاوات في عام 2018.

الآن، يتم استغلال الطاقة الحرارية الأرضية في أكثر من 20 دولة. الولايات المتحدة الأمريكية هي أكثر دولة تستفيد منها. إذ يوجد في ولاية كاليفورنيا أكبر موقع لاستغلال حرارة الأرض الداخلية، يمتد هذا الموقع على مساحة 117 كيلومترًا مربعًا، وفيه توجد 22 محطة كهرباء تولد في المجموع حوالي 1.5 جيجاوات.

آيسلندا هي دولة أخرى رائدة في هذا المجال، فقد بدأت استغلال هذا المورد منذ عام 1907، وحاليًا، توجد خمس محطات تولد 25٪ من احتياجات آيسلندا الكهربائية بالاعتماد عليها.

دول أخرى مثل السلفادور ونيوزيلندا وكينيا والفلبين تستغل أيضًا الطاقة الحرارية الأرضية في توليد الكهرباء.

بركان في آيسلندا

أفضل الأماكن التي يمكن فيها الاستفادة من الطاقة الحرارية الجوفية تكون بين الصفائح القارية، في هذه الأماكن، تكون الصهارة قريبة من السطح. تعد منطقة المحيط الهادئ التي يطلق عليها منطقة الحزام الناري والأخدود الأفريقي العظيم شرق القارة الأفريقية مناطق نشطة بركانيًا وتتمتع بإمكانيات هائلة.

لماذا علينا التوجه نحو الطاقة الحرارية الأرضية؟

وصفت هيئة المسح الجيولوجي البريطانية الطاقة الحرارية الأرضية بأنها “شكل من أشكال الطاقة المتجددة والمستدامة والنظيفة الخالية من الكربون والتي توفر إمدادًا مستمرًا وغير منقطع من الحرارة التي يمكن استخدامها لتدفئة المنازل والمباني وتوليد الكهرباء”.

تتميز محطات هذه الطاقة بأنها تنتج كميات أقل من غاز ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها محطات الغاز الطبيعي، وهي أكثر كفاءة من مصادر الطاقة المتجددة الأخرى مثل طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية لأنها غير متقطعة ولا تتأثر بالظروف المناخية.

بالإضافة إلى ذلك، هذه الطاقة متجددة، فعلى عكس الوقود الأحفوري الذي سينضب في النهاية. تُصدر الأرض الحرارة دائمًا من داخلها، وستبقى تصدر الحرارة لمليارات السنين.

يمكن الوصول إلى الحرارة الأرضية واستغلالها من أي مكانٍ في العالم. وهي عكس مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، لا تتأثر بالعوامل المتغيرة مثل وجود الرياح أو الأشعة الشمسية التي تغيب في الليل أو بسبب الغيوم. كما تكون متوفرة في كل أوقات السنة على مدار 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع.

الطاقة المتجددة

الجانب المظلم لها

صحيح أنها تطلق كميات قليلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، لكنها تطلق غازات أخرى ضارة وسامة مثل ثاني أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين.

قد يؤدي الحفر لاستغلال الطاقة الحرارية الأرضية في بعض المناطق إلى حدوث هزات أرضية خفيفة، مما يفرض تكلفة إضافة لتشييد أبنية مقاومة لهذه الهزات.

في الأماكن التي توجد فيها محطات الطاقة الحرارية الأرضية، لوحظ هبوط في الأرض. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تلف خطوط الأنابيب والطرق والمباني وأنظمة الصرف.

المياه التي يتم ضخها في الأعماق يمكن أن تخرج معها كميات ضئيلة من العناصر السامة مثل الزرنيخ والزئبق والسيلينيوم. هذه العناصر قد تتسرب إلى مصادر مياه الشرب إذا لم يتم عزل محطات الطاقة الحرارية الأرضية بشكلٍ جيد.

التكلفة الأولية لإنشاء المحطات وتشغيلها تكون كبيرة، معظم دول العالم لا تملك الموارد المالية والبنية التحتية لتنفيذ مثل هذه المشاريع والبدء في استثمار طاقة الأرض الحرارية، ففي الفلبين، تم إنشاء المحطات بدعم واستثمارات أمريكية.

حتى الآن، لا يعرف العلماء ما هو تأثير استغلال هذا المورد على نطاقٍ واسع، فما تزال المشاريع محصورة في بعض الدول وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية وآيسلندا.

التحالف العالمي للطاقة الحرارية الأرضية

لتعزيز استغلال الطاقة الحرارية الأرضية على نطاقٍ أوسع وتطوير تقنيات تجعلها في متناول الجميع، قامت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة بإنشاء التحالف العالمي للطاقة الحرارية الأرضية (GGA)، وهو منظمة تسعى لنشر فكرة استغلال هذا المورد الدائم والتعاون لإنشاء محطات طاقة كهربائية وتوفير وسائل استخدام الطاقة الحرارية الأرضية في مجال التدفئة.

يدعو التحالف الحكومات والشركات وأصحاب المصلحة إلى دعم إمكانات استغلال الطاقة الحرارية الأرضية والاستفادة منها. ولديه هدف طموح هو تحقيق نمو بمقدار خمسة أضعاف في القدرة على توليد الكهرباء بحلول عام 2030.

اقرأ أيضًا: علماء يتوصلون إلى طريقة لتخزين الطاقة في مخلفات الفاكهة