تشدّك مسرحية المومس الفاضلة منذ اللحظات الأولى ، فأنت تقرأ عملاً لأحد أهم الفلاسفة والأدباء الفرنسيين، وكعادة سارتر تندرج هذه المسرحية في سياق كتاباته المختلفة، والتي حملت في طياتها فلسفته الوجودية ونقاش العلاقة مع الآخر، فصديقنا سارتر هنا يتحدث عن  إحدى مدن الجنوب الأمريكية وتركز على الشخصية الإنسانية من الناحية الأخلاقية، من خلال طرحه لمشكلة ممارسة العنصرية التي كانت منتشرة في أمريكا في ذلك الوقت، والمقصود بذلك الوقت النصف الأول من القرن العشرين.

مومس … لكنها فاضلة

العاهرة الفاضلة

يستوقفنا العنوان الذي اختاره سارتر، فليزي هي فتاة تعمل في الدعارة، والمتعارف عليه أن السمات الأخلاقية التي ستتصف بها فتاة كهذه لن تكون إيجابية أبداً، بل على العكس إنها تقبل فعل أي شيء في مقابل النقود، والمفارقة أن هذه الشخصية هي اللاعب الأساسي المحرك للأحداث ضمن المسرحية، وشهادتها ستلعب دوراً هاماً، فهل يكون فعلها موافقاً للمنظور المجتمعي الذي يعتبرها شخصاً غير أخلاقي؟ أم أن مفهوم الأخلاق أوسع من مجرد أن يبيع الإنسان جسده مقابل المال، فالأخلاق الإنسانية تتعلق بمدى قدرة الإنسان على إيذاء الآخرين، فالأخلاق الحقيقية تتعلق بقول الحق، ولكن هل ثمة انفصال بين قدرة الإنسان على قول الحق وطبيعته في الحياة؟

دون مواربة: عنصرية مفرطة

بوضوحٍ تام وبكل جرأة، يستخدم سارتر عباراتٍ توضح مقدار العنصرية الممارسة، بدءاً من تسمية الشخصيات ووصولاً إلى الحدث الرئيس للمسرحية، فالشخصية التي تدور حولها الأحداث لا تستحق أن تحمل اسماً، يكفيها أن يقال عنها الزنجي، وفي هذا دلالة واضحة على فظاظة المعاملة التي كانت سائدة في تلك الفترة ضد أصحاب لون البشرة المختلف.

ذلك الزنجي الذي يبحث لاهثاً طوال فصول المسرحية عن براءته من ارتكاب جرم لفق له، والشاهد الذي يستطيع إنقاذه، هي تلك الفتاة ليزي التي تعمل في الدعارة، وتجد أنها في بداية المسرحية غير مضطرة للتدخل في شأنٍ كهذا، وتعرب للزنجي عن عدم رغبتها تلك، ولكنها إن أجبرت على الشهادة فإنها ستدلي بها.

عندما يبدأ أبيضان لا يعرفان بعضهما بالتحدث فلا بد أن يموت زنجي..

المومس الفاضلة

هذا ما يقوله الزنجي لليزي محاولاً إقناعها بمساعدته، وفي هذه العبارة توضيحٌ صريح من سارتر عن مدى سوء الأوضاع في تلك المرحلة، وكيف شكّل وجود البيض خطراً مهدداً ومستمراً لذوي البشرة السوداء، وربما يتبلور في هذا جزء من فكرة سارتر حول الآخر جحيم، وأن الصراع هو أساس العلاقة معه، مع تعديل بسيط يقول: الآخر المختلف عني.

في هذه المسرحية التي تحركها ست شخصياتٍ رئيسة، وشخصيتان ثانويتان، يناقش سارتر نظرة الرجل الأمريكي الأبيض في النصف الأول من القرن العشرين، للرجل الزنجي على أنه لا يساوي شيئاً وموته مجرد حدثٍ عارض لا معنىً له، ويبدو النقاش بين المومس ليزي وبين فريد المفعم بالعنصرية والذي يجد أن وجود الزنوج فائضٌ لا ضرورة له، فموت زنجي لا يعني شيئاً أبداً.

المشكلة الأساسية تكمن في اعتبار أن إيذاء الزنجي وممارسة العنصرية هو أمرٌ مفروض على كلّ مواطنٍ أمريكي أبيض لأنه يعني الانتماء بشكل أو بآخر، فمساعدة أي زنجي على حساب أبيض هي بمثابة خيانة للأمة.

ضمن هذا السياق يقدم سارتر وصفاً لحجم الممارسات العنصرية التي كانت تمارس ضد الزنوج، فهم بالمعنى العام مجرد عبيد موجودين لخدمة الأمة الأمريكية، وليس لهم أي دور، هم مجرد عدد ولا نفع منهم إلا في إطار خدمة أسيادهم، ومن المعروف طبعاً أن القانون الأمريكي كان يدعم الكثير من الممارسات العنصرية ضد الزنوج، التي لم تتوقف بشكلٍ فعلي حتى ستينيات القرن العشرين بالسماح للزنوج بالجلوس إلى جانب البيض في المقعد نفسه، مع الإشارة إلى ظهور ممارسات متفرقة حتى يومنا هذا، وقد يكون مقتل مارتن لوثر كينغ في العام 1986م دليلاً على أن الممارسات العنصرية ضد السود في أمريكا استمرت، وغيرها من الحوادث كمقتل جورج فلويد في العام 2020 على يد شرطي أمريكي أبيض.

كيف يغدو الباطل حقاً؟

تستوقفنا في سياق مسرحية المومس الفاضلة حقيقة مؤلمة، هي محاولات السيناتور الأمريكي، والذي يمثل السلطة في منطقة الحدث، بأن يقنع المومس ليزي بأخلاقية شهادتها زوراً ضد الزنجي، تحت مسمياتٍ كثيرة بدءاً من محاولته تأكيد أن مصلحة الأمة الأمريكية تتوقف على ما سوف تقوله ليزي، وأنها إن دافعت عن الرجل الأبيض ضد الزنجي فإنها ستحقق ما يجب تحقيقه، وستكون قادرةً على تقديم خدمةٍ جليلة لأكثر من سبعة عشر ألف مواطن أمريكي أبيض.

ذلك السيناتور، الذي من المفترض أن يكون رجلاً ناطقاً بمصلحة الأمة، يقدم خطاباً مليئاً بالعنصرية والإساءة لأدنى مفاهيم الإنسانية، وربما يحاول سارتر في هذا أن يوجه رسائل متنوعة وعلى عدة مستويات قد يكون أهمها:

  • قد يكون البغاء فعلاً أخلاقياً شنيعاً، ولكن إيذاء إنسانٍ آخر أشد سوءاً.
  • تلعب السلطات دائماً ومنذ فجر التاريخ دوراً في تغيير رأي الشعوب، وفي تبديل آراء الناس حتى وإن كانت قضاياهم محقة، فالخطاب الكاذب والمزور هو الأسلوب المتبع عبر قرون متعددة وحتى يومنا هذا.
  • الخطاب الثقافي أي بقعة من العالم هو الذي يؤسس للبنية الفكرية لذلك المجتمع.

في النتيجة، يمكننا اعتبار مسرحية المومس الفاضلة، واحدةً من أفضل المسرحيات التي كتبها، فقد استطاع سارتر في لوحتين أساسيتين وعددٍ بسيطٍ من المشاهد، أن يوضّح وجهة نظر مجتمع كامل بقضية أخلاقية بقي الإنسان يعاني منها سنوات طويلة، قضية وإن كانت قد انتهت بشكلها العام، إلا أنها تحمل في طياتها تجدداً يسبب الحقد والكراهية بين فئات الناس المختلفة، فالعنصرية ليس علاقة زنجي وأبيض، وإنما العنصرية متشعبة وواسعة ومرتبطة بقضايا أخرى، إنها ممارسات يطبقها السجان ضد المسجون، وممارسات يطبقها المحتل ضد أبناء البلد الأصليين، إنها انتقاص في إنسانيتنا وفي جدوى حياتنا، لأنها تؤسس حياتنا على مبدأ الكراهية وايذاء الآخرين.

إن مسرحية المومس الفاضلة فرصة جيدة للتعرف على طبيعة مرحلة قاتمة في تاريخ أمريكا الاجتماعي، وهي فرصة لنتعرف على خبايا النفس فيما يخص قدرتها على الكذب والخداع، وتدفعنا الصفحات الأولى للتساؤل: هل تنساق المومس للعروض التي تقدم لها كي تشهد ضد الرجل الزنجي؟ أم أنها تفضل قول الحقيقة وممارستها وتبتعد عن محاكاة طبيعة مهنتها في هذه الحال؟

ما هي النهاية التي تتوقعونها لهذه المسرحية حقاً؟ وهل جاءت تسمية المسرحية ساخرة للحدث الأساسي؟ وإن كنتم في موقع يطلب منكم فيه قول الحقيقة فأي موقف تتخذون؟

أسئلة أخلاقية نفكر بها دائماً، وتتوارد إلى أذهاننا؟ كيف سنتصرف إن وضعنا في مأزقٍ أخلاقي حقاً؟

اقرأ أيضاً: أشهرها لعبة الكريات الزجاجية.. روايات هرمان هيسه المترجمة إلى العربية