العلاج بالعاثيات
0

بينما يكافح العالم الفيروس المسبب لوباء كوفيد 19، هناك مشكلة أخرى تلوح في الأفق، تصبح البكتيريا المسببة للأمراض أكثر قدرة على مقاومة المضادات الحيوية، لقد لاحظ العلماء ذلك منذ سنوات، وقاموا بتطوير أنواع جديدة من المضادات الحيوية الأكثر فتكًا، لكن العديد من أنواع البكتيريا طورت مقاومة ضد هذه الأدوية أيضًا.

ظهور هذه الأنواع من البكتيريا جعل العلماء يدقون ناقوس الخطر، فهي يمكن أن تسبب جائحة عالمية جديدة، وعلى الحكومات أن تسعى لإيجاد حل، أفضل حل هو إيجاد طرقٍ جديدة لمكافحة البكتيريا التي أصبحت مقاومة لمعظم المضادات الحيوية.

استبدال المضادات الحيوية بالفيروسات

في الماضي، كان التعرض لجرح بسيط يمكن أن يؤدي إلى العدوى ببكتيريا قاتلة والموت بسببها، لكن اكتشاف البنسلين في عام 1928 أحدث ثورةًٍ في علم الطب. فهو يقتل البكتيريا أو يمنع نموها. وسُمي منتصف القرن العشرين بالعصر الذهبي للمضادات الحيوية، لأن العلماء اكتشفوا الكثير من المركبات الكيميائية الجديدة التي تقتل البكتيريا واستخدموها لعلاج الكثير من الأمراض.

لم يدم هذا العصر الذهبي طويلًا، حيث لاحظ العلماء أن الكثير من أنواع البكتيريا طورت مقاومة ضد المضادات الحيوية، وأصبحت قادرةً على البقاء والنمو والتكاثر في أجسامنا بفضل الطفرات والتغيرات التي خضعت لها، باختصار، عرف العلماء أنّه في يومٍ ما، لن تكون المضادات الحيوية قادرةً على قتل البكتيريا وحمايتنا من الأمراض. هذا يعني أن الأيام التي كان فيها التعرض لجرح بسيط يمكن أن يسبب عدوى قاتلة ستعود، وعلينا إيجاد طريقةٍ لإنقاذ الأرواح.

الحل هو إيجاد بديل للمضادات الحيوية، لتحقيق ذلك، فكر العديد من العلماء في كائن حي صغير جدًا يعتبر عدوًا طبيعيًا للبكتيريا منذ مليارات السنين، وهو فئة من الفيروسات تعرف باسم عاثيات الجراثيم أو آكلات الجراثيم، إنه الكائن الأكثر دموية على الكوكب ويتسبب في موت تريليونات الجراثيم كل يوم. وهو موجود بأعداد كبيرة في كل مكان.

يقدر العلماء أن عدد العاثيات على الأرض يفوق عدد كل الكائنات الحية الأخرى بما في ذلك البكتيريا. ويعيش المليارات من هذه الفيروسات على أيدينا وداخل أجسامنا وداخل أجسام كل الكائنات الحية الأخرى.

تشير التقديرات إلى أنه في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يموت أكثر من 23 ألف شخص كل عام بسبب البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وأنه بحلول عام 2050، ستؤدي هذه البكتيريا إلى قتل عددٍ من الأشخاص أكثر ممن يقتلهم السرطان.

إن تسخير قوة العاثيات لمحاربة البكتيريا ليست فكرة جديدة. في الواقع، كان أول استخدام مسجل لما يسمى العلاج بالعاثيات منذ أكثر من قرن. ففي عام 1919، استخدم عالم الأحياء الدقيقة الفرنسي فيليكس دهيريل أنواعًا من العاثيات لعلاج الأطفال الذين يعانون من الزحار الشديد.

من الجدير بالذكر أنّ فيليكس دهيريل هو مكتشف العاثيات، وهو صاحب فكرة استخدامها للقضاء على البكتيريا وعلاج الأمراض الخطيرة.

على عكس وباء كوفيد 19 الذي أدى فيه الفيروس إلى موت الملايين، يمكن أن تكون الفيروسات هي العلاج الذي سيحمينا وينقذ حياتنا من الوباء القادم

في بعض المراكز البحثية هناك حماس شديد لاستخدام هذا العلاج في المستقبل القريب، والهدف الأساسي الذي يعمل عليه العلماء حاليًا هو تعديل العاثيات باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لجعلها قادرة على إصابة وقتل أنواع معينة من البكتيريا المسببة للأمراض. على أمل أن تصبح بديلًا عن المضادات الحيوية.

كيف تقوم العاثيات بقتل البكتيريا؟

العاثيات هي فيروسات متخصصة جدًا، أي أنّها لا تهاجم سوى البكتيريا، إنها موجودة في أجسامنا وفي كل مكان لكنّها لا تستطيع مهاجمة خلايا جسمنا، ولو تمكن البشر من استخدامها كدواء وحقنها في الجسم لقتل البكتيريا الخطيرة، فإنها ستكون أفضل من المضادات الحيوية، المضادات الحيوية غير متخصصة وتقتل كل أنواع الجراثيم الضارة والجيدة دون استثناء. باختصار، ستكون العاثيات سلاحًا موجهًا ودقيقًا يهاجم ويقتل نوعًا معينًا من الجراثيم المسببة للأمراض دون التسبب بأي ضرر للجراثيم الأخرى وخلايا الجسم.

بمجرد أن تجد العاثية ضحيتها، تقوم بالالتصاق على سطحها الخارجي، ثم تحقن مادتها الوراثية في البكتيريا، عندها ستقوم البكتيريا بنسخ وإنتاج عاثيات أخرى في داخلها حتى تمتلئ بها، بعد ذلك تقوم العاثيات الجديدة بإنتاج إنزيم الإندوليسين الذي يحل غلاف البكتيريا، مما يؤدي لانفجارها وموتها وتحرر العاثيات الجديدة التي تهاجم بكتيريا أخرى.

بمجرد انفجار البكتيريا، تتحرر العاثيات الجديدة لتصيب مزيدًا من البكتيريا

مزايا العلاج بالعاثيات

المزايا التالية المرتبطة باستخدام العاثيات كمضادات للبكتيريا تتعلق بطبيعة العاثيات أو السلامة أو التكلفة:

علاج ذكي

العاثيات تستهدف فقط الجراثيم المسببة للأمراض فقط وتستثني الجراثيم الأخرى وخلايا الجسم.

طالما أن البكتيريا المسببة للمرض موجودة في الجسم، ستتكاثر العاثيات وتهاجمها، وعندما ينخفض عدد البكتيريا، ينخفض عدد العاثيات، يطلق العلماء على هذه الميزة اسم “الجرعات التلقائية”. أي أن كمية الجرعة سيتم تعديلها بشكلٍ تلقائي دون الحاجة لتحديد كمية الجرعة بدقة أو زيادتها.

لن تكون البكتيريا قادرة على مقاومة العاثيات، فكلما تطورت البكتيريا، ستتطور العاثيات أيضًا، إنها حرب تطور مستمرة منذ مليارات السنين، وحتى الآن، ما تزال العاثيات فعالة وقادرة على قتل البكتيريا بكفاءة عالية.

اقرأ أيضًا: نظرية التطور … ما هي وكيف يراها العلم والدين والمجتمع

جرعة واحدة

العاثيات على عكس المواد الكيميائية التي تتكون منها المضادات الحيوية، تكون قادرة على التكاثر، هذا يعني أن العلاج سيكون نشطًا طالما أن البكتيريا المسببة للمرض موجودة، ويعتقد العلماء أن جرعة واحدة من العاثيات ستكون كافية للقضاء على كل البكتيريا في الجسم ولن تكون هناك حاجة لجرعات أخرى.

إمكانية انتقال العاثيات بين الأفراد

يمكن أن تنتقل العاثيات بين البشر كما يحدث عندما تنتقل العدوى، هذا سيساعد في القضاء على البكتيريا وعلاج الكثير من الناس دون الحاجة إلى أخذ العلاج. يظن العلماء أن ذلك لن يؤدي إلى علاج الأمراض فقط، بل إلى القضاء عليها نهائيًا بسرعة كبيرة ومنع انتشارها كوباء، كما أنه سيكون مفيدًا في القضاء على الأمراض التي تصيب النباتات.

تأثير بيئي ضئيل

على عكس المواد الكيميائية التي توجد في المضادات الحيوية، لن يكون للعاثيات أي تأثير بيئي ضار، فهي عبارة عن فيروسات وسوف تموت في البيئة على الفور حين لا تجد البكتيريا التي تتكاثر على حسابها، ولن تكون قادرة على التكاثر من تلقاء نفسها.

سلبيات العلاج بالعاثيات المحتملة

على الرغم من كل المزايا التي ذكرناها، قد يكون هناك سلبيات لهذا العلاج، أول شيء يخشاه العلماء هو أن يؤدي تعديل العاثيات باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية إن أن تتحول لعامل ممرض، وبدلًا من أن تساعد في علاج الأمراض، قد تسبب مرضًا جديدًا أو جائحة عالمية.

يمكن أيضًا أن يؤدي حقن العاثيات في الجسم إلى تنشيط جهاز المناعة وتوليد رد فعل مناعي، حيث تقوم الخلايا المناعية بالقضاء على العاثيات ومنعها من أداء مهمتها.

أخيرًا، لن تكون العاثيات مستحضرات صيدلانية عادية، لأنها فيروسات حية، يجب حفظها في شروط معينة كي تبقى حية وقادرة على القيام بدورها، ما يعني أن عملية تصنيع علاج العاثيات ونقله وحفظه واستخدامه سيكون مختلفًا عن المضادات الحيوية.

النتيجة

تمتلك العاثيات، كونها فيروسات مضادة للبكتيريا بطبيعتها، عددًا من الخصائص التي تجعلها بدائل للمضادات الحيوية الكيميائية، معظم أو ربما كل المخاوف المرتبطة بعلاج العاثيات تكون قابلة للإدارة من خلال الاختيار المناسب للعاثيات وتحديد التركيبة الفعالة وزيادة فهم الأطباء وإلمامهم بها.

في عصر تتزايد فيه العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية، توفر العاثيات مزايا عديدة، إلى جانب سلبيات قليلة نسبيًا. اليوم يملك العلماء فهمًا أفضل لبيولوجيا العاثيات جنبًا إلى جنب مع معايير دقيقة للاختبار الطبي، هذا يجعل العلاج بالعاثيات يستحق فرصة للبحث في إمكاناته الحقيقية.

المراجع:

إيجابيات وسلبيات العلاج بالعاثيات | المعاهد الوطنية للصحة، وزارة الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة الأمريكية

أخطر كائن على كوكب الأرض – عاثيات الجراثيم | قناة Kurzgesagt – In a Nutshell

0

شاركنا رأيك حول "العلاج بالعاثيات: استخدام الفيروسات ضد البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية"