ديجا فو
0

في جلسة عائلية، تمرّ مناقشة عادية بينك وبين أهلك، يتكلم أبوك، ويسأل أخوك، والجميع يتحدث وأنت تشاركهم الحديث، في لحظةٍ ما، تمرّ كلمات، أحاسيس، نظرات مكررة، وأشياء أخرى تنظر إليها ويتوقف دماغك لحظات: “هل أنا هنا؟ في الحاضر؟ أم رجعَ بي الزمن إلى الوراء؟؟ يا الهي ما الذي حدث؟ أشعر أنني مررت بهذا الموقف مسبقًا”.

الإحساس الغريب بأنك فعلًا اختبرت هذا الإحساس من قبل، مرّ هذا الموقف من قبل حتى لو لم يكن بالفعل مارًا، ولكن تشعر وكأنه مشهد مُعاد، أحاسيسك ومشاعرك تخبرك بذلك. مثال آخر: افترض أنك ذهبت للتجذيف، وكانت أول مرة فلم تقم بذلك من قبل، ولكن فجأة تجد نفسك تملك ذاكرة مميزة ولعدة ثواني، تجد حركات ذراعك، ومشاهدة السماء الزرقاء، وموجة ترتطم بيديك بنفس اللحظة، تشعر أن هذا المشهد قد اجتزته بنفس تفاصيله من قبل، ونفس الأمر مع ذهابك إلى المدرسة مثلًا، لا نعتبر أن مرورك بجانب بركة المياه كل يوم هو حَدَث جلل، ولكن إذا مررت بجانبها مرة وقابلت شخصًا ما بسيارته رفع لك بيده ملوّحًا ومبتسمًا، وبذات الوقت تمًاما رأيت حمامة، بذات الوقت: البركة وإلقاء السلام ثم الابتسامة والحمامة.. قشعريرة تصيبك وتشعر أنك متصلٌ جدًا بهذا الحَدَث من قبل.

لا تَهلع، هذا الذي تمرّ به أحيانًا هو حَدَث شائع جدًا بين الناس، لا يوجد دراسة أكيدة عن مدى شيوعه، ولكن تشير التقديرات إلى أن ما بين 60-80% من الناس يعانون من هذه الحالة، والمسماة “ديجا فو (déjà vu)” أو “وهم سبق الرؤية”، وفي الأصل، هي مصطلح فرنسي يعني “شُوهد من قبل”، في إشارة إلى المرور بهذه اللحظة من قبل والشعور بها.

ديجا فو أو ديجافو: مرض أم وهم أم حالة طبيعية؟

كون الـ ديجا فو يحدث دون سابق إنذار، وينتهي بعد عدة لحظات ويتركك تفكر فيما حدث، فليس من السهل دراسته أو تحديد أسبابه حتى، ولكن بحسب المراجع الطبية المتخصصة، وخاصة غرابة حدوثه بشكل خاص مع أولئك الذين لا يعانون من مشاكل صحية، وبخاصة الشباب، إن هذه الحالة لا تقترن بالمخاطر الصحية التي تصيب الجسم. عدا عن انتهاء هذا الحدث أسرع بكثير من ابتدائه، لدرجة أنك أحيانًا قد تشعر قليلًا بالاضطراب ثم تتجاهل الموضوع، وهذه ليست مشكلة.

النسبة المئوية للأشخاص الذين يعانون من الـ ديجا فو تتراوح بين 30-100%، ولكن تُعتبر هذه النسبة غير دقيقة لسببين رئيسيين:

أولًا، لا يمكن سؤال كل شخص بالعالم إذا كان يعاني من هذا الموضوع، لذا هذه النسبة هي نتيجة استطلاعات لمجموعات صغيرة من الناس، واعتمادًا على ذلك، كلما زاد عدد من نسألهم، تغيرت النسبة بشكل كبير.

ثانيًا، طرح السؤال بطُرُق مختلفة يؤدي إلى نتائج مختلفة، يُمكن للناس أن تعطينا إجابات مختلفة اعتمادًا على التعريف الذي نقدمه لهم عن الـ ديجا فو، ربما تختلط عليهم الأمور، ويعتقدون أن الـ ديجا فو إحساس طبيعي، لذا يعطون نتيجة سلبية تغير في النسبة.

أما عن عدد المرات التي يحدث فيها وهم سبق الرؤية، فأيضًا يعتمد ذلك على اختبار مجموعات صغيرة، وتعتمد الإجابة على طريقة السؤال وإيصال فكرة الموضوع للشخص، وعلى طبيعة الشخص نفسه. عادة ما يختبر الناس هذا الشعور كل بضعة أسابيع أو كل بضعة أشهر، هذا يعني أن وهم سبق الرؤية ليس شائعًا بكثرة، أو ربما لا يعرف الكثيرون أنهم يمرون به.

الدراسات المختلفة حول الموضوع

ما يعتمد عليه الباحثون في أبحاثهم حول الـ ديجا فو طريقتين: أولهما ما نسميه “دراسة قائمة على الملاحظة”، ملاحظة من يمتلك ديجا فو، كم مرة تحدث، ومتى تحدث، وهكذا.. وأفضت الدراسات القائمة على الملاحظة شيوعها لدى الشباب أكثر، أما الطريقة الأخرى للدراسة فهي الطريقة التجريبية، يحاول الباحثون إثارة وهم سبق الرؤية لدى الناس، عن طريق عدة طُرُق، واحدة من أغرب الطرق هي ضح الماء الدافئ في آذانهم!

ديجا فو

الدراسات التجريبية رائعة لفهم عمليات التفكير للبحث عن أسباب حدوث الـ ديجا فو، لكنها حقًا صعبة التنفيذ، فلا يمكن التأكد من هذا المتطوع، هل هو مرّ خلال الدراسة بالـ ديجا فو؟ أم أنه يقول ذلك فقط ليعطيني إجابة صحيحة؟ أجريت التجارب على مدى 15 سنة مضت، وفعلًا كان إقناع الناس بالقيام بالتجارب سهل، ولكن لا يمكنك التأكد من أية نتيجة.

أعتقد أنه لا يُصنّف كمرض، ولكنه حالة شائعة والبعض يعتقد أنها لا تحصل إلّا معه، يعتقد أنه مُستَهدف بطريقةٍ ما، ولا يحكي تجربته لغيره خوفًا من أن يلحقه الأذى، أو غير ذلك من الاعتقادات، لذا من الواجب تفسير هذه الظاهرة. ما يجب أن تعرفه للطمأنينة فقط، أنها أمرٌ طبيعي جدًا، وسنؤكد ذلك في السطور القادمة.

الفرق بين وهم سبق الرؤية والمشاعر العادية المألوفة

دقق جيدًا في الصور أدناه:

التفريق بين ديجا فو والمشاعر العادية

في الصورة A، يظهر مشهد من المشاهد التي التي نختبرها في حياتنا وغالبًا نتذكرها لاحقًا، لأن ذاكرتنا تعمل بشكل جيد ويمكننا الوثوق بمشاعر الذاكرة المرتبطة بالحدث. في هذه الصورة بالذات، أنت تشاهد مقطع فيديو لقرد يركب ماعز للمرة الأولى، وهو فيديو مضحك بالطبع وجديد، فغالبًا سيُخزَّن في الذاكرة كمشهد مرّ فقط.

في الصورة B، عندما نمرّ بإحدى الإسطبلات ونرى شخصًا يمتطي حصانًا، نتعرف على هذا المشهد وكأننا رأيناه بالفعل، وهو فعلًا مشابه لفيديو القرد والماعز المضحك الذي شاهدناه، هنا لا يوجد ديجا فو، بل تعرفنا على مشهد يبدو وكأننا رأيناه بالفعل قبل، وهذا ما حصل بالفعل، شعرنا بالألفة غير المربكة.

في الصورة C، عندما تشعر أن موقفًا ما مألوف للغاية سواء حدث معك أو لم يحدث، وتشعر أن هذه الألفة ربما خاطئة، تقف لعدة ثوانٍ وتتساءل “أعتقد أن هذا الموقف بتفاصيله حدث من قبل”، هنا أنت تختبر الـ ديجا فو. في هذه الصورة، أنت تمرّ بإسطبل خيول، وتشعر أنك مررت سابقًا بهذا الحدث، ولكن هناك شعور غريب بالألفة لا يعبر عن رؤيتك لنفس المشهد في مكان آخر، لا، رؤيتك ذات المشهد في ذات المكان، وما يميز الموضوع هنا هو “تلاشي الشعور” بسرعة، وتبقى في حيرة وتساؤل، هذا ما نسميه ديجا فو.

يساعدك الشعور بعدم الاعتراف بمرورك بالموقف، أي عدم قوة الشعور بأن هذا الموقف مألوف، وأن هذا الشيء خاطئ، أن تدخل في تهيؤات، تحاول تجاهله.. بالإضافة إلى سرعة تلاشي الشعور.. كل تلك أشياء تؤكد أن هذا هو الـ ديجا فو.

هل يحدث الـ ديجا فو في جميع مراحل الحياة؟

أكثر الأشخاص تجربةً لشعور وهم سبق الرؤية هم الشباب كما قلنا، لذا إذا لم تختبره بعد، انتظر قليلًا عزيزي. بعض الأشخاص أعلنوا عن  إصابتهم به لأول مرة في السادسة من عمرهم، وأفاد البعض الآخر مرورهم بهذه التجربة قبل بلوغهم سن العاشرة.

عمومًا، حتى تعلم أنك مررت بتجربة ديجا فو، يجب أن تكون قادرًا على التفريق بين الشعور بالألفة العادية، والشعور بالألفة القوية التي عادةً ما تتلاشى سريعًا. لذا بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، قد يكون هذا الأمر صعبًا، وبالنسبة للذين يقولون أنهم مروا بها في السادسة والسابعة من العمر، ربما هم لم يكونوا على علم بوجود الـ ديجا فو بهذا السن، ولكن قد يكون الشعور محفور في ذاكرتهم لسببٍ ما عندما كانوا أطفالًا، وأقروا بذلك بعدما كبروا.

بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى 15-25 سنة، يجب أن تكون قد مررت بشعور الـ ديجا فو كثيرًا، على الأقل أكثر مما ستشعر به بعد سن الـ 25. تشير الأبحاث إلى أن عدد التجارب التي أُبلغ عنها بخصوص الشعور بوهم سبق الرؤية تتناقص بشكل مطّرد بعد عُمر الـ 25، وهذا ما حيّر الباحثين أيضًا، فالمتعارف عليه أن مشاكل الذاكرة تتزايد مع التقدم بالعمر، لا تتناقص! ولكن هذا ما يفضي إلى نتيجة جيدة ربما، تؤيد ما أسلفنا ذكره عن عدم تصنيف الـ ديجا فو كمرض، وهو أنه لا ينتج عن مشاكل خطيرة في الذاكرة.

الـ ديجا فو ليس مرضًا، لكن قد يرتبط حدوثه بوجود مرض..

كما قلنا، لا يوجد حتى الآن مسبب واحد رئيس لحدث هذه الحالة، ولكن تلعب عدة ظواهر في حدوثها أو تتماهى معها:

ظاهرة انقسام الدماغ: عامل واعي واحد مع إدراك منقسم

تقترح هذه النظرية أن الـ ديجا فو يحدث عندما نرى شيئًا واحدًا في وقتين مختلفين. في المرة الأولى، أنت ترى هذا الشيء جزئيًا، من طرف عينيك إذا صحّ التعبير، تُشتت انتباهك ولا تركّز عليه، ولكن عقلك لا يسير مسارك أنت، بل قد يحصل على معلومات أكثر مما تعتقد، ويبدأ بتكوين معلومات عما رآه حتى مع الكمّ المحدود منها، والتي لاحظها من اللمحة الموجزة.

عند مرورك بنفس المنظر مرة أخرى، وخاصةً إذا كانت تلك المرة السابقة أول مرة، فلن تتذكر أنت أنك مررت هنا، لكن عقلك يتذكر نعم، يتذكر التصور السابق للمشهد، ولذا يحصل هذا الاختلاط للوهلة الأولى، أي يبدو الأمر كأنه حدثان مختلفان ولكنهما مجرد تصور واحد لنفس الحدث.

خلل طفيف في الدماغ

تشير دراسات أخرى إلى أن الـ ديجا فو يحدث عندما يصيب دماغك عطل أو خلل طفيف، على غرار ما يحدث في نوبات الصرع. يحدث الخلل عندما يكون جزءا الدماغ المسؤول أحدهما عن تتبع الأحداث الحالية والآخر عن تذكر الذكريات، نشطين. تختلط الأمور على الدماغ، وربما يدرك أن ما يحدث في الوقت الحاضر ما هو إلا ذكرى، ويعتقد العلماء أن هذا الخلل قد يسبب وهم سبق الرؤية.

عندما يتلقى الدماغ المعلومات، فإن مساره الطبيعي محدد عمومًا، من الذاكرة قصيرة المدى إلى الطويلة، لكن تقترح النظرية أنه في بعض الأحيان، قد تأخذ الذاكرة قصيرة المدى طريقًا مختصرًا لتسلكه، وهذا ما يسبب الخلل وتأخير في قراءة المعلومات.

صرع الفص الصدغي

أكدت بعض الدراسات، التي قامت بعد إبلاغ عدة أشخاص عن تكرار الحالة لديهم، إصابتهم بما يسمى صرع الفص الصدغي، والذي ينجم عنه قيام خلايا الدماغ بإرسال إشارات كهربائية خارجة عن السيطرة تؤثر على خلايا الدماغ المحيطة بها، وأحيانًا على خلايا الدماغ كله، وهذا ما يسمى “بنوبة الصرع”، التي تؤدي إلى فقدان السيطرة على الحركات والأفكار لفترة وجيزة. غالبًا ما يمرّ المصابون بالصرع بالـ ديجا فو، قبل أن تصيبهم نوبة الصرع، وأما الذين لا يعانون من الصرع أصلًا، فربما يأتيهم الوهم على شكل نوبة صغيرة في الفص الصدغي.

فصوص المخ
الفصوص على الجانب الأيسر من الدماغ

يوضح الشكل أعلاه الفصوص على الجانب الأيسر من الدماغ، وأما تلك التي تلعب دورًا في تحريض وقوع الـ ديجا فو فهي الفص الصدغي (باللون الأخضر) والفص الأمامي (اللون الأحمر).

إذًا ما الذي يخبرنا به مرورنا بحَدَث ديجا فو؟

بما أنه ليس مشكلة صحية، ولا يدلّ على مشكلة مرضيّة بحتة في الذاكرة، إذًا قد يكون المرور بحالة ديجا فو ببساطة دلالة على أنك تمتلك عقلًا سليمًا قادرًا على تمييز إشارات الألفة غير الصحيحة. ما يؤكد ذلك هو تضاؤل نسبة حدوثه بعد سن 25، وهو ما يبدأ بالحدوث فعلًا لكبار السن، أو لنقُل الذين يزيدون عمريًا، يزدادون سوءًا في عملية اكتشاف إشارات الألفة غير الصحيحة، ويبدؤون فعلًا في تصديقها.

أهم ما يجب أن تعرفه أنه حالة طبيعية، تقترن مع حالات أخرى ربما مرضيّة، ولكن كشخص سليم، سيصيبك الـ ديجا فو ولا خوف منه أبدًا. بالنسبة لي، أعتبره إحساسًا جميلًا، ولكن حقيقةً، أعترف أنه أصابني إرباك غير طبيعي عندما اختبرته للمرة الأولى، واعتقدت أني شخصٌ مميز.

0

شاركنا رأيك حول "ديجا فو deja vu.. تفسير العلم لإحساسنا الغريب تجاه المواقف المألوفة"