الرأسمالية
0

“هل الرأسمالية أخلاقية؟” سؤال جوهري ومعقد اختاره الفيلسوف والجامعي الفرنسي “أندريه كونت سوبنفيل”، ذو النزعة الإنسانية ليكون عنوانًا لأحد أعماله التي باقتران الأخلاقي بالرأسمالي فيها تنادينا بصوت عالٍ للاطّلاع عليها.

هذه العلاقة التي تغيب ملامحها حتى يصبح من الصعب جدًّا فهم طبيعتها التي تتكوّن في ظل انتفاء الأخلاق في القرن الواحد والعشرين واستبدالها بأخلاق ومعايير جديدة هي محور حديثنا في هذا المقال، وحجر الأساس في هذا الكتاب المهم الذي ننصحكم بمطالعته، والذي يطرح في الجزء الأخير منه جملة من الأسئلة التي يرددها المدافعون عن الرأسمالية ويجيب عنها هذا الفيلسوف.

التاريخ هالة سوداء واسعة تضطهد أوّلا السود والأقليّات الأخرى ثم تمرّ من نظام سياسي واقتصادي إقطاعي تسيطر فيه طبقة أرستقراطية صغيرة تملك الأرض على بقية الشعب إلى نظام رأسمالي متوحش لا يعلو فيه إلى صوت دعايات الكوكاكولا، وهتاف لاعبين عالميين صاروا سلعةً تتبع بوما أو نايكي، ولا تحكمه سلطة أخرى غير سلطة المال والشركات والأسهم. عالم تنتفي فيه قيمة الإنسان ليقاس بما في جيوبه وتسجن فيه المرأة والرجل في قوالب جاهزة تسلبهم حرياتهم وجمالهم لتدجنهم وتجعلهم نسخًا متطابقة تخفي في داخلها عاهات نفسية كثيرة. ولئن فسر البعض هذا بالعولمة، فإننا نرجعه إلى النظام الرأسمالي الذي ظهر قبل العولمة بكثير والذي كانت وما زالت له انعكاسات خطيرة ومريبة على المستويين الفردي والجماعي.

الرأسمالية والطبيعة الأم، ما العلاقة بينهما؟

الرهان الإنساني الأهم اليوم لضمان الاستمرارية والبقاء هو رهان بيئي بالأساس، ففي ظل كل هذه الكوارث الطبيعية والأوبئة المستجدة والحرائق التي أكلت نيرانها رئة هذا الكوكب المسكين وفي ظل الإحصائيات المفزعة لانقراض أنواع كثيرة من الكائنات الحية وتراجع الثروة المائية، تتجه البوصلة نحو الأرض وترجع إليها كما بعثت منها ويتكوّن فينا وعي بيئي جديد ومكثف يبحث عن الأسباب ليردع النتائج.

تعددت الدراسات والمقالات في هذا السياق حتى وجدنا بينها دراسة قام بها باحثون من جامعتي Massachusets Institute Of Technology (MIT) و Loyola Marymount تتنبأ بتزايدٍ كبير في درجات الحرارة إلى درجة تهديد كل شكلٍ من أشكال الحياة في الجزء الجنوب شرقي من آسيا من هنا إلى حدود سنة 2100.

دراسة أخرى نشرت في آخر شهر يوليو الماضي لباحثين أمريكيين ومكسيكيين تقول بأن عدد الفقاريات في العالم سيتراجع بصفة مهولة وبنسق غير مسبوق منذ اندثار الديناصورات قبل ما يفوق 60 مليون سنة.

نجد إضافة إلى ذلك في مجلة “Science advances” مثلًا مقالًا علميًا يقر بأن ذوبان الجليد في Groenland سيتضاعف طبيعيًا بتضاعف درجات الحرارة وجرّاء التلوث، مما سيتسبب في ارتفاع مستوى المحيطات والبحار.

وتتفق كل هذه المقالات على سببٍ رئيسي واحد يتمثل في الطابع الاستهلاكي المفرط للمجتمعات الحديثة والاستغلال الأناني للموارد الطبيعية أو بعبارة أخرى وباختصارٍ شديد “الرأسمالية”.

ثقافة الاستهلاك وحركة التسوق الدائرية المستمرة التي يموت فيها عمّالٌ كثيرون من شدة التعب والأرق والإنهاك، ويعيش فيها مديرون يبنون مزيدًا من المصانع التي تلوث الكوكب هي داء العصر، ولئن نجونا منها نسبيًا اليوم، فسنكون حتمًا فريسةً لها بالغد.

انعكاسات الرأسمالية على الصعيد الدولي ودورها في اندلاع حروب مستقبلية باردة لا مفر منها

تسقط الأخلاق والديبلوماسية الدولية ويبقى المال. هذا هو ميثاق النظام العالمي الجديد ودينه وقانونه الوحيد، إذ نرى اليوم دولاً تمنع وصول جرعات من اللقاح إلى دول أخرى في ظل وباءٍ عالميٍ فتّاك، ونسمع عن قراصنة يغيرون طريق سفنٍ تحمل كماماتٍ ومساعداتٍ طبية إلى دول الجنوب، ثم نشاهد في نشرات الأخبار خطابات لرؤساء يتحدثون عن حربٍ باردة تكنولوجية، وعن معركة الجيل الخامس، وتفكك شركة مثل “هواوي” ذات المكانة المرموقة في السوق العالمية.

هذه السياسات وتلك، عزيزي القارئ، هي تدابير قرصنة واستغلال وقوّة عنيفة يمارسها الغول الأمريكي مثلًا على الصين، وتمارسها دول الاتحاد الأوروبي على إفريقيا، تحت غايات ربحية و استثمارية تضمن لها البقاء متربعةً على عرش أغنى الدول وأقوى الأنظمة الاقتصادية. لكنّنا معًا وبالرغم من انتمائنا إلى أوطان تمارس عليها كل هذه المظالم أمام أعين العالم أجمع، نعي هذا ونراه ونفهمه كما يفهمه المواطن المنتمي إلى تلك الرقع الجغرافية، الذي يحتج غالبًا على سياسياتها، التي ترسمها مجموعةٌ صغيرة، وتمليها على بقية مكونات الشعب.

هذا ما يحدث أيضًا في الشركات والمصانع التي تتحكم فيها ثلة ممن يجمعهم هدف ربحي معين، بينما يحرّكها العمّال ذوو الأجور القليلة، إذ تنظر إليهم فتراهم كسيزيف يدفعون الحجر إلى القمّة، ولكن قبل أن يبلغ قمة التل، يفلت الحجر ويعود إلى نقطة الصفر ليزيدهم تعبًا وهمومًا.

الاستهلاكية والتمايز الاجتماعي والصحة النفسية والجسدية للمواطن العالمي

يقول كارل ماركس:” إن الدافع من الإنتاج الرأسمالي هو استخراج أكبر كمية ممكنة من فائض القيمة وبالتالي لاستغلال العمالة إلى أقصى حد ممكن”. هذا الاستغلال الذي يثقل كاهل العامل المنتمي عادة إلى طبقة اجتماعية مفقرة أو متوسطة والذي يظهر مغلفًا بقيم رأسمالية، تحثه على الخضوع ومزيد العمل والانضباط وسماع التعليمات باهض الثمن. تدفعه طبقات وعائلات وأفراد دمًا ودموعًا ومرضًا وبأسًا وانتحارًا وأرقًا وتجعله يعيش في دوامة يستعبده فيها المال فلا يخرج منها.

تتضاعف تحت راية هذا النظام العالمي الأمراض النفسية ويكاد يحل الموت محلّ الحياة فنعيش موتى على أمل أن تنفخ فينا روح الحياة يومًا ما. لا أقول هذا لأخيفك فأنا مثلك تمامًا مواطنة عالمية أعيش في هذه الآلة، فتدهسني تارة، وتحط من معنوياتي تارةً أخرى، ولكنّي أحاول أن أدرس معك صيرورةً تاريخية نحن جزء منها.

في هذا الشأن، تتحدث منظمات كبرى وجامعاتٌ معروفة عن أرقام مفزعة تفضح أرقًا يلازم العامل وإحساسًا دائمًا بأن عمله هذا ليس كافيًا لتوفير حياة كريمة وتعرّي خوفًا من تكوين نواةٍ مجتمعية هي الأسرة وهروبًا من كل المسؤوليات، التي تولد ضغوطاتٍ مادية تدفع نحو الإدمان والهجرة غير النظامية والانتحار.

“الدولة التي ترغب في النجاة من أشد الكوارث خطورة وتمزيقاً، لا يجب أن يوجد بين مواطنيها الفقر المدقع ولا الثراء الفاحش، لأن كليهما منتجان للشرور الجسيمة.”

هذا ما كتبه أفلاطون منذ قرون في كتاب القوانين، فظلّ بين صفحات الكتاب ولم يشأ أن يخرج إلينا ويصير حلمًا يعيش بنا وبيننا ومعنا.

اقرأ أيضًا: الهدف واحد وسياسات مختلفة: ما الفرق بين المستعمر الفرنسي والبريطاني في طريقة استغلال المستعمرات؟

0

شاركنا رأيك حول "تعيش الشركات ويفنى الإنسان: انعكاسات الرأسمالية على الأفراد والمجتمعات"