المساعدات الخارجية للصين
0

لقد حدث تحول مذهل في السياسة العالمية للمساعدات الخارجية، حيث انتقلت الصين، في غضون عقود قليلة، من كونها دولة تتلقى المساعدات، إلى كونها واحدة من أكبر الدول المانحة للمساعدات الخارجية الإنمائية.

لكن عندما ننظر إلى المساعدات الإنسانية التي تأتي من الصين، نجد أنها ضئيلة للغاية بالمقارنة مع حجم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لنأخذ إعصار هايان الذي ضرب الفلبين في شهر نوفمبر عام 2013 كمثال، في ذلك الوقت، أعلنت الحكومة الصينية أنها ستقدم مساعدة بقيمة 100 ألف دولار أمريكي فقط، أدى ذلك لإدانة واستهزاء من قبل وسائل الإعلام والمنظمات الدولية.

في هذا السياق، من المفيد فهم كيفية انخراط الصين في جهود العمل الإنساني على مستوى العالم، وما هي معايير انخراطها في العمل الإنساني، وأين توجد فرص للتعاون والاستفادة منها.

العمل الإنساني على الأرض

سعت الصين إلى رسم صورة جيدة أمام دول العالم، فأصبحت تنشط في المجالات المتعلقة بالتجارة والتنمية الاقتصادية، لكنها وضعت الشؤون الإنسانية على هامش عملها. تغير ذلك منذ أن استلم الرئيس الحالي “شي جين بينغ” السلطة، فأصبحت الصين أكثر استعدادًا للمساهمة في مواجهة التحديات الإنسانية، بما في ذلك حالات النزاع، التي اعتادت بالصين تجنبها.

من الأمثلة على ذلك، تعهّد الرئيس شي جين بينغ عام 2017 بتقديم مبلغ 29 مليون دولارٍ أمريكي لدعم اللاجئين السوريين.

ليس هذا فقط، أصبحت الصين تشارك أكثر في الجهود الدولية للحد من تداعيات الكوارث في البلدان الأخرى. فبعد الزلزال الذي ضرب نيبال عام 2015، أرسلت الصين مجموعات شاركت في أعمال الإغاثة. وفي أعقاب انهيار سد توليد الطاقة الكهرومائية في جنوب لاوس عام 2018، أرسلت الصين فريقًا طبيًا عسكريًا لموقع السد، وبعد الزلزال والتسونامي الذي ضرب إندونيسيا عام 2018، ساهمت شركات الاتصالات الصينية في إعادة إصلاح البنية التحتية بالمناطق الأكثر تضررًا، هذه الأمثلة توضح كيف تساهم المؤسسات الحكومية الصينية والجيش الصيني والمؤسسات غير الحكومية في العمل الإنساني، ليس عن طريق المساعدات، بل من خلال المشاركة في العمليات الإنسانية على الأرض.

العمل مع الحكومات بدلًا من المنظمات

لا تزال الصين تفضل التواصل مع الحكومات لتقديم المساعدة، في حين أن معظم الدول المانحة الأخرى تساهم في دعم عمل منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية حول العالم. فإن الصين لديها نظرة خاصة تجاه منظمات العمل الإنساني التي تعمل بصورة منفردة بعيدًا عن سيطرة وإشراف الحكومات، حتى أنّ لديها تحفظات على أنشطة هذه المنظمات في بعض الأماكن. على سبيل المثال، حذّر مندوب الصين في الأمم المتحدة خلال أحد الاجتماعات من أن المنظمات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية يجب أن تلتزم بصرامة بمبادئ العدالة والحياد والموضوعية والاستقلالية في تقديم المساعدة الإنسانية.

إن مساهمات الصين في تمويل العمل الإنساني على مستوى العالم ما تزال متواضعة، فقد أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن الصين قدمت تبرعات إنسانية تقدر بحوالي 128 مليون دولارٍ أمريكي في عام 2017، هذا الرقم يمثل 1% فقط من المساعدات الإنسانية التي قدمتها دول العالم في نفس العام. وقد شكّل أكبر تبرع سنوي تقدمه الصين في تاريخها.

لا يمثل هذه الرقم إلا التبرعات التي قدمتها الصين للمنظمات التابعة للأمم المتحدة، لكن الرقم الفعلي لتبرعات الصين المباشرة لدول العالم قد يكون أكبر من ذلك، فالكثير من المساعدات الصينية تقدم بشكلٍ مباشر للدول وليس عن طريق منظمات الأمم المتحدة.

هذا النهج يجعل من الصعب معرفة القيمة الحقيقية لتبرعات الصين ومساهماتها في العمل الإنساني على مستوى العالم، وقد أثار انتقاداتٍ عديدة كونه نهجًا يفتقر إلى الشفافية.

حالات الطوارئ الناجمة عن أسباب طبيعية

لدى الصين نهج سياسي عام يركز على عدم الانخراط في أي نزاعات دولية أو حروب، ويبدو أن هذا النهج يشمل العمل الإنساني أيضًا، فمعظم التبرعات والمساهمات الإنسانية التي تقدمها الصين تكون للاستجابة لحالات الطوارئ الناجمة عن الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والأعاصير ونقص الغذاء وانتشار الأمراض، في حين تقدم الصين مساعدات محدودة جدًا في أماكن النزاع والصراعات.

السبب الذي يجعل الصين لا ترغب في توجيه جهودها الإنسانية إلى أماكن الصراع هو التأكيد من مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول والدور الذي تلعبه الحكومات في تلك الدول. هذا يخلق معضلةً للصين في حالات الصراع لأن عليها تبرير شرعية مشاركتها دون الإخلال في التزامها بعدم التدخل في الصراعات، لوحظ ذلك في حالات مثل قضية الروهينجا، فالصين لم تقدم أي مساعدات تذكر للاجئين الذين فرّوا من ميانمار.

لا تميّز بين المساعدات الإنسانية والمساعدات الإنمائية

نهج العمل الإنساني الذي تتبعه الصين لا يفرّق بين المساعدات الإنسانية والمساعدات الإنمائية، هذا يختلف بشكلٍ واضح عن المانحين الكبار مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين يفصلون بشكلٍ واضح بين برامج المساعدات والإغاثة في حالات الطوارئ ومشاريع التنمية طويلة الأجل في البلدان النامية. يؤدي عدم وجود خطٍ فاصل بين المساعدات الإنسانية والمساعدات الإنمائية الصينية إلى مزيد من الغموض وغياب الشفافية، وهذا يجعل حجم المساعدات الإنسانية التي تقدمها الصين غير معروف بالمقارنة مع المانحين الكبار الذين يقدمون بيانات واضحة ومفصلة.

ينظر الصينيون أيضًا إلى مبادرة الحزام والطريق كوسيلة لتقديم الدعم الإنساني والتنمية في دول العالم التي تعاني من الأزمات الإنسانية والاقتصادية. الدليل على ذلك أن الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق تحظى بالأولوية في الحصول على المساعدات الإنسانية الصينية.

لا تملك الصين سياسةً إنسانية واضحة

توضح النقاط الرئيسية التي ذكرتها أعلاه معايير العمل الإنساني التي تتبعها الصين، لكن لا يمكن القول إن الصين تملك نهجًا أو سياسة إنسانية واضحة، فهي لا تشارك في المؤتمرات والتجمعات الدولية التي تهدف لتنسيق الجهود الإنسانية، لأنها لا ترغب في تقديم أي التزامات.

من الواضح أنّ الجهود الإنسانية التي قدّمتها الصين خلال السنوات الأخيرة تختلف عن جهودها في الماضي، حين كانت تقدم مساعداتٍ محدودة ومساهماتٍ متواضعة. هذا الدور الإنساني المتزايد مشجع، إلا أنه ليس كافيًا بعد.

الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ومع زيادة حجم اقتصادها وقوتها، يترتب عليها مسؤولية أكبر، يجب على الصين زيادة المساعدات الإنسانية التي تقدمها بحيث تشكل جزءًا من ناتجها المحلي الإجمالي، كما يجب عليها المشاركة بشكل أكبر في المؤتمرات وتقديم التزامات كغيرها من المانحين الكبار.

0

شاركنا رأيك حول "نظرة عامة على العمل الإنساني والمساعدات الخارجية التي تقدمها الصين لدول العالم"