حرب الدلو
3

على مرّ التاريخ الإنسانيّ، وقعت الكثيرُ من الحروبِ والمعارك التي تفاوتت أسبابُها بين اقتصاديةٍ وسياسية. فالتاريخُ البشريّ مليءٌ بالكثيرِ من الحروبِ الدامية، حروبٌ أزهقت الآلافَ بل الملايين من الأرواحِ، ومنها ما استمرّ لسنواتٍ وعقودٍ وحتى قرونٍ طويلة، ولطالما كانت كلمتيْ الخراب والقتل هما العنوانيْن الرئيسيْن لكل تلك الحروب، لكن هل سمعت عن حرب الدلو؟

في مقالي اليوم، سأحكي لكم عنها، وسأحاول بكل ما أوتيت كشفَ اللثام عنِ الوجه الحقيقي للقصّة لنكتشفَ معًا كيفَ بدأت تلك الحرب وما آلت إليه مُجريات الأمور وكيف كان لدلوٍ أن يشعل حربًا ويقتل 2000 شخص. فهل أنتم مُستعدون لخوضِ مُغامرةٍ جديدة داخلَ أغوارِ التاريخ؟

بين مودينا وبولونيا

تحتَ سماءِ إيطاليا وتحديدًا في الشمالِ حيثُ منطقة إقليم إيمليا رومانيا وقعت المدينتان بجِوار بعضهما البعض؛ مودينا وبولونيا. مودينا هي عاصمةُ مُقاطعة مودينا وأقدم تاريخ عرفته البشرية لوجودِها كان في القرنِ الثالث قبل الميلاد وقد كانت مُستعمرة رومانية قديمة تمت مُهاجمتها وإعادة بنائها أكثر من مرة وذلك لأهميتها الاستراتيجية الكبيرة؛ فهي تقعُ على مفترقِ طرق، حيث يحدّها نهران هما نهر سوكا ونهر بانارو ولكنهما لا يمرّان بها.

تتميز مدينة مودينا أيضًا بامتلاكِها لتاريخٍ عريقٍ في صناعةِ السيارات الرياضية الشهيرة مثل فيراري و لامبورجيني وباجاني. وإضافةً إلى ذلك فهي تُعتبر من المدن السياحية الغنيّة بالمباني العريقة والمتاحف، ومن أهمها متحف ”لوتشيانو بافاروتي“، المسمّى باسم واحد من أشهر فناني الأوبرا في العصرِ الحديث. ويعرضُ المتحف مجموعةً من التذكارات والتحف والأزياء وحتى بعض اللقطات من حياتِه الخاصّة.

أما مدينة بولونيا فقد تأسست عام 534 قبل الميلاد على أيدي الأتروسكان، وفي القرن الرابع أُعلنَت كمستعمرة رومانية، وقد سبقت مودينا حين تحولت لبلدية حرة في القرن الحادي عشر، وبعد تاريخٍ طويل يُشبه تاريخ مودينا في الانهيار وإعادة البناء، استقرت أخيرًا وخطت خُطى مودينا نحوَ التميز.

وتتميز بولونيا بجامعتها الأعرق في أوروبا والتي تأسست عام 1800، وقد عُرِفَ عن البولونيين منذ القِدَم انغماسهم في الحياةِ الثقافية، فأعلنت مدينة بولونيا عام 2000 عاصمةً للثقافة الأوروبية. ولكن، لماذا دخلت مدينتان كهاتيْن قديمًا في حربٍ ما؟ وهل كان الدلوُ حقًا هو الفتيلُ لاشتعال نيران الحرب أم أنها مُجرد إشاعة قد وجدت طريقها نحوَ آذان الجميع؟

هل كان الدلوُ هو شرارةُ الحرب الأولى؟

على عكسِ ما يظنه كثيرون، فإن حرب الدلو لم تندلع بسبب دلوٍ بل انتهت إليه. فتخيل معي الآن حربًا غنيمتها دلوٌ؛ نعم دلو!

قد يخطُر ببالك الآن أن هذا الدلو ربما مصنوعٌ من الذهب أو معدنٍ نفيسٍ آخر كالياقوت ولكن ماذا لو أخبرتك أنه مُجرد دلوٌ خشبيّ بسيط ومتواضع؟ وماذا لو قلت لك أن هذه الحرب أيضًا قد تسببت بمقتل أكثر من ألفيْ جندي وقد راح ضحيتها الكثير من الأرواحِ هباءً؟

في بدايةِ القرن الرابع عشر وتحديدًا عام 1325 عانت إيطاليا من توتراتٍ وحروب بشكل متواترٍ على أراضيها بسبب توجهات شعبها السياسية المتعاكسة في أغلب الأحيان، فإيطاليا حينها لم تكن موحدة كما نعهدها اليوم، بل كانت عبارةً عن ولاياتٍ ومقاطعات متفرقة خاضت أحزابها وفصائلها نزاعاتٍ استمر بعضُها لقرونٍ!

وكانت أشهر هذه الأحزاب حِزبيْ الغويليفيين والغيبلينيين. فما هُما؟ وما سرّ الصِراعِ بينهما؟

بدأت الحكاية كلها عندما نشبَ بين الجارتين مودينا وبولونيا خلافٌ صغير أخذ في النمو يومًا بعد يوم، وقد نشب ذلك الخلاف بسبب عدم التوافق بين الانتماءات السياسية لقاطني كل من مودينا وبولونيا. فسُكان بولونيا قد عُرفوا بتأييدهم للبابا والكنيسة وقد سُمي حزبهم بالـغويليفيين، أما سُكان بلدة مودينا فقد عُرف عنهم تأييدهم للإمبراطور وسُمي حزبهم بالغيليبنيين.

ولكن، لماذا يؤيد الحزبُ الأول البابا والآخر الإمبراطور؟ أولَم تكن علاقة البابا مع الأباطرة الرومان مُستقرةً إلى حدٍ كبير؟ في الواقع، لا، فقد كانت هذه العلاقة مشحونةً لأقصى درجة. ولكي تتضح لكَ الصورة أكثر، سنعودُ قليلًا بالتاريخ إلى الوراء وتحديدًا في أوائل القرن التاسع، حينما شهدت أوروبا تزاوجًا سياسيًا بين الكنيسة والإمبراطورية الرومانية.

حيث كان الملك أو الإمبراطور له كل السلطة المدنية، والتي تتمثل في تنظيم الجيوش وتولي مقاليد البلاد، في حين كان للبابا السلطة الروحية أو الدينية. ولم يكن أحد منهما يتدخلُ في حكم الآخر مهما حدث، ولكن الأمر لم يبقَ على حاله مع بدايةِ القرون الوسطى. فدبّت حينها خلافاتٌ كثيرة بين الكنيسة والأباطرة الرومان، وأشهرُها خلاف الإمبراطور هنري الرابع والبابا جريجوري السابع.

وقد أثّر هذا الخلاف على مواقف الشعوب كلها آنذاك، فمنهم من اختار الانحياز للإمبراطور مثل سُكان بلدة مودينا ومنهم من وقف في صف البابا مثل سكان بولونيا، ومن هُنا بدأ الصراع بين البلدتين واستمر لأكثر من ٣ قرونٍ كاملة!

وقد كانت البداية مع معركة فوسالتا التي وقعت أحداثها عام 1249، والتي يُقال في بعض الروايات إن في هذه المعركة سخر سكان بولونيا من سكان مودينا برميهم بحمارٍ حيّ بواسطة منجنيق. وبعدها بحوالي قرنٍ كامل وتحديدًا عام 1325 وقعت معركة أخرى سّميت بمعركة زابولينو وأخذت هذه المعركة موقعها خارجَ أسوار قلعة سيرافالي، التي قرّر سكان مودينا أخذ حصتهم من الحربِ خلالها. فقاموا بالهجوم على القلعة وأسروا سكانها الغويليفيين الذين سرعان ما انقلبوا على بلدتهم الأم وأعلنوا عن ولائهم لآسريهم الغيبلينيين.

تُعتبر هذه المعركة بمثابةِ إحدى أكبر الاشتباكات الميدانية في العصور الوسطى حيث أسفرت عن مقتل ألفيْ جنديّ في ميدان المعركة، ولكن القصة لم تتوقف عند ذلك الحد!

قررت بولونيا بدورِها الانتقامَ من مودينا وفعلتها، فأرسلت جنودها لمحاربتهم وقد بلغ عدد جنودهم ستّة أضعاف جنود مودينا. ولكن الخبرة غلبت العدد وكانت الهزيمة الساحقة من نصيب بولونيا، وإذ بهم يخسرون قلعةً حدودية أخرى من قِلاعهم لصالح جنود مودينا الذين تقدموا بدورهم نحو مركز بلدة بولونيا وحاصروها من كل الجهات، ولكنهم لم يهاجموها بل خيموا أمام أسوار المدينة واحتفلوا لثلاثِ ليالٍ متتالية على سبيل الشماتة من بولونيا.

ولم يكتفوا بهذا، فقد قرروا أثناء مُغادرتهم ألا يرحلوا وأيديهم فارغة، وأخذوا معهم دلوَ بئر المدينة الشهير للسخرية من سكان بولونيا لاستخدامهم أساليب بدائية للحصول على المياه على عكسِ بلدة مودينا المتحضرة. وعُرِضَ الدلو بعدها بكاتدرائية في مودينا ولم يفلح سكان بولونيا منذ ذلك الحين باستعادة دلوهم المسروق، بينما يُحتفظ بالدلو حتى يومنا هذا في برج جيرلاندينا في مودينا ليبقى شاهدًا على كل ما حدث. وفي غضونِ كل ذلك، فقد دوّن التاريخ هذه الحرب كواحدةٍ من أغرب الحروب التي مرت بها البشرية.

ما بعد الحرب

ألفّ الشاعر الإيطاليّ الشهير أليساندرو تاسوني في القرن السابع عشر ملحمةً بطولية بعنوان ”الدلو المسروق“ مُستلهمًا كل كلماته من الأحداث التي جرت في حربِ الدلو.

أخيرًا، هل سبقَ وأن قمتَ بزيارةٍ لمدينة مودينا أو بولونيا؟ ما رأيُك عزيزي القارئ في حربِ الدلو؟ وهل تستحق اختلافاتنا العقائدية أن نشنّ الحروب من أجلها!

اقرأ أيضًا: الزهرة التي قلبت هولندا رأسًا على عقب: ماذا تعرفُ عن جنون التوليب؟

3

شاركنا رأيك حول "حرب الدلو.. كيف كان لدلوٍ خشبي أن يقتل 2000 إنسان!"