اللطف السام في العمل
0

أن تكون شخصًا لطيفًا هو شيء مطلوب منك ككائن حي على سطح هذا الكوكب، كي تؤدي رسالتك في العالم بمحبة وتنشر بعض السلام الذي يحتاجه غيرك، ولكن حتى بالنسبة لك، أو لأي إنسان آخر، اللطافة الزائدة غير مرغوبة، تعطي انطباعًا عنك بأنك منافق نوعًا ما، أو ربما ضعيف الشخصية، فما بالك عندما نتحدث عن “شركة” بأنها ذات ثقافة لطيفة! فقد يكون هذا هو اللّطف السام وبالتأكيد سيؤثر ذلك على النظرة العامة للشركة فضلًا عن تأثيره على ثقافة العمل في الشركة.

ماذا نعني بـ ثقافة الشركة اللطيفة؟

ثقافة الشركة اللطيفة

هل سبق لك وأن حضرت اجتماعًا وشعرت بأنه لم يجرِ كالاجتماعات الاعتيادية؟ لم يكن بالحزم اللازم أو بالحذر اللازم؟ أو لأصوغ لك السؤال بطريقةٍ أخرى: هل شعرت أن الاجتماع كان فيه من اللطافة ما لا يجعله اجتماعًا عمليًا؟ كان الجميع لطيفين وودودين وبشوشين، وكان الاطمئنان يسود الاجتماع، من الجهتين، الجهة المسؤولة ومن جهة الموظفين، ولكنك لاحظت فيما بعد بعض الدردشات والهمس الجانبي والغمزات الخبيثة بين مجموعاتٍ مختلفة من الزملاء بعد الاجتماع.

هذا النوع من التمثيليات للأسف هو أحد بوادر أعراض ما يسمى مرض “الثقافة اللطيفة” في سياسة العمل، أو ما يمكننا تسميته “ثقافة الشركة اللطيفة”، الجميع متفائل وبشوش ويحب الآخر، والأمور على ما يرام، لكن للأسف، ما يحدث هنا ما هو إلا نوع من الصور الخاطئة لأشكال التعاون والأداء العالي، هو لطافة نفسية شكلية ليس إلا، شكل من أشكال التحضّر والانسجام الظاهري على السطح، والذي يخفي تحته في الأعماق خللًا وظيفيًا ناتجًا عن نقصٍ في التواصل الصادق والشجاعة الفكرية، وينتج عنه نقصٌ في الابتكار والجدية والمساءلة، ولذا يمكننا الإطلاق على هذا النوع من اللطف “اللطف السّام”، لأنه ببساطة لطفٌ سيء غير مرغوب.

لماذا تتبنى المنظمات والشركات أحيانًا ثقافة اللطف؟

لا تنبع الثقافة اللطيفة في العمل عن الخُبُث عمومًا، غالبًا ما تكون النية وراء اللطافة حقيقية، لطف حقيقي، يحاول عكس اللطافة الخاصة بعمل الشركة، مثلًا، تحاول بعض المؤسسات الخاصة؛ مثل تلك التعليمية ومراكز الرعاية الصحية، الهيئات الحكومية والمنظمات غير الربحية والتطوعية، تحاول هذه تهيئة جوٍّ أو بيئة زمالة مريحة تنبع من رسالتها في الأصل، فنصف ارتقاء هكذا مؤسسات يأتي من العمل الصافي النقي الذي يعتمد على اللطافة في التعامل، لأن الأغراض الخيرية تميل إلى تعزيز ثقافة الخير، وثقافة الخير تحاكي نشر اللطف.

ولكن هناك بالفعل عدة أسباب تفسّر اتباع القادة والمسؤولين ثقافة اللطف في المنظمات عن عمد:

تجنب المناوشات والصراعات: إما أنك لطيف أو أنت شخصٌ سيء!

يعتقد بعض القادة أن لديهم خيارين فقط فيما يتعلق بالانطباعات الشخصية في عمليات القيادة، إما أن تكون لطيفًا في التعامل أو أن تكون سيئًا ولا خيار ثالث في الموضوع، وبالنسبة لهم، يفضلون بالتأكيد اللطف على الإساءة كانعكاسٍ لرغبتهم في أن يكونوا محبوبين، ولذا يتجنبون الصراعات وبيان الوجه المعارِض، ويظهرون اللطف ثم اللطف فقط، حتى أنهم قد يتصرفون بشكلٍ يتعارض مع طبيعتهم فقط لتجنب الصراعات والحفاظ على الصورة العامة للشركة.

ثقافة اللطف بديلة ثقافة الدمج والشمولية

عندما ترى مجموعاتٍ متنوعة من الموظفين يعملون على أسسٍ منفصلة، كل مجموعة على حِدى، لا تتفاجأ، هذه فلسفة عملٍ غير مُعلنة، “منفصلين ولكن لطيفين”. بمعنى آخر، بدلًا من الشمولية ودمج الجميع في العمل وكثرة الآراء في بيئة العمل والتي لن تُفضي إلى نتائج جيدة فيما يتعلق باتخاذ القرارات، فقط للدلالة على الألفة والتعاون، بدلًا من ذلك، يفصل المدراء الموظفين إلى مجموعات يربط بينها “اللطف في العمل” فقط، فذلك أفضل، ويرفعون شعار “الإنسانية تعني اللطافة بالدرجة الأولى وليس الاندماج”.

الحفاظ على الأمان الوظيفي: إظهار الاحترام المبالغ فيه للقيادات الأعلى

إظهار الاحترام المبالغ فيه

في المؤسسات المبنية على ثقافة الخوف، الخوف من الرتبة الأعلى من رتبتك للحفاظ على كرسيّك الوظيفي، يبدو أن اللطف يعطي شعورًا أكبر بالاستقرار للحفاظ على سلامة الوظيفية، لأنك إذا لم تقم بتصرف يثير غضب أولئك الأعلى منك، فأنت في مأمن، ولا يجب أن تتصرف تصرفًا غبيًا وتتظاهر باللطافة، يجب أن تُعتمد اللطافة كثقافة، ولذا يحاول المدراء وأصحاب العمل أغلب الأحيان توجيه الموظفين لاتباع هكذا ثقافة.

اتباع أصحاب العمل سياسة التحفيز بدلًا من المحاسبة والترهيب

قد يخلق نشر الدفء الشخصي للمدير شيئًا من التأثير في نفس الموظفين لحثّهم على العمل بالعاطفة، نشر الكلمات والابتسامات اللطيفة: شكرًا لكم، لو سمحتم قوموا بعمل كذا، أتمنى أن تفعلوا هذا وذاك..الخ، مع ابتسامة لطيفة، ولكن بالطبع لازالوا بحاجة إلى الوقوع تحت المساءلة بالتأكيد.

عندما يرى الموظفون أن المدير مذعور دائمًا بشأن عملهم ولكنه لا يقابلهم سوى باللطف بغرض التحفيز، للأسف قد يعانقون بعضهم البعض أمامه ولكنهم لن يلتزموا بالعمل، العمل يحتاج المسؤولية والترهيب أحيانًا، واللطف أحيانًا أخرى، بمعنى الشدّ والرّخي.

نعم اللطف قد يكون سامًا وسلبيًا: كيف يؤثر اللطف على عمل الشركات؟

عندما تضع لطافتك في غير محلها، ستؤثر سلبًا على ما تلاطفت من أجله بالفعل، وبالنسبة لمنظمة عمل أو مؤسسة أو شركة، يمكن أن يكون اللطف كارثيًا، لأن العمل يحتاج إلى الحزم أكثر من اللطف، ربما يجب أن تمرّ اللحظات اللطيفة مرور الكرام خلال المحادثات العملية كي تسير الأمور على ما يرام. من أهم ما يمكن أن تسببه اللطافة الزائدة خلال مجال العمل:

خلق الأزمات وتفاقمها

التعامل بلطافة في أمكنة العمل طوال الوقت قد يؤدي إلى شلل في عمليات التحرّك خلال الأزمات، تفقد المؤسسة قدرتها على التحرك السريع والتصرف بشكل استباقي، لأن اللّطف السام أو اللطف المتعمّد هو ما يطغى على المكان، فكيف يمكن للشخص الذي يتصرف طول الوقت بلطافة تامة، أن يصبح إنسانًا آخرًا “حازمًا” خلال لحظات؟

في حادثة أكدت أهمية الابتعاد عن ثقافة الشركة اللطيفة، حدث في جامعة جنوب كاليفورنيا أن استغرق الأمر أكثر من 25 عامًا للاعتراف بادعاءات اعتداء جنسي قام بها طبيب الأمراض النسائية في الحرم الجامعي، الدكتور جورج تيندال، والتي بلغت ذروتها في النهاية بتسوية مادية بقيمة 1.1 مليار دولار قُدمت إلى النساء اللواتي تم الاعتداء عليهن، هل يُعقل؟

بشكلٍ عام، تميل الثقافات اللطيفة في الشركات إلى رعاية المغالطات القائمة على خيارين لا ثالث لهما، طبعًا هكذا يُوهَم الطرف الآخر، إما أن تكون لطيفًا أو حازمًا وتساءل الناس، لذا حتى يسير العمل، تميل الشركات إلى تبني اللطافة لتدارك الكثير من المواقف السيئة.

خنق الابتكار ودفن المواهب بدلًا من استغلالها

جميعنا يعرف أن أي ابتكار جديد سيعطل الوضع الراهن ولو بشكل مؤقت، لأن كل شيء يكون بحاجة تجديد، يحتاج إلى محادثات جماعية وتشعبات في الآراء وتناقضات أيضًا، والأهم، الشجاعة في إعطاء الرأي بدون خوف، وبدون الإحراج من كسر اللطافة، وكل الأعمال تحتاج إلى الابتكار بالطبع. الخوف من كسر حواجز اللطف سيخنق خلق الابتكار، سيكبح هذه العملية وسيجعل من الموهوبين سجناء اللطف، لأنهم ببساطة سيخافون من كشف هوية موهبتهم خوفًا.

خنق الابتكار

اللطافة السامة تقيّد الموهوبين، فهم يريدون مساحة يقدمون فيها موهبة ذات مغزى، يتحدون الوضع الراهن مع القليل من النصائح ممن حولهم من الزملاء بما يمكن تسميته ثقافة العمل الصحي. هم بالفعل يفضلون أن يكونوا في بيئة تدعم الثقافة السامة الاستبدادية التي يخبرهم فيها من حولهم أنهم على خطأ، أو عملهم غير كامل أو يحتاج إلى المزيد من التنقيح، بدلًا من العمل في ثقافةٍ لطيفة سامة يخبرونهم بها أن عملهم رائع ويكذبون عليهم، وفي النهاية، لا يتم أي تقدم في مجال العمل.

البطء في اتخاذ القرارات

ثقافة اللطف تحمل بين طياتها الكثير من اللّين والتروّي للمضي قدمًا في طريق انسجام الفريق، ولكن هذا يتعارض مع سرعة عمليات اتخاذ القرار، يجعلها بطيئة وسطحية، فعندما يكون الفريق معتادًا على اللطف، ولا يحتمل أقل قدر من الصراحة والجدية في العمل، سيعرقل ذلك عملية النقاش، وتصبح ذات نهاية تسعى إلى الإجماع على الرأي بغض النظر عن مدى صحته.

وينتهي الأمر بما يمكن تسميته “العجز المُكتسب”

عندما يكون العجز طبيعي  ناتجًا عما لا يمكننا مقاومته، قد نتعاطف قليلًا أو نبدأ بالتفكير بحلول لذلك العجز، ولكن ماذا عن اكتساب العجز وكأننا نسعى وراءه؟ نعم عندما تعتمد شركة ما اللطف كثقافة تغطي بها ما يجب إصلاحه، ستصل إلى مرحلة الطوفان التي لا يمكن فيها إصلاح شيء، وسيقلّ مستوى الأداء لدى الجميع، ويصل في النهاية إلى مرحلة الركود.

محاربة اللطف السام: محاولة تبني ثقافة الطّيبة بدلًا من ثقافة اللطافة

أتمنى بدايةً أن تكون قد استوعبت معنى اللطافة المنبوذ هنا، وفهمت لمَ هو مكروه في مجال العمل. ولكن يمكنك أن تكون طيبًا بدل من أن تكون لطيفًا؛ بمعنى أن تشمل بيئة العمل حدود الطيبة الممزوجة بجدية العمل، كي لا يصبح المكان مكروهًا، ومن جهة أخرى أن يجري العمل كما هو لازم. أول شخصٍ يمكنه تحديد استراتيجية الشركة هو مديرها، لذا كصاحب الشركة أو المؤسسة، يمكنك اتباع عدة استراتيجيات في سبيل الوصول إلى تلك الموازنة:

الوضوح التام بشأن أيّة خطوة

يغذّي الغموض اللّطف السام بشراسةٍ كبيرة، وينمو دون أن تدري، لذا يجب أن تكون واضحًا جدًا بشأن كل شيء تقريبًا، الاجتماعات شاملة وواضحة، الحالة الحالية للشركة وكيف ستقوم بالنقلة النوعية للوصول للحالة المستقبلية، التوقعات ومعايير الأداء وأنواع الخطوات لكلّ شخصٍ في الشركة، ووضّح للجميع كيف تتوقع أن يعاملوا بعضهم ويحاسب كبيرهم الأقل منه شأنًا، وأخبرهم أنّك تتوقع منهم الصدق الفكري وردود الفعل الصريحة، والأسئلة الصعبة والمناقشات ذات الجدوى، كي لا تنشأ النزاعات، ويأخذ كل ذي حقٍ حقه.

حتى عندما تريد عقد اجتماع، كُن واضحًا بنوعه، هل هو للمناقشة حول الخطط المستقبلية، أم لمناقشة قضية مصيرية والبت فيها، أم لمحاسبة بعض الأشخاص على الانتهاكات التي سببوها في أمرٍ ما. حاول عدم الاحتفاظ بالأمور المصيرية سرًا.

ابدأ من نفسك: تحدّى الوضع الذي صممت على إنشائه بنفسك

بما أنّك من قرر سياسة الصراحة والوضوح، فابدأ من نفسك حتى يوقن الموظفون بما قلته للتوّ، حاول أن توصل لهم أنك تعني كل ما قلته، ولا تتوقع أن يتغلبوا على خوفهم من اتخاذ خطوات لا جدية إذا لم يلمسوا في تصرفاتك شيئًا من الجدية في القرارات، وأسهل طريقة لذلك هي أن تكون أنت المحرك الأول.

يمكنك ببساطة أن تبدأ من نفسك، أن تُخطئ وتظهر لهم أنك أخطأت أي أنهم معرضون للخطأ، وعندما يرون أنك لا تدافع بشراسة عن “الإيجو” الخاص بك، وأنّك تتعلّم من أخطائك وتتقبّل أخطاء الآخر، سيمنحهم ذلك الشجاعة الكافية للبدء.

دعم الصراحة في العمل: توفير غطاء حماية للصريحين

عندما تجد أن هناك من يخالف وجهات النظر قم بدعمه وحمايته، وأشعره أنك ترحّب بما هو جديد لأنك كمدير، عندما يشعر هو بدعمك سيتقدم ويزوّدك بالكثير من الأفكار، ولن يهتم لسخريات مَن حوله مِن زملائه، لا بل سيركّز على إثارة إعجابك من جديد. يجب أن تُشعرهم بالراحة والأمان وأن توفر لهم غطاءً من الحماية عن طريق الشكر الدائم، وبالتالي سيحاول الآخرون أيضًا التركيز على إثارة إعجابك.

الشكر

عالج مشاكل الأداء على الفور.. لا تتغاضَ عنها

قال مارتن لوثر كينغ جونيور في رسالته الشهيرة من سجن برمنغهام: “هناك نوعٌ من التّوتر غير العنيف البنّاء، وهو ضروري للنمو..”

لا يمكنك معالجة مشكلة بالتغاضي عنها، إذا أهملتها فكأنك وضعت حجر أساس للمشاكل الأخرى لتنمو، ستخلق توتراتٍ كثيرة وارتباكاتٍ ستتراكم مع الأيام لتنفجر في وجهك وشركتك. من الضروري محاسبة الموظفين باحترام، فكما هناك مكافأة للعمل الجيد، هناك محاسبة على الأعمال السيئة، لا تتغاضَ عنها.

بيئة العمل من أهم الأساسيات التي قد تصقل مهارات الموظف، أو تفسدها، لذا إذا كنت مديرًا أو مسؤولًا عن عددٍ من الموظفين، أتمنى أن تكون قد فهمت ماذا تعني ثقافة الشركة اللطيفة، وركّزت على النقاط الواجب اتباعها كي لا تقع في فخ اللطافة.

اقرأ أيضًا: كيف يمكنك إقناع مديرك بالعمل من المنزل إلى الأبد دون العودة إلى المكتب 🤓؟

0

شاركنا رأيك حول "اللّطف السام: ثقافة الشركة اللطيفة وما تسببه من خلل وظيفي"