0

إن نظرت إلى السمكة المخاطية، وهي نوع من الأسماك البحرية الطويلة التي تشبه ثعبان البحر وتفرز مادة مخاطية لزجة على جسمها، فإنها لن تستطيع رؤيتك لأنها لا تملك عيونًا، فهي تعيش في قاع البحر وتتحرك بالاعتماد على حاستي الشم واللمس.

لكن الذي صدم علماء الأحياء هي دراسةٌ لأحفورة سمكة مخاطية عمرها 300 مليون سنة، تبين هذه الدراسة أن السمكة كانت تملك عيونًا تستطيع الرؤية بها.

يتحدى هذا الاكتشاف الطريقة التي يفكر بها العلماء حول التطور. فغالبًا ما نفكر في التطور على أنه عملية تطورية تصبح فيها الكائنات الحية أكثر تعقيدًا، لكن الدراسة أثبتت أنه في بعض الحالات، يمكن أن يحدث التطور بشكلٍ معاكس، حيث تفقد الكائنات الحية بعض صفاتها المعقدة، تعرف هذه الحالة باسم التطور العكسي Devolution.

الأسماك المخاطية

يعتقد العلماء أن التطور الذي حصل وأدى إلى فقدان الأسماك المخاطية لعيونها حدث لأن هذه الأسماك تعيش في قاع البحر المظلم، حيث لا يوجد ضوء ولا يمكن الاستفادة من العيون، في هذه الحالة، أصبحت العيون عضوًا غير مفيد أو مفيد في حالات نادرة فقط، فتطورت الأسماك بشكلٍ معاكس وتخلت تدريجيًا عن عيونها من أجل توفير طاقة الجسم. إذ بينت دراسة تم إجراؤها على أسماك الكهف، أن العيون ومعالجة الإشارات البصرية في الدماغ تستهلك حوالي 5 – 17 بالمئة من طاقة الجسم.

قد لا تكون الأسماك المخاطية حالة التطور العكسي الوحيدة التي حصلت، فهناك حالات أخرى يعتقد العلماء أنها مماثلة.

التطور العكسي حرم البطريق الطيران

كانت أسلاف طيور البطريق قادرةً على الطيران، لكنها فقدت القدرة على ذلك منذ زمنٍ بعيد، فقد كشفت دراسة نشرت عام 2013 أن براعة طيور البطريق في السباحة كلفتها قدرتها على الطيران.

فمن خلال التخلي عن الطيران، أصبحت وزن هذه الطيور أكبر، وامتلكت عضلاتٍ قوية تساعدها على السباحة وعظامًا كثيفةً تساعدها على الطفو، كما أن الأجنحة القصيرة أصبحت أكثر صلابة مما جعل قدرتها على الدفع في الماء أقوى، هذا يفسر كيف تسبح طيور البطريق بسرعة كبيرة في الماء.

بالإضافة إلى ذلك، أدت الزيادة في أحجام هذه الطيور إلى جعل أجسامها قادرةً على الاحتفاظ بالحرارة في بيئة القطب الجنوبي الباردة، كما أنها أصبحت قادرة على الغوص لأعماقٍ أكبر مما زاد فرصها في إيجاد الأسماك والكائنات البحرية التي تتغذى عليها.

فقدت طيور البطريق قدرتها على الطيران، لكن ذلك جعلها قادرة على السباحة بسرعة في الماء والغوص لأعماق أكبر

فقدت الثعابين أرجلها

يعتقد الكثير من العلماء أن الثعابين تطورت من سلف يملك أرجلًا أو زعانف عاش قبل ملايين السنين على اليابسة أو في البحر. فمن خلال دراسة أحافير الثعابين التي عاشت على الأرض قبل حوالي 150 مليون سنة، يبدو أنها كانت تملك ما يشبه الأرجل.

كما تمكن العلماء من تحديد جينات مسؤولة عن نمو الأرجل موجودة في أجسام الثعابين الحالية، لكن هذه الجينات معطلة أو متوقفة ولا تعمل لسببٍ ما.

هذا يعني أن الثعابين قد تكون قادرة على تطوير الأرجل كما كانت قبل ملايين السنين، ولا يتطلب حدوث ذلك كثيرًا من الوقت، إذ يمكن أن يحدث بشكلٍ مفاجئ نتيجة طفرة وراثية.

لكن ما هي الميزة التطورية التي اكتسبتها الثعابين بفقدان أرجلها؟

يمكن أن يكون تطور الجسم الطويل بلا أرجل مفيدًا للحياة تحت الماء لأنه سيمكنها من السباحة مثل ثعبان البحر. ويمكن أن يكون مفيدًا أيضًا على اليابسة، ويجعلها قادرة على الصيد تحت الأرض أو الاختباء في الجحور لتجنب الحيوانات المفترسة.

تمتلك الثعابين جينات مسؤولة عن نمو الأرجل، لكن هذه الجينات معطلة لسببٍ ما

فقدت الطيور أسنانها

تطورت الطيور من أسلافها الديناصورات، والتي كانت تملك أسنانًا، لكن الطيور لا تملك أسنانًا، حتى الطيور الجارحة التي تتغذى على اللحوم تملك مناقيرًا حادةً بدلًا من الأسنان.

العلماء ليسوا متأكدين من سبب فقدان الطيور لأسنانها. يعتقد بعضهم أن ذلك حصل لتخفيف الوزن والتكيف مع الطيران، فيما يعتقد آخرون أن ذلك يعود إلى كون المناقير أفضل من الأسنان في التقاط الحشرات أو الحبوب.

في عام 2018، اقترح بحث جديد أن تطور المناقير عند الطيور بدلًا من الأسنان قد حصل لتسريع فقس البيوض، فتكوين الأسنان يمكن أن يستغرق وقتًا أطول من المناقير حين يكون الطائر داخل البيضة، وهذا ما يعرضه أكثر لخطر الافتراس، ومن خلال استبدال الأسنان بالمناقير وتسريع الفقس، يصبح احتمال البقاء على قيد الحياة أكبر.

أهمية مفهوم التطور العكسي

كان العلماء يعتقدون في الماضي أن عملية التطور تتم في اتجاهٍ واحد فقط من الشكل البسيط إلى الأكثر تعقيدًا، لكن بعض الحالات التي تم اكتشافها ودراستها – ومنها الحالات التي ذكرناها في هذا المقال – تثبت أن عملية التطور لا علاقة لها بفكرة التعقيد، بل أنها تهدف إلى جعل الكائن الحي قادرًا على التكيف والتكاثر والعيش بشكلٍ أفضل في البيئة والظروف التي يعيش فيها، وإذا كانت إحدى الصفات التي يملكها الكائن الحي غير مفيدة أو تؤثر سلبًا على قدرته على التكيف مع البيئة، فإنه قد يفقد هذه الصفة تدريجيًا، أي يتطور في اتجاهٍ معاكس من الشكل الأكثر تعقيدًا إلى الشكل الأبسط.

ساهمت هذه الاكتشافات في تغيير طريقة فهمنا لتطور الحياة على كوكب الأرض، وأدت إلى تغيير جذري وهام في علم التطور. يمكننا الآن القول إن عملية الانتقاء الطبيعي هي المسؤولة عن تطور الكائنات الحية، وذلك من خلال انتقاء الكائنات التي تملتك الصفات الأكثر فائدة في البيئة التي تعيش فيها، ويمكن أن تؤدي عملية الانتقاء هذه إلى ظهور صفات جديدة مفيدة وتطورها أو اختفاء صفات قديمة غير مفيدة.

اقرأ أيضًا: مخلوقات يمكنها النجاة من نهاية العالم

0

شاركنا رأيك حول "التطور العكسي: كائنات حية تطورت بشكلٍ معاكس وفقدت بعض صفاتها المعقدة"