أزمة المهاجرين في بيلاروسيا
0

تتفاقم أزمة المهاجرين في  بيلاروسيا، ضحاياها آلاف اليائسين الساعين لدخول الاتحاد الأوروبي عبر الحدود البيلاروسية البولندية، وجدوا أنفسهم كوقود حرب هجينة تستعيد أجواء الحرب الباردة، التي لا شأن لهم بها، هم فقط خرجوا من بلدانهم بحثًا عن فرص حياة أفضل.

تعود بوادر هذه الحرب إلى العام الماضي، عندما لم يعترف الاتحاد الأوروبي بنتائج انتخابات بيلاروسيا، التي جددت كرسي الرئاسة لـ ألكسندر لوكاشينكو، والذي يحكم البلاد بقبضة من حديد منذ عام 1994، ليفرض الاتحاد عقوباتٍ ضد بيلاروسيا، معتبرًا أن الانتخابات طالها التزوير والعنف ضد المعارضة.

حرب “المنطقة الرمادية”

تخوض بيلاروسيا حرب “المنطقة الرمادية”، وهي من الناحية القانونية لا تعتبر حربًا، ذلك أن المنطقة الرمادية هي المسافة الواقعة بين السلام والحرب، لكن ظاهريًا تعتبر حربًا عندما تُقدِم دولة ما على ارتكاب أنشطة من شأنها أن تضر بمصالح دولة أخرى، وهكذا نشهد كيف اختارت أن تلعب بورقة الهجرة كردٍّ منها على عقوبات الاتحاد الأوروبي.

العناد هو من يتسيد هذه الأزمة، وكل الدول المتورطة فيها تتملص من مسؤولتها، هذا من شأنه إثارة مخاوف من أن تتحول في أي لحظة إلى صراع دموي مسلح.

الضحايا فروا من بلدانهم بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية، ليجدوا أنفسهم عالقين في منطقة صراع جيوستراتيجي بين دول تسعى لفرض نفوذها، فاستعملوا المهاجرين، حيث أن الرئيس البيلاروسي يسعى إلى انتزاع  اعتراف من الاتحاد الأوروبي بشخصه كرئيس، وإنهاء العقوبات.

أزمة المهاجرين في بيلاروسيا “مُصطنعة”

يشار إلى أن معظم المهاجرين الضحايا ينحدرون من دول الشرق الأوسط من سوريا والعراق واليمن، ومن دول إفريقية، يعيشون في أوضاع مأساوية تفتقر لأدنى مقومات العيش في برد الشتاء القارس، ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الوفيات في رحلة محفوفة بالمخاطر تنتهي غالبًا بالفشل.

يُعتقد أن ما يفوق 10 مهاجرين لاقوا حتفهم في الغابات الواقعة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، بوابة الاتحاد الأوروبي، كما أصيب العديد منهم بجروح أو عاشوا لعدة أيام بلا طعام أو مياه.

بينما تقوم بيلاروسيا بإخلاء مخيمات المهاجرين ونقلهم إلى مستودع، تعتقل بولندا المتسللين إلى أراضيها. ذُكر أن عددهم نحو 100 شخص فيما أطلقت القوات البولندية الغاز المسيل للدموع على أعداد كبيرة حاولت التسلل. جميع المهاجرين سواءً المتواجدين على هذا الطرف أو ذاك، يواجهون مصيرًا مجهولًا.

رفضت برلين والمفوضية الأوروبية عرض الرئيس البيلاروسي بفتح ممر إنساني لـ ألفي لاجئ نحو ألمانيا، وهو عدد المتواجدين على الحدود البيلاروسية حسبما تزعم حكومة مينسك، فيما ينتشر نحو 7 آلاف على أراضيها.

في المقابل، تعهدت مينسك بالمساعدة في إجلاء من يرغبون بالعودة إلى بلدانهم، لكن مفوضية الاتحاد الأوروبي تعتبر أن الأزمة مصطنعة، وأن بيلاروسيا عليها أن تحمل على عاتقها مسؤولية الاعتناء بالمهاجرين.

تحاول دول الاتحاد الأوروبي، خاصةً فرنسا وألمانيا، تهدئة المشهد بين بيلاروسيا وبولندا من خلال تكثيف المباحثات مع مينسك وكذلك موسكو، حيث بحث الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين إمكانية الوساطة للتواصل مع الجانب البيلاروسي.

تراشق الاتهامات بين بيلاروسيا وبولاندا

تتخوف بولندا من استمرار الأزمة لسنوات، وتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين لدرجة أن تصبح عاجزة على ضبط أنشطة اختراق حدودها، ثم إنها اتهمت بيلاروسيا بتحريض المهاجرين على الاشتباك العنيف مع قوات الأمن البولندية ورشقهم بالحجارة، لكن مينسك ترفض هذه الاتهامات جميعها، وتحمّل المسؤولية إلى دول الغرب، بسبب تدخلاتها العسكرية في الشرق الأوسط.

انتماء بولندا إلى الاتحاد الأوروبي جعلها مقصودة من هذه الأزمة، وقد تشكل محطة عبور لطالبي اللجوء إذا ما أقدمت على فتح حدودها أمامهم، لهذا سارع الاتحاد الأوروبي إلى دعم بولندا متناسيًا الخلافات المتصاعدة بينهما، بعدما قررت المحكمة الدستورية العليا في بولندا أن بعض قوانين الاتحاد لا تتفق مع الدستور البولندي، ما يضع بعض القوانين الأوروبية في مرتبة أدنى من الدستور، وهو ما يعد مخالفة لمعاهدة الاتحاد.

تبخرت طموحات مينسك بدفع الاتحاد الأوروبي للتراجع عن العقوبات، بعدما قرر الاتحاد فرض عقوبات جديدة على هذه الدولة التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي، وخلال قادم الأيام ستفرض على بيلاروسيا عقوبات جديدة على خلفية أزمة المهاجرين، بعد أن أيد وزراء خارجية الدول الأعضاء الخطوة.

وزير خارجية الاتحاد الأوروبي قال: “إن العقوبات الجديدة ستطال عددًا كبيرًا من الأفراد والكيانات لتورطهم في تسهيل العبور غير القانوني لحدود الاتحاد الأوروبي”، ومن المتوقع أن تشمل العقوبات الجديدة نحو 30 مسؤولًا بيلاروسيًا وشركة الطيران الحكومية ووكالات سفر، متهمين بالمساعدة في إيصال المهاجرين إلى الحدود.

يستقوي الرئيس البيلاروسي بروسيا التي تقف وراء هذه الأزمة بلا شك، أما مينسك فليست سوى واجهة لها. لقد هدد لوكاشينكو بالتصعيد في حال فرض مزيدٍ من العقوبات، ويبدو أنه يخطط لإطالة أمد هذه الأزمة، بعدما أعلن عن بدء تشييد مخيم للاجئين على الحدود.

هددت مينسك بوقف تدفق الغاز الروسي الذي يمر عبر ترابها إلى الاتحاد الأوروبي، وهي عملية نظريًا ممكنة، وتعد ورقة ضغط قوية ضد الاتحاد الأوروبي الذي يدرك جيدًا أن حل هذه الأزمة هو بيد موسكو، لهذا سارعت بعض دوله إلى التباحث مع بوتين من أجل حل سريع لهذه الأزمة، لكن روسيا لا تمنح هدايا بلا مقابل، ولن تتدخل لإخماد هذه الحرب الهجينة هكذا مجانًا.

اقرأ أيضا: مستشارة الأزمات.. كيف أثرت ميركل في الاقتصاد الأوروبي؟

0

شاركنا رأيك حول "أزمة المهاجرين في بيلاروسيا.. حرب هجينة ذخيرتها الناس، وروسيا لا تمنح هدايا مجانية"