فجوة المعرفة
0

في عصر السرعة والعلوم المتلاحقة يتوالد كلّ ما هو جديد من رحم العلم على أيدي أفضل العلماء، حيث بدأت صيحات العلوم الجديدة تغزو كلّ مفاصل الحياة وجوانبها، وأصبحت حاجةً ماسّةً لتطوير أساليب العيش وإضفاء لمسات السرعة والتطوّر والحداثة، لتصبّ جميعها في خدمة الجنس البشري وتوسيع آفاقه وحدود معرفته وتسهيل مشاق المعيشة عليه، ولكن في خضمّ هذا التسارع والتسابق في إصدار تلك الكميات المجنونة من المعلومات والحقائق تزداد الهوّة بين العلماء وعامّة الناس لعدم تحمّل طاقتهم الاستيعابيّة والإدراكيّة لهذا الكمّ المخيف من الحقائق والاكتشافات. ورغم محاولات العلماء الحثيثة في تقديم ما يخدم الناس، ما زالت فجوة المعرفة تزداد يومًا بعد يوم، فما السبل إلى ترميمها والتقريب بين الطرفين؟ هذا ما سنتعرّف عليه في مقالتنا.

الأسباب الكامنة وراء فجوة المعرفة بين العلماء والمجتمع

تتنوّع الأسباب التي خلّفت هذه الهوة وفاقمتها، إليك أهمّ الأسباب:

ضعف الثقة

تلعب قلّة الثقة ومحاولات التشكيك الدائم بالعلم وأبحاثه، دورًا كبيرًا في تعزيز الافتراق الحاصل بين الطرفين، من خلال محاولاتها الجهيدة في تسيير عقول الناس والسيطرة عليها، سواءً أكانت مموّلةً ومنظّمةً من شركات عالميّة تتنافس فيما بينها، أو من منظّمات دينيّة تتعارض مع نظريات العلم واكتشافاته. لكن لا بدّ من التأكيد على أنّ جميع أطراف المشكلة يتحمّلون قدرًا من المسؤوليّة، بما في ذلك العلماء والباحثين والمؤسّسات التي تسعى لترويج منتجاتها أكثر من إظهار حقيقة أبحاثها وتجاربها بدقّة وشفافيّة.

ضعف العلماء في استهداف الجمهور والوصول إليه

قد نلاحظ فشل العديد من الباحثين في إيصال اكتشافاتهم للعامّة، إما لنشرهم رسائل علميّة بطرق لا يمكن للمتلّقي فهم ما يرمي إليه الباحث، أو لسوء اختيار الشريحة المستهدفة فتكون الرسالة المطروحة لا تصبّ في فائدة المتلقّين ولا تتقاطع مع احتياجاتهم الحياتيّة.

قلّة المعرفة العلميّة العامّة

تعدّ قلّة المعرفة العامّة وضعف الإدراك والإيمان الأعمى بأيّ بحث ينشر تحت اسم العلم سببًا مهمًا في هذا الشرخ، إذ يمكن لأيّ معلومة مضللّة تشذّ عن أي مبدأ من مبادئ المنطق، أن تسري كالنّار في الهشيم بين أفراد المجتمع وذلك بمجرّد أن تنسب لمصدرٍ علميّ كاذب، يضاف إلى ذلك فقدان الناس لشغف الجدال والمناقشة والتحقّق من كلّ ما تراه أبصارهم ويدخل نطاق وعيهم وإدراكهم.

كيف تجعل بحثك جذّابًا ليشدّ فضول القارئ؟

في البداية يجب أن تختار قصّةً جذّابة، فالمقال الغارق في المصطلحات الغريبة أو المعقّدة والذي يروي قصّةً شديدة الدقّة هو الأقلّ جذبًا للجمهور، وبالتالي لن يثير فيه شعلة الحماس للاطلاع عليه أو الاكتراث لأمره.

تعدّ القصص عمومًا عملة وسائل الإعلام ومحرّكها، وأكثر ما قد يريده الصحفي هو سرد القصص التي تجذب انتباه القرّاء أكثر من كتابته مجرّد تقرير كلاسيكيّ عن اكتشافٍ ما، لأنّ القصص والحكايات ستبقى دائمًا ما يوليه الناس اهتمامهم. لذا إن كنت تريد لبحثك بلوغ القرّاء عليك استخدام لغة سلسلة تتماشى مع أذواق المتلقّين كتبسيط الأرقام مثلًا، وتحديد أفكارك الأساسيّة في بضع نقاط واضحة ومقنعة بعيدًا عن الإطالة، إذ يستطيع الفرد الواحد الاحتفاظ بثلاث إلى خمس أفكار فقط في ذاكرته قصيرة المدى، سننصحك بأخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

  • ركّز على جوهر بحثك واحذر الاستطراد.
  • كن واضحًا ومحدّدًا فيما تريد إيصاله إلى الناس، فتخبّطك بين الأفكار سيجعل الصحفيّين والمتلقّين تائهين أيضًا.
  • يمكنك استخدام نظام المقارنات في قصّتك الخاصّة، إذ قد يساعدك هذا الأسلوب في الوصول إلى شريحة أكبر من الناس.
  • إن كنت تسعى حقًّا للوصول ببحثك إلى صميم حياة الناس، ركّز في سرد قصتك الممتع على المشكلة التي تحاول حلّها، وطرق حلّها، وما الجديد الذي سيضيفه بحثك في سبيل تغيير العالم للأفضل.
  • اتّباع أسلوب التشويق في إظهار النتائج، وكيفيّة جمع العيّنات والتدرّج باختبارها.
  • مخاطبة حواس الناس وخيالهم ومشاعرهم من خلال التحدّث عن روائح التجارب في طيّات أيّامك، وعن خفقان قلبك وأنت تنتظر ظهور النتائج على شاشة الكومبيوتر.
  • اجعل من نفسك جزءًا من القصّة، وأثبت للناس أنّ العلم ليس مجرّد حقائق جامدة بل سبيلًا للمغامرة ومتعة الاستكشاف.

أهميّة امتلاك مهارات التواصل ووسائله للوصول إلى الجمهور

إذا كنت تريد لبحثك الوصول إلى أذهان القرّاء عليك الانتقاء الصحيح لقناة الاتصال التي ستخدم هدفك، كوسائل التواصل الاجتماعيّ أو المجلات أو الصحف.

إنّ نشر أعمالك الخاصّة اليوم عبر وسائل الإعلام التقليديّة أو الرسميّة قد يتطلّب منك بعض التعقيدات والالتزام بالقواعد الرسميّة لمنصّة النشر، وقد يتم تقييد ما عليك نشره وتقديمه.

يلعب الاتّصال الفعّال دورًا مهمًّا لضمان وصول الاكتشافات العلميّة وترجمتها على واقع العالم الحقيقيّ والتأثير فيه، فالعديد من الباحثين يملكون رسائل مهمّة لمشاركتها مع الجمهور لكن غالبًا ما يفتقرون لمهارات التواصل، والموارد اللازمة لإنجاح الجهود المبذولة في سبيل خلق اتّصال مع المحيط، ومن هنا نلتمس أهميّة وضرورة امتلاك الباحث لمهارات التواصل اللازمة لتحقيق أفضل استهداف وتواصل مع المتلقّين، فهو بحاجة لأن يكون ثنائيّ اللغة أي تمكّنه من لغة العلم ولغة الناس العامّة، بالإضافة إلى امتلاكه الذكاء الكافي في اختيار وسيلة التواصل الصحيحة.

اقرأ أيضًا: قبل الوقوع في الفخ.. استراتيجيات تحصينيّة للتعامل مع الاستفزاز من حولنا

دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيّ في تقليص الفجوة المعرفية


يجب أن تتولّى الصّحافة دورًا هامًّا في تقريب المسافات بين العلماء والجمهور وتحقيق التواصل العلميّ الأمثل بينهما، بالإضافة إلى أهميّة دورها كمراقب وحسيب للمعلومات التي تضخّ عبرها. أمّا وسائل التواصل الاجتماعيّ فلعبت دورًا أكبر من الصحافة بإمكانيّتها الهائلة في بثّ كميّات كبيرة من المعلومات وتضخيم المعرفة المتداولة يشكلٍ أسرع، ورغم دورها الإيجابيّ الفعّال قد تكون مكانًا لنشر المعلومات الخاطئة والمضللّة على حدّ سواء، وهذا ما قد يشكّل بحدّ ذاته تحدّيًا آخر للعلماء في مواجهة هستيريا التضليل والدّعايات المفبركة باسمه. مع ذلك تبقى وسائل الإعلام ووسائل التواصل الافتراضيّة الأداة الأفضل لمساعدة العلماء في تحقيق انخراطٍ أعمق في المجتمع، والمساعدة في التغلّب على المفاهيم الخاطئة ومكافحة المعلومات المضللّة والحفاظ على ثقة المجتمع بالبحث العلميّ.

أهميّة ردم الفجوة المعرفية

  • وجود قنوات اتّصال بين العلماء والمجتمع سيساعد في تسريع وتيرة الأبحاث والاكتشافات العلميّة التي تخدم أساليب العيش وتجنّبنا الكثير من المخاطر والكوارث الكبيرة.
  • على المستوى الفرديّ سيتمكّن المواكبين لأحدث المعارف من اتّخاذ قرارات أفضل في حياتهم الشخصيّة والمهنيّة، وعلى الصعيد العالميّ ستتأثّر السياسة بشكلٍ كبير برأي العلم وما يطرحه العلماء.
  • المزيد من الاكتشافات العلميّة ووصولها إلى مستثمريها الفعّالين يعني تحقيق المزيد من الازدهار والإرث الحضاريّ.
  • تصحيح المعارف الخاطئة المتوارثة عبر الأجيال التي قد تكون مؤذيةً للصّحة والمجتمع والاقتصاد، حيث ستمحي الأبحاث والاكتشافات العلميّة ما خلّفه غبار الجهل والشعوذة.

بالطبع كلّ هذه النصائح المنشورة والمساعي المبذولة هدفها الأوّل والأخير إيجاد ما يهوّن الصعاب ويطوّر الحياة. إنّ السّعي لترميم فجوة المعرفة يحمل في طيّاته العديد من وجوه الخير والفائدة على الجنس البشريّ بأكمله.

0

شاركنا رأيك حول "فجوة المعرفة: هوة بين الناس والعلماء.. ومحاولة ردمها بتكذيب وتلفيق العلم"