”لطالما كان فبراير استثنائيًا، يفصلُ بين بردِ الشتاءِ القارس ونسماتِ الربيعِ المتناثرة، ويبقى هو بينهما، بلا ملامحٍ مُحددة“

هل تساءلتَ يومًا لماذا يتكون فبراير من 28 يومًا فقط؟ لماذا هو وحدَه من بين الاثني عشر شهرًا؟ وقد يُجيبني بعضكم الآن قائلًا إن هذا أمرٌ لا يحتاج تفسيرًا، فمثلما يضمّ الأسبوع سبعةَ أيام، واليوم أربع وعشرون ساعةً؛ ولكن يؤسفني أن أخبركم أن للأمرِ تاريخٌ بعيد وهُناك حكايةٌ تُحكى.

ولهذا، في مقالي اليوم أردتُ أن أجيبَ على سؤالي المتكرر وسؤالكم الذي ربما خطر في ذهنكم في ليلةٍ ما من تلك الليالي التي تحفَلُ بأسئلةٍ لا نملك لها أية إجابات.

من أين أتى فبراير؟

الأمرُ كله بدأ عندما أراد الملك الأول لروما- رومولوس- أن يُنشئَ تقويمًا ميلاديًا، رغبةً منه في تنظيمِ كل المناسبات التي كانوا يحتفلون بها خلال العام؛ بدايةً من الأعياد بمختلفِ أنواعها وصولًا للمهرجانات والاحتفالات العامة. كان يُريد أن يُسجّلَ تاريخ كل يومٍ بالتحديد ليتمكّن الرومان من استرجاعِه والاحتفال به مُجددًا في العام الذي يليه، وبدت الفكرة حينها جيدة، ولكن ماذا عن التنفيذ؟

كان الفلكيون الرومان حينَها يمتلكون بعضَ المعلوماتِ البسيطة عن ما يُسمّى بالاعتدالات والانقلابات الشمسيّة، والتي بدورِها تُحدد دورةَ الأرضِ حولَ الشمس، ولكن الأمرَ لم يكن واضحًا تمامًا بالنسبة لهم، ولهذا قرروا أن يستدلوا بالقمرِ لمعرفةِ التواريخ وحفظها مثلما أراد رومولوس.

ومن هُنا، ظهر التقويم القمريّ وأصبحَ شُغلهم الشاغل هو تتبعّ القمرَ ومساراتِه، حتى وصلوا إلى شكلٍ نهائيّ، فأصبح العام يتكون من عشرةِ أشهرٍ فقط، بعضها يتألفُ من ثلاثين يومًا والبعض الآخر من واحد وثلاثين، لتشكل هذه الشهور عامًا كاملًا يحتوي على 304 يومًا؛ يبدأُ من مارس وينتهي في ديسمبر، أي أنّ يناير وفبراير لم يكن لهما وجودٌ حينَها، والسبب على الأرجح هو أن الرومان كانوا يهتمّون بمحاصيل الصيف ولا يُعيرون الشتاء اهتمامًا.

ورَغم أن التقويم القمريّ كان بدايةً لا بأسَ بها، إلا أنه عانى من بعضِ المشكلاتِ التي ظهرت فيما بعد، وكانت من أبرزها هو أن هُناك حوالي 61 يومًا مفقودًا من العام تمامًا، فإذا قمتَ بسؤالِ أحدهم آنذاك بين ديسمبر ومارس: ”في أي شهرٍ نحنُ الآن؟“ لم تكن ستحصل على إجابةٍ سِوى الصمت، لأنه وببساطة تلك الأيام العالِقة لم تكن مُصنفة تبعًا لأي شهرٍ، وكأنها قد سقطت في مُنتصفِ الفراغ.

الرومان والأرقام الزوجية

وهُنا، بدأت الحكاية في اتخاذِ مجرى آخر، فحين تولى الملك- روما بومبوليوس- الحُكمَ قرر أن يتعامل مع الموقف بنوعٍ من الذكاء الذي لا يخلو من الغرابة، فقد كان الرومان قديمًا يؤمنون أن الأرقام الزوجيّة تجلبُ الشؤمَ، ووفقًا لهذا المُعتقد رأى بومبوليوس أن المُعضِلة كلها تكمُن في أن التقويم السابق كان يشملُ بعض الشهور التي تتكون من أرقامٍ زوجيّة.

ولأن كل حاكمٍ جديد يأتي ومعه قواعده الجديدة، قرر بومبوليوس أن يحذفَ يومًا من كل الأشهرِ التي تكونت من 30 يومًا، لتصبحَ الشهور إما 29 يومًا أو 31 يومًا؛ ولم يكتفِ بهذا، بل قرر أن يُضيفَ شهرَيْن آخرين، وهُما بالطبع مثلما خمنتم جميعًا يناير وفبراير. ولكن لماذا؟ لماذا كل هذه الحيرة؟

رغم أن بومبوليوس لم يكن يملك إجابةً واضحةً للسؤال الذي راودنا جميعًا، إلا أنه حاول تفسير الموقف قائلًا أن إضافة شهريْن ستُمكنهم من المُضي مع دورةِ القمر تمامًا بدون أي مشكلة، ولكن ما لم يكن يضعه في الحُسبان هو أن الفلكيين أخبروه أن عدد أيام الدورة القمريّة تُساوي 354 يومًا مما يجعلُ من العام كله فألٌ سيء.

ولأن الأرقام الزوجية كانت تسبب لهم ذُعرًا ٱنذاك، بقى الملك أمام خيارَيْن لا ثالثَ لهما، إما أن يُضحّي بالعام كله أو يُضحّي بشهرٍ واحدٍ ويجعله رقمًا زوجيًا، وهُنا جاء دورُ فبراير من جديد. ولكن القصّة لم تنتهِ عند هذا الحدّ، فكل شيء قد تغير عندما اكتشف الفلكيون أن الفصولَ الأربعة التي تُحدد كل ما يخصّ الزراعة والمحاصيل تتعلقُ بدورةِ الشمسِ لا القمر، وأنّ هذا التقويم الذي وضعه بومبوليوس كان يحيدُ عن الفصول الأربعة بحوالي عشرة أيام.

فباتوا يُضيفون يومًا من هنا ويُنقصون يومًا من هناك حتى يُوافقوا بين الفصول ومواقيت الزراعة، ولكن كل مُحاولاتهم قد باءت بالفشلِ ولم تُحلّ الأزمة سِوى بتولّي الملك يوليوس قيصر مقاليدَ الحُكم عام 49 ق.م. ولأن الحضارات القديمة لطالما كان لها أثر ملحوظ على بعضِها البعض، فقد ظهر ذلك الأثر جليًا بعدما عاد يوليوس قيصر من مصر إلى روما، وعلى وجهِ التحديد ظهر تأثره بالتقويم الشمسيّ الذي اتبعه المصريون القدماء آنذاك.

وقبل أن يحلّ عام 46 ق.م قرر يوليوس أن يلغي التقويم القمريّ تمامًا ويستبدله بالتقويم الشمسيّ، ولكن هل ملأ ذلك كل الثقوب؟ بالطبع لا، فقد قام يوليوس بوضعِ بصمته الخاصّة حيث نقل شهريْ يناير وفبراير من آخر العام لأوله، لتصبح السنة 356 يومًا بالتمام والكمال. ولأن بعضَ التفاصيل الصغيرة قد يكون لها أثر على المدى البعيد، كان يوليوس قيصر هو صاحب فكرة السنة الكبيسة، والتي كان لها دورٌ كبير حتى يومنا هذا.

فبراير والسنة الكبيسة

ولكن ما هي السنة الكبيسة؟ ولماذا تعلقت في أذهاننا جميعًا بشهرِ فبراير؟ أدرك يوليوس قيصر أن السنة تبعًا لدورةِ الأرض حول الشمس تكون 365 يومًا ورُبع اليوم، ورَغم أن في نظر الكثيرين لن يُحدثَ هذا الربع فرقًا كبيرًا، إلا أن يوليوس كان له رأيٌ آخر، حيث أيقنَ أن هذا الرُبع يوم سيؤثر على المدى البعيد على مواسم السنة ومواقيت زراعة المحاصيل، وأن عليه تحرّي الدقة في كل تفصيلةٍ مهما بدت صغيرة. ولهذا، اقترح أن يقوموا بإضافة يومٍ كل أربعة أعوام لشهرٍ ما، وبالطبعِ، التفتت الأنظار نحو فبراير من جديد.

والآن، نُعتبر على مشارفِ أخر فصلٍ في القصّة، وهو تأثير هذه الحكاية على عصرنا الحاليّ، فهُناك أربعة ملايين شخص حول العالم لا يحتفلون بعيدِ ميلادهم إلا كل أربعةِ أعوام؛ ومنهم 187 ألف ولادة مُسجلّة في الولايات المُتحدة الأمريكية فقط. كما يُطلَق على الأطفال الذين يولدون في هذا اليوم ألقابًا مُميزة تختلفُ من دولةٍ لأخرى، فبعض الدول تُطلق عليهم لقبَ ”الواثبون“ أو ”القافزون“ لأنهم قفزوا إلى الدنيا في الفاصلِ بين 28 فبراير و1 مارس.

ويقول دانييل براون -الأستاذ المُشارك في كلية العلوم والتكنولوجيا جامعة نوتنغهام- أنه لو لم نتقيّد بالسنواتِ الكبيسة منذ نحو 750 عامًا فإنّ التقويم الميلاديّ كان سيتوقف عنِ التطابُق مع فصول السنة في نهاية المطاف؛ ورُبما كان سيُصبح حينها أبرد وقت في العام هو يونيو وفي السنة التي تتبعها أغسطس، فلا شيء حينها سيُحدد لنا أشهر الصيف من أشهر الشتاء، ولهذا؛ وبعد كل ما مرّ به التقويم الحالي من تعديلات، فهي كانت تستحق المُعاناة.

وعلى الرَغمِ من أنّ هذا التقويم مُعترفٌ به في مُعظم الدول إلا أن العالم لا يتبع كله التقويم الشمسيّ الذي يتبنّى فكرة السنة الكبيسة، ففي بعضِ المناطق في العالم يتبعُ الناس تقاويم زمنيةً خاصةً بهم، فمثلًا، في الصين تعتمدُ الدولة التقويم الشمسيّ في المُعاملات الرسمية، أما في الحياة اليومية فيُعتبر التقويم القمريّ هو النظام المُتَبع شعبيًا، والذي يقوم على تتبع مراحلَ القمر كما فعل الرومان قديمًا، ويُضاف شهرًا كل ثلاث سنوات.

أشهر الأحداث في فبراير

وعلى الرَغم من أنّ فبراير هو أقصر الشهور، إلا أنه لطالما كان حافلًا بالأعيادِ والمُناسبات المُختلفة على مرّ التاريخ، ولهذا أريدُ أن أصطحبكم معي لنُلقي نظرةً أخيرة على أهم أربعة أحداثٍ تتعلقُ بشهرِ فبراير:

اليوم العالمي للسرطان

هي ظاهرة سنوية أطلِقَت في الرابع من فبراير عام 2011 وهدفها ببساطة هو رفع الوعي حول مخاطر مرض السرطان وطرق الكشف المُبكّر، ويُعتبر مرض السرطان من أكثر الأمراضِ التي تُواجه الإنسان في عصرنا الحالي شراسة.

اليوم العالمي لرفض ختان الإناث

هو يومٌ ترعاهُ اليونيسيف كل عام في السادس من فبراير، وتسعى اليونيسيف لجعل العالم يعي مدى خُطورة ختان الإناث وتعزيز القضاء على ممارسة تلك العادة الشنيعة؛ والتي تتعرضُ لها فتاة كل 15 ثانية في مناطق مُختلفة في العالم.

اليوم العالميّ لداروين

ويُوافق هذا اليوم الثاني عشر من فبراير من كل عام، وهو تاريخ ميلاد تشارلز داروين ويتم الاحتفال به لتخليد ذكرى داروين وتسليط الضوء على إسهاماته في العلم.

الرجل الذي وُلِدَ وتُوفي في ٢٩ فبراير

يُعدّ السير ”جيمس ويلسون“ رئيس وزراء ولاية تسمانيا هو الرجل الوحيد المعروف الذي وُلِدَ وتوفي في يوم ٢٩ فبراير، ما يجعل الأمر مُثيرًا للدهشة!