في 20 أبريل عام 1999، دخل “إريك هاريس” و”ديلان كليبولد” مدرسة كوملبين الثانوية بمدينة ليتلتون في ولاية كولورادو بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد كانا طالبين فيها، وأطلقا النار بطريقة هستيرية على المدرّسين والطلاب الآخرين ما أودى بحياة 13 شخصًا وإصابة 21 آخرين كانوا موجودين وقت الحادث، وبعد حملة الرصاص الهستيرية هذه، أطلق الطالبان النار على نفسيهما وانتحرا. يبدو مشهدًا من فيلم، أليس كذلك؟ هل من الممكن أن يكون أثر التلفاز قويًّا ليدفع مراهقين لتقليد جريمة؟

أثر التلفاز.. من زاوية علم النفس

كان هذا الحادث صاعقًا في الولايات المتحدة وقتها، لكن عند التدقيق في مشهد الجريمة، نلاحظ ارتباطًا وثيقًا بين ما فعله الطالبان ومشاهد الجريمة في السينما، وهذا ما أشار إليه “سكيب داين يونج” في كتابه “السينما وعلم النفس: علاقة لا تنتهي“، فقد رأى أنّ هذين المجرمين المراهقين قد تأثرا بالأفلام السينمائية وذهبا ليُطبقا ما شاهداه دون وعيٍ منهما. وذكر أمثلةً على ذلك، منها:

  • فيلم المصفوفة “The Matrix”، هناك مشهد فيه معاطف مطر سوداء وإطلاق رصاصات دون وعي.. هذا ما فعله المراهقان.
  • يظهر معطف المطر الأسود أيضًا في فيلم يوميات كرة السلة “The Basketball Diaries”، عندما ارتداه مراهق يُدعى جيم واقتحم مدرسته وأطلق الرصاص بهستيرية على المدرسين والطلاب.

ويتساءل سكيب، هل من الممكن أن يكون الطالبان قد تأثرا بهذه الأفلام وطبقا ما شاهداه؟ بنسبة كبيرة، الإجابة هي “نعم”.

أنت ما تأكل.. وأنت ما تشاهد أيضًا

الطعام، روتين صارم، عليك الالتزام به يوميًا وإلا تموت جوعًا. وغالبًا ما يكون للطعام اليد العليا في تحديد مدى صحة جسدك. مثلًا، إذا تناولت طعامًا صحيًا، ستحصل على جسمٍ صحي محمي من الأمراض. والعكس صحيح. نفس الأمر ينطبق على ما تشاهده عيناك سواءً على شاشات التلفاز أو في البيئة المحيطة، لكن بطريقة مختلفة بعض الشيء، حيث يتأثر المرء بالأفكار والمشاعر -أيًا كانت- عندما يتعرّض لها بانتظام.

تمامًا كما يحدث مع الأطفال الصغار. إذا سألتك كيف يتعلّم الأطفال السلوك الصحيح؟ هل من خلال الكلمات والإرشاد فقط؟ أم من توفير الاحتياجات المادية؟ قد يجلس في الصف الواحد طفلان لكنهما مختلفان في السلوك، ويعود ذلك إلى البيئة التي أتى منها كل منهما. لأنّ الأطفال يقلدون ما يشاهدون، ولا يميلون لتنفيذ الأوامر التي يلقيها الآباء والأمهات بقدر ما يقلدونهم دون وعي. وذلك بسبب تكرار الأفكار والمشاعر حولهم بصورة منتظمة، فيترسّخ في وجدان الطفل التصرّف الذي يشاهد والده أو والدته يتخذونه في المواقف المشابهة. ربما ينكر الآباء والأمهات هذا، لكن للعلم رأي آخر..

التلفاز أداة تنويم مغناطيسي فعّالة

أثر التلفاز

“لأن نفسيتك تتشكل مما تشاهد حولك!”

عند مشاهدة التلفاز، تنخفض موجات ألفا، وهي موجات في الدماغ ترتبط بالاسترخاء. وهذا هو الوقت المناسب لمخاطبة اللاوعي، وإدخال أي معلومة جديدة تتلقاها إلى معتقداتك، وتصبح هذه المعلومات جزءًا من ذاكرتك وبالتالي جزءًا من حياتك.

قد تظن أنك أنت المتحكم في الموقف من خلال جهاز التحكم الذي بين يديك، لكن الحقيقة أنك مثل الكمبيوتر، تتم برمجتك وإدخال نظام ومعلومات قد لا تتناسب مع حياتك، وطرد مفاهيم ومعتقدات أخرى مهمة لك، ويحقق المعنى الحرفي لجملة “أنت ما تشاهد”. ما يؤكد ذلك أنّ قوتك الذهنية تعتمد على 90% من اللاوعي و10% من حالة الوعي. ويتأثر اللاوعي بالعاطفة والتكرار، وهذا ما يفعله التلفاز بالضبط.

“عندما نشاهد الأفلام، فإننا نتابع خيط القصة ونغدو مندمجين مع شخوصها بكل جوارحنا”

سكيب يونج

أبسط مثال على ذلك، هو شعورك بعد مشاهدة فيلم كوميدي. ألن تشعر بالإيجابية وروح الدعابة وتضحك للحياة؟ ماذا إذًا عند مشاهدة فيلم رعب؟ ربما ستنام في تلك الليلة تحت الإضاءة وتغلق الغرفة جيدًا وتحرص على أن يكون جسدك كاملًا تحت الغطاء، هذا في حال لم تذهب للنوم بجوار أحد من أهل بيتك بسبب مشاعر الخوف التي تسللت إليك.

رسائل خفية.. كيف يؤثر التلفاز على اللاشعور؟

أثر التلفاز

هل تشاهد إعلانات كوكاكولا أو شيبسي؟ حسنًا، سأعتبر أنك قد شاهدت إعلانات هذه الشركات، حاول تذكّر أي عاملٍ مشترك بين هذه الإعلانات. ربما مثلًا صوت المنتج، كالكوكاكولا أثناء ملء الكوب أو الشيبسي عندما يتناوله شخص ويصدر صوت (القرمشة)، هذه تصرفات مقصودة أثناء التسويق لإثارة الحواس وتحريك اللاشعور ثم الذهاب لشراء المنتج.

الأمر نفسه عند مشاهدة البرامج والأفلام على شاشة التلفاز، حيث يتأثر اللاوعي بما يشاهد المرء ثم يترجمه الوعي. مثلًا، الاعتياد على مشاهدة أفلام الأكشن، تتسلل مشاهد العنف إلى اللاشعور الذي يترجمها بعد ذلك إلى سلوكٍ عنيف يظهر على المشاهد في لحظات الغضب. ربما يكون هذا سببًا منطقيًا لما فعله الطالبان إيريك وديلان عندما ذهبا إلى المدرسة وتسببا في هذه المذبحة.

ويرتفع مستوى اللامبالاة!

تُشير إحدى الدراسات إلى أنّ الأطفال الذين اعتادوا على مشاهدة التلفاز منذ سن صغير، قد شاهدوا نحو 8 آلاف مشهد لجرائم القتل والعنف بحلول سن المراهقة! بينما تشير تقديرات أخرى إلى أنهم قد شاهدوا نحو 200 ألف عمل عنيف على الشاشات بحلول سن الثامنة عشر. ما ينعكس بعد ذلك على سلوكهم العنيف. والأمر لا يتوقف على السلوك العدواني فقط!

أثر التلفاز

أفادت أغلب الدراسات أنّ الأطفال الذين يتعرضون للتلفاز لفترة طويلة، تضعف قدرتهم على الاتصال مع مَن حولهم، فلا يتفهمون مشاعر الآخرين، وتزداد حالة اللامبالاة لديهم. وتضعف قدرتهم على التعلّم أيضًا، نتيجة ضعف نمو المخيخ، وهو منطقة في المخ، يساعد في تنسيق أجزاء الدماغ للعمل بصورة مثالية. حيث يتأثر نمو المخيخ بالتعرض للتلفاز لفتراتٍ طويلة، ما يتعارض مع الظروف الصحية للنمو العصبي، فالأطفال يحتاجون للانطلاق في الهواء الطلق دائمًا، وعند الجلوس لفترات طويلة، ينخفض نشاطهم، ما يؤثر على الصحة العقلية والبدنية فيما بعد.

اختلاط المفاهيم.. ماذا تنتظر عندما يكون البطل مجرمًا؟

ينتشر جدل حول ما إذا كان الممثل “قدوة” أو “ليس قدوة”، فالممثل محبوب وله جماهير تتابعه، مهما كانت الشخصية التي يرتديها في قصص الأفلام والمسلسلات، مهما كانت الشخصية، ظالمة كانت أو مظلومة. سيجد المشاهد ألف عذر للمجرم، لأنه يتعاطف مع الممثل، فضلًا عن قصة العمل نفسه التي قد تحرك الأحداث لصالح البطل المجرم الذي يصبح قدوةً فيما بعد.

ماذا عن معدل الذكاء؟

“قليل من القراءة.. كثير من المشاهدة!”

ينتابني الفضول حول إجابتك للسؤال التالي: أيهما تُفضل، قراءة الروايات أم مشاهدة الأفلام المستندة عليها؟ فكر، فكر، فكر.. أجب.

حسنًا، باعتبار أنك فكرت وتوصلت إلى إجابة. تختلف ميول الناس في هذه المسألة، هناك مَن يرون أن القراءة متعة لا ينبغي تمريرها بسهولة ثم يشاهدون الأفلام، وبعض الناس يفضلون مشاهدة الأفلام دون القراءة، ربما اختصارًا للوقت أو لميولهم نحو المؤثرات البصرية أو غير ذلك من الأسباب المقنعة بالنسبة لهم.

على أي حال، تحتاج فوائد القراءة إلى تقرير آخر حتى أستطيع سردها جيدًا. لكن لا بد من ذكر تأثيرها الواضح على معدل الذكاء. وهذا ما أظهرته الدراسات التي أُجريت في النرويج، حيث اتضح أن معدل ذكاء المواطنين الذين وُلدوا بين عامي 1980 – 2000، قد انخفض مقارنةً بمواليد السنوات التي سبقت 1980. وقد حدث هذا بالتزامن مع الفترة الزمنية التي انتشر فيها التلفاز داخل النرويج.

الجانب الآخر.. لقد تأثرنا بالثلاثي المرح “فلفل ونمنم وخوخة”

عام 1969، صدر برنامج “شارع سمسم”، وهو برنامج تعليمي مُوجه للأطفال دون سن المدرسة بهدف تعليمهم بعض المهارات مثل الحساب والقراءة والكتابة ومعرفة بعض المصطلحات وتطوير بعض المهارات العاطفية للجمهور الصغار. بعد النجاح الهائل لهذا البرنامج، صدرت النسخة العربية منه وهي “عالم سمسم” باللهجة المصرية، وكان أبطاله بعضٌ من الفنانين وشخصيات مرحة أبرزهم فلفل ونمنم وخوخة.

أثر التلفاز

عندما أراد الباحثون معرفة مدى تأثر البشر بالتلفاز، كان “شارع سمسم” نموذجًا ممتازًا لهذا الغرض. حيث أُجريت تجربة على مدار 6 أشهر من نوفمبر 1970 إلى مايو 1971، اشتملت التجربة على مجموعتين من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 3 – 5 سنوات:

  • المجموعة الضابطة (لم يُسمح لهم بمشاهدة البرنامج)
  • المجموعة التجريبية (طُلب منهم مشاهدة البرنامج بانتظام)

خلصت النتائج إلى أنّ المجموعة التجريبية حققت معدل أعلى بـ 5.4 من الذكاء مقارنة بالأخرى الضابطة. إضافة إلى التطور المعرفي الملحوظ لهؤلاء الأطفال الذين شاهدوا البرنامج، فقد حقق البرنامج الهدف المرجو خلال السنتين الأولى من عرضه بنسبة 80% والنسبة المتبقية 20% كانت ترفيهية للأطفال. نفس الأمر على جميع النسخ من برنامج شارع سمسم. لقد تأثر الأطفال في الصبا وتعلموا واكتسبوا المعرفة من خلال مشاهدة هذا البرنامج التعليمي المرح، ما يؤكد فكرة أنت ما تشاهد.

وأخيرًا.. التلفاز، الهاتف، الحاسوب.. إلخ، كل الأدوات التقنية هذه مثل السلاح ذي الحدين، يعتمد تأثيرها بالسلب أو الإيجاب على طريقة استخدامها. هناك قاعدة تقول: “الشيء عندما يزيد عن حده، ينقلب ضده”. الإفراط في تناول الطعام سلوك خاطئ، والإفراط في التدليل أيضًا، وكل شيء يخرج من ميزان المنطق، يصبح خاطئًا، كذلك استخدام التلفاز أو الأدوات التقنية الأخرى دون وعي، وتذكر دائمًا “أنت ما تشاهد”.

المراجع: 12345678910

اقرأ أيضًا: التسويق العاطفي من منظور علمي.. كيف تستهدف الحملات التسويقية مشاعرك لصالحهم؟