الخضوع، هو أكثر الأفعال التي تجعل الإنسان يعيش الخوف بكافة تفاصيله، ومع ذلك قد يتحول الخضوع إلى حالةٍ مطمئنة في اللحظة التي ينسجم فيها المرء مع فكرته، فيغدو تابعًا معرضًا للمساءلة أو خاضعًا لها، وهذا قد يدفعنا للتساؤل حول الأسباب التي تجعل الذات خاضعةً، ويحولها من ذاتٍ فاعلة منطلقة إلى ذاتٍ منهزمة ومتقبّلة لحالة الخضوع للسلطة وراضيةٍ عنها ومستسلمة، وهو ما تناولته الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر في كتابها (الحياة النفسية للسلطة).

تناقش بتلر في كتابها مفهوم الذات الخاضعة لسلطةٍ ما، محاولةً تفسير كيفية انصياع تلك الذات وقبولها وأحيانًا تورطها في خضوعها لسلطة تفقدها هويتها، فكيف تفسر بتلر خضوع الذات للسلطة؟ وما الشكل النفسي الذي تمارسه السلطة على الذات؟ وما الذي يجعل السلطة الخارجة عن الذات شكلًا نفسيًا يكّون الهوية الذاتية للسلطة؟

ينقسم كتاب بتلر إلى ستة فصول تتناول فيها موضوع إخضاع الذات للسلطة من وجهة نظر عددٍ من الفلاسفة وعلماء النفس، وتنطلق في نقاشها من جدلية السيد والعبد للفيلسوف الألماني هيغل، عندما تتحول سلطة السيد التي تبدو في البداية خارج ذات العبد ومسببة للقهر والمعاناة له، إلى جزءٍ من المكون الشخصي والأساسي له، فيبدو الخضوع في هذه الحالة أمرًا طبيعيًا، فذات العبد لا تتبلور إلا من خلال خضوعها اللين للسلطة، تحت مسمى الضمير الضابط والمنظّم لها في مرحلةٍ ما على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي ألتوسير.

الذات شريكة في خضوعها للسلطة

تتمثل ميزة الطرح الذي تقدمه بتلر في النقاش حول إمكانية أن تكون الذات شريكةً في الخضوع الذي تعاني منه، وفي القبول النفسي الذي تستطيع من خلاله التماهي مع السلطة وقبولها، هذا التماهي الذي يبدأ منذ الطفولة الأولى وفقًا لفوكو، الذي يفترض أن الطفل يكون منذ طفولته عرضةً للتبعية والاستغلال نتيجةً للارتباط العاطفي الذي يجعله يقتنع منذ نعومة أظافره أن التبعية لمن نحب شرطٌ في تكوين الذات.

هذا يعني طبعًا وفقًا لبتلر أن السلطة سابقة على الذات ولكنها لا تكتسب جوهرها ووجودها إلا عندما تصبح تحت سيطرة الذات، وهنا تفقد السلطة الأسبقية على الذات ولكنها تؤسس لها، وتجعلها خاضعة لها، ما يجعلنا نربط بين مفهوم السلطة وعلاقتها بالذات مع التحليل النفسي لها، بحيث تبدو أهداف السلطة ليست قمع الذات والسيطرة عليها فحسب، وإنما إعادة تشكيلها أيضًا.

تصل بتلر إلى أن التحليل النيتشوي والهيغلي يجعل الذات تشترك في إخضاعها لذاتها، وهذا يظهر جليًا عندما يتخلى العبد عن جسده ويتعامل معه على أنّه ملكٌ لغيره فيهبه للسيد، ما يعني أن تسعى ذات العبد لتنفيذ ما يطلبه السيد من خلال تفعيل جسد العبد لخدمة السيد، وكأن العبد قد أصبح منتميًا للسيد، انتماءً لا يعترف فيه السيد في البداية، ولكن العبد يستطيع مع الوقت وضع توقيعه الخاص على ما يقوم به، وتُستبدلُ المواقعُ فيصبح العبدُ هو السّيد، وهذا يعني أن السلطة هي الحاكمة، فسواء كانت السلطة للسيد أم تحولت لتصبح بيد العبد، فإن لها الأسبقية التي تجعلها دائمًا الأساس في تكوين الذات.

انقلاب الإرادة على ذاتها

يؤدي انفصال الذات عن الجسد، إلى تحول الجسد لأداةٍ معقدةٍ للقمع والسيطرة، وهذا يتوافق مع منطقِ الإخضاع الهيغيلي والفرويدي كما تشير بتلر، ولا يتوقف الأمر عند ذلك الانفصال الذي يحول الإنسان بجسده ليكون مجرد أداةٍ في أيدي السلطة، فالجسد هنا يخضع لأوامر خارجةٍ عن ذاته، وقد يكون خضوع أنصار الجماعات المتشددة خير دليل على تخلي الإنسان عن جسده، وجعله أداةً لتنفيذ رغبات السلطة.

لا يتوقف الأمر عند هذه النقطة بل تنقلب الإرادة على ذاتها، مع تبلور الضمير الذي يجعل التوبيخ الذاتي المستمر أساسًا في تشكيل الذات، وهذا يضعنا أمام الضمير المثقل بالذنب كما يذهب كلٌ من الفيلسوفين نيتشه وفرويد، هذا الضمير الذي هو غريزة الحرية التي صُيّرت كامنةً بالقوة على حد تعبير نتيشه، وتظهر حريتها في التقييد الذاتي، وفي المتعة المستمدة من الإيلام.

هل الخضوع الذاتي للسلطة مرتبط بالتنظيم الاجتماعي؟

يحدد فرويد المنطق الذي ينتج بموجبه الشعور الاجتماعي بالخضوع للسلطة، فالأنا الاجتماعية تمتلك جانبًا مثاليًا يجعلها تقيّد اللبيدو النرجسي والجنسي عند الفرد، وتعزز الشعور بالذنب لديه ويعمل الضمير مكان المراقب، وكمثال على ذلك يطرح فرويد رفض الأنا للمثلية الجنسية معتبرًا أن هذا الرفض هو عبارة عن كبتٍ للبيدو الجنسي في مقابل سيطرة الأنا الاجتماعية، التي تقرر أنه لا يجوز القبول بمثل هذا الفعل.

كل ما سبق يحولنا إلى التذويت على حد تعبير الفيلسوف فوكو، هذا المصطلح الذي يحمل في طياته عملية التحول لذات خاضعة وعملية الخضوع، وهذا يظهر جليًا في حياة السجين داخل السجن، إذ يتم تشكيل الفرد من خلال هويته الذاتية كسجين، وهذا يعني أنه موضوع تحت الإخضاع الذي يمثّل هيمنةً على الذات وإنتاجًا لها، وهذا ما يمكن تسميته الإنتاج الخطابي للهويات.

الإنتاج الخطابي للهويات يحولنا جميعًا إلى سجناء

ليس ثمة جسدٌ خارج السلطة على حد تعبير بتلر، ألسنا كلنا سجناء؟ أليس التخلي عن ذواتنا والتماهي مع المجتمع سجنًا تصنعه الذات لنفسها وتوافق عليه تحت إطار الانصهار في المجتمع؟ ولكن هل يعني هذا أن على الذات التمرد على المجتمعات التي تعيش ضمنها؟

توافق الذات على السلطة، وتتماهى معها معلنةً بوضوح أنها ستمارس كافة الطقوس المطلوبة لتكون مطواعة، فيبدأ تشكّلها المادي بقدر ما تلتزم بتنفيذ الطقوس المادية للخضوع، فالمؤمن يعتقد أنه بالركوع يقترب أكثر من الخالق، ويضعنا هذا أمام تساؤل هام: هل يمكن اختزال الخالق عند المؤمن في جملة من الطقوس والإيماءات والحركات التكرارية؟

نعم، مع الذات الخاضعة يبدو ذلك ممكنًا، إذ يغدو من المهم أن تؤكد تلك الذات تمسكّها بما يثبت للآخرين أنها ثابتةٌ بإيمانها، فكأن الإيمان يتحوّل ليصبح نوعًا من العرض والإثبات.

لا يتوقف الأمر عند المسائل الإيمانية، بل يتعداه إلى الحب، ففي علاقات الحب، تعتقد الذات أنها تمارس حريةً مطلقة في اختيارها لشريكها، وفي عيش تفاصيل العلاقة معه، ولكنه يتصف من جانب آخر بالقسرية، فالعلاقة مع الآخر تحتاج لضوابط وقواعد تحكمها، وقد تجعل هذه الضوابط في وقت ما من العلاقة قسرية.

كل ما سبق يضعنا أمام فكرة هامة تقولها بتلر: “إن السلطة المفروضة على المرء هي السلطة التي تحث على نشوئه، ويبدو أنه لا مفر من هذه الازدواجية”، فرغم رفضنا الدائم لإمكانية الخضوع، نجد ذواتنا خاضعة بشكلٍ أو بآخر، ويتحوّل هذا الخضوع إلى طريقة لإعادة تشكيل الذات، فيترك حكم الوجود الاجتماعي أثره ودوره في نشوء المرء خاضعًا منصاعًا.

في النتيجة، تبدو الآراء التي تطرحها بتلر مكمّلةً للكثير من النظريات الفلسفية التي حاولت أن تظهر فكرة الخضوع على أنها إمكانية لا مفرّ منها، في واقعٍ تسيطر فيه كافة أنواع السلطات، وربما هذا يضع كل شخصٍ منا أمام تساؤلين مخيفين: إلى أي درجة نحن خاضعون؟ وهل نمتلك القدرة حقًا لتكوين ذواتنا أم أننا مجرد توابع لا قرار لها؟

وتبقى الإجابة لكم..

اقرأ أيضًا: البشر: موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كل شيء للكاتب توم فيليبس.. عن القدرة التخريبية لبني البشر