في قديم الزمان وسالف العصر والأوان وفي كهفٍ عميق ومظلم، يحكي أفلاطون عن مجموعة ولدت وعاشت حياتها كاملة في عتمة هذا المكان وسواده، فلم تعرف النور ولم تذق الحب ولم تركض في حقول الأقحوان والورود. ولدت هذه المجموعة من رحم المأساة ومن جوهر الظلمة وعاشت ملتفتةً إلى الحائط حتى اعتادت عيونها غياب الضوء. وبما أن هذا الكائن البشري المسكين محكومٌ بالتساؤل والتفكير والتفلسف، ومسكونٌ بالحاجة الملحّة لفهم الأشياء، تخيّل هؤلاء الظواهر الطبيعية والعالم المادي والمعنوي دون الاستناد إلى فكرة ثابتة واحدة وظلوا يناقشونها ويفكّرون فيها ثم يتفقون عليها فيؤمنون بصحتها. صوّروا عالمًا موازيًا كانت ملامحه خيالية وأضواؤه صناعية وشمسه مستطيلة لا تغيب.

بعد مدة زمنية قصيرة، شاءت الأقدار أن يخرج أحدهم للنور ويواجه الحياة كما صورتها الطبيعة الأم لا كما صورتها مخيلتهم الجماعية. رأى الأشياء ولمسها وتذوقها وفهم أن العالم أكبر من حائط الكهف ومن أفكار رُسمت عليه وعاد لينقل لهم ما رأى، فواجهوه بالرفض والصد وبنية القتل! أكان من الحكمة إذًا ألا يعود إليهم أم كان من الذكاء أن يوافقهم وينافقهم ويترك الكهف مرةً أخرى؟ ولكن ما الحكمة وما الذكاء وما الفرق بينهما؟ ما علاقتهما بالمعرفة وبالحقيقة وكيف ننال إحداهما إن لم ننلهما معًا؟

الحكمة والذكاء

ماهية الذكاء في الفلسفة

عند فلاسفة الإغريق

كان التفكير في ماهية الذكاء خاصة وفي الميتافيزيقا عامة محورًا أساسيًا في كتابات الكثير من الفلاسفة مثل أرسطو وأفلاطون وصولًا إلى ديكارت وبياجيه وكانط وغيرهم. ولئن تعددت واختلفت الأطروحات، فإنها لم تربطه بالحكمة ولم تخلط بينهما. عرّف المعلّم الأول، أفلاطون، الذكاء باعتباره قوّة أو سلطة نكتسبها شيئًا فشيئًا في مرحلة متقدّمة من العمر وذلك من خلال عملية التعلّم التي تلعب فيها الجدلية دورًا هامًّا.

وقد ابتعد تلميذ سقراط وصديقه عن الروحانيات وعن المسلمات الدينية والمجتمعية قليلًا، ليتحدث لأول مرة في تاريخ البشرية عن نظام حكم يستند إلى الذكاء والكفاءة الفكرية أو ما يصطلح عليه بالميريتوقراطية أو حكم الجدارة، حيث دافع أفلاطون في كتاب الجمهورية عن فكرة الفيلسوف الحاكم الذي يحكم مدينته الفاضلة بسيف الذكاء وقوة الحكمة.

أما أرسطو فقد تطرق في البداية إلى النفس (Psyché) وعرّفها من خلال صفاتٍ ثلاث هي النامية والحاسة والفاعلة العاقلة. ليشير في هذه الصفة الأخيرة إلى الذكاء والقدرة على الخلق والإبداع، ثم واصل الدفاع عن الرابط الوطيد بين الذكاء والسلطة حتى وجدنا مفهومًا حديثًا يلوح في الأفق ويبرز أكثر فأكثر وهو مفهوم سيادة العقل.

الحكمة والذكاء
عند ديكارت وكانط

تواصل التفكير في ماهية الذكاء حتى تجاوز أسوار أثينا ومعابدها. سافر في آلة الزمن وجاب المدن ليصل إلى ديكارت صاحب الكوجيتو “أنا أفكر إذًا أنا موجود”، الذي دافع عن أطروحة صقل الذكاء وتطويره واكتسابه مع الوقت، بعد أن وُزِّع بتساوٍ بين البشر نافيًا بذلك فكرة تقول بأنه هبة سماوية وصفة لا يتحلّى بها الجميع. وقد يتصل هنا معنى الذكاء بمدى قدرة الإنسان على الشك الذي يعتبره ديكارت طريقًا لليقين.

من زاوية قريبة من زاوية الشك الديكارتي، جاء فيلسوف الأخلاق إيمانويل كانط ليقول: “يقاس ذكاء الفرد بمقدار الشكوك التي يمكنه تحملها”. نفهم بتتالي كل هذه الأطروحات والأفكار أنه ما من تعريف واحد للذكاء الذي نختلف في تحديده فلسفيًا، فهل للعلم إجابة واحدة وكافية؟

الحكمة والذكاء

الذكاء من منظورٍ علمي

حين تتوه الفلسفة بين خبايا الروح والجسد والنفس والعقل، يأتي العلم لينقذنا من وطأة التفكير المفرط والقاتل، وقد جاء هنا ليعرّف الذكاء بكونه مجموعة القدرات الإدراكية والعقلية التي تسمح للفرد إنسانًا أو حيوانًا بحل مشكلةٍ ما، أو بالتأقلم مع وضعية وظرفيات معينة. يصنف هذا الذكاء إلى ذكاء عاطفي وذكاء صناعي وذكاء جماعي وآخر لغوي ثم منطقي وتتعدد التسميات وتتضاعف مع مرور الزمن.

الذكاء هو قدرتنا على التعلم والبقاء والابتكار والخروج من الأزمات والمآزق باستخدام أدوات كثيرة منها الحواس والذاكرة والمثابرة. والغباء هو توقفنا عن المحاولة وتركنا لتلك القدرات نتيجةً لعدم تمكّننا من استخدام تلك الأدوات وإهمالنا لها.

يقول العلم باختصارٍ شديد إننا أذكياء، عزيزي القارئ، وأن أجسادنا التي لا نتردد في إيذائها تساعدنا على توظيف هذا الذكاء في تحقيق السعادة والراحة والنجاح ربما، لكن ماذا عن الحكمة يا ترى؟ 

الحكمة والذكاء والحدّ الفاصل بينهما

لا نولد من رحم أنثى ولكننا نولد ونبعث من رحم سؤال. نجيء إلى هذا العالم لنجيب على أسئلة كثيرة ولنحقق أهدافًا لا نعلم إن كانت تستحق كل هذا العناء. نطمح مثلًا أن نكون حكيمين وأن نظلّ صغارًا دون أن نخسر إمكانية كسب حكمة الأجداد. نتساءل عن الأسباب التي تجعلنا أقل منهم حكمةً وعن ماهية هذه الصفة التي لطالما حاولنا الظفر بها.

كالذكاء تمامًا، كتب الفلاسفة عن الحكمة كثيرًا ومدحوها ودعوا إلى البحث عنها دون أن يتفقوا على تعريفٍ واحد لها؛ فسماها الأبيقوريون أتاراكسيا، ووصفوها باعتبارها حالة من الطمأنينة والراحة المطلقة التي توصلك إلى السعادة. لكن رأي ميشيل دي مونتاني كان مختلفًا عن هذا التعريف الأبيقوري وأقرب للواقع؛ إذ لا أحد يكره حالة السعادة ولا أحد يتجنبها ولكننا لا نطمح لسعادةٍ مطلقة وخالصة لأن هذا ضرب من الحلم والخيال.

نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا. نحبها بحلوها ومرها وبمكاسبها وخسائرها وبحزنها وفرحها وهذه هي الحكمة؛ أن تعلم دائمًا أن للحياة جانبٌ مظلم وأن تواجهه بهدوء وتقاومه بقوّة وتنيره بمصابيح المحبة والعقلانية.

تحدث عن هذه الحكمة الكامنة في التصالح مع الوجود والتداوي بالحب وبالفلسفة الأكاديمي الفرنسي “أندريه كونت سبونفيل” في كتابٍ إنساني لطيف عن مونتاني وعن أفكاره، وقد قال في إحدى حواراته بعد نشر هذا العمل أن مونتاني يعلّمنا فن السعادة المتواضعة، أي أن نكون تقريبًا سعداء وهو ما يمثل حالة السعادة الفعلية.

الحكمة والذكاء

لكننا لا نغمض أعيننا لوهلة ثم نفيق لنجد أننا قد تصالحنا مع مكونات الحياة اللئيمة من حزنٍ وكره وغضب بل نخوض آلاف التجارب ونعيش نفس المواقف ملايين المرات لنتعلّم كيف نواجهها. هذا ما جعل الحكمة على صلة وثيقة في أذهاننا بالخبرة وبالعامل العمري.

في هذا السياق، تقول الباحثة في البيولوجيا العصبية تارا سوارت: “الحكمة هي دروس الحياة التي نتعلمها بالتجربة والتي تسجلها خلايانا العصبية لكننا لا نلجأ إليها عن وعي“. وتجيب عن السؤال الذي يبحث عن تفضيل إحدى هذه الصفات عن الأخرى قائلة: “حين يصوغ لك المنطق والذكاء إجابة، تقدم لك الحكمة إجابة أخرى وعليك أن تختار بينهما بمقارنة النتائج المتأتية عنهما“. كما تدعونا إلى التفكير في مصدر هاتين الصفتين كلّما صعب علينا التفريق بينهما، فالحكمة ليست وليدة الوعي والتفكر بينما يولد الذكاء من عملية التفكير وإعمال العقل في نقطة محددة وبوعيٍ شديد.

الذكاء والحكمة صفتان متكاملتان كالجمال واللطف والرقة والقوة واللين والحزم والمثابرة واللين. لا تنفي إحداهما الأخرى ولا تتلألأ نجمة منهما إلّا بوجود رفيقتها.

اقرأ أيضًا: حين يفيض الفن عزلةً: نماذج لموسيقيين وفنانين تشكليين تحولت وحدتهم إلى إبداع مؤلم