الشك هو سِر العلماء والمُخترعين عبر التاريخ، فهو الذي دفع كريستوفر كولومبوس لاكتشاف أمريكا وهو الذي ساعد نيوتن في وضع أساسات علم الفيزياء وهو الذي جعل أينشتاين يقلب العالم الفيزيائي بأفكاره وغيرهم الكثير، وكما قال الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي، رينيه ديكارت:

«أنا أشك إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود»

لذا فإنه يُميز من يتسم بالفطنة عن غيره، ولكن ضمن الحدود، فالمبالغة فيه تجعل الحياة أصعب مما نتخيل، وتجعلنا نخلق عالمًا وهميًا من الأفكار والقضايا غير الموجودة، كالاعتقاد بأن هناك أيدٍ خفية لقوى ذات نوايا سلبية تتلاعب بالأحداث أو المواقف العالمية والمحلية، وهو ما يُسمّى بنظريات المؤامرة، التي باتت تشغل الدنيا وأهلها.

ألم تخبرك جدتك أن الوباء الذي ينتشر في العالم ما هو إلا كذبة وضعها الغرب ليتخلص من عقولنا، أو أن علاجه بعض من أعشاب الحديقة؟ ألم يشك الناس بالقمر وكروية الأرض وهذا وذاك؟ كل شيء جديد هو أرض خصبة لملايين النظريات. ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، بات النقاش في هذه المواضيع أمرًا شائعًا، بل إنه من ميزات المدوِّن الحذِق الذي لا تفوته فائتة، على أيّ حال إن التفكير بنظريات المؤامرة يشمل الجاهل والمُثقف ولا ينأى عن أي أحد، قبل أن نضعك في الاختبار لنعرف إذا كنت ممن يتبع المذهب المؤامراتي، دعنا نكتشف لماذا الناس يصدقون نظريات المؤامرة؟

لماذا يميل بعض الناس إلى تصديق نظريات المؤامرة؟

حسب ديفيد لودن أستاذ في علم النفس، فإن سبب إيمان الناس بنظريات المؤامرة يرجع لإحدى الرغبات الثلاثة الآتية:

الرغبة في المعرفة

إن طبيعتنا البشرية تدفعنا للبحث عن الحقيقة، ولكن معظم الناس يبحث عن الطريق الأقصر والأسهل للمعلومة، لذلك في حال طرأ أمرٌ ما على الكوكب، سواء أكان سياسيًا طبيًا أو أي مجالٍ كان، ستعم التفاسير والآراء عن هذه القضية في الجرائد وقنوات التلفاز والأهم في الإنترنت، وبما إن مواقع التواصل صارت عادة الشعب اليومية، وعلى هذه المواقع تنتشر المعلومات والتحاليل دون حسيب أو رقيب، لذا فخلال تصفُح فلان الفيسبوك سيرى المعلومة المغلوطة هذه ويعتمدها بغض النظر عن المصدر وصحته. وبالإضافة لذلك، فإن المعرفة المُزيفة هذه ستمنحه شعورًا بأنه صاحب المعرفة المتميزة.

فلنأخذ موضوع فيروس كورونا المستجد كمثالٍ لحالتنا، حين انتشر وباء كوفيد، حين كان يُقلِّب فلان في صفحات التواصل الاجتماعي، وجد منشورًا في أحد الصفحات تقول إن الصين وراء ظهور الفيروس، حينها سيشعر بأنّه يملك معلومة معظم الناس يجهلها، وسيبدأ بقراءة الحجج التي تدعم نظريته وهكذا يدخل بحلقة مَعيبة، أساسها رغبته في المعرفة، ولكن الطريقة التي اتَّبعها خذلته.

الرغبة في السيطرة

بحجم حاجتنا للمعرفة نحتاج أيضًا للسيطرة، فمثلًا أغلب الناس يفضلون أن قيادة السيارة بأنفسهم على أن يكونوا من الركاب، وأيضًا نظريات المؤامرة تمنح الناس إحساسًا بالسيطرة والأمن، فهو يعرِف الحقيقة رغمًا عن أنوف من يحاول أن يقنعه بغير ذلك.

حين وجد فُلان أن الفيروس مجرد خدعة، سيرفض أيّة إجراءات احترازية، وسيشعر أنها مزعجة بالنسبة لنمط حياته، ويقوم بالذي هو مقتنع به، وهكذا سيشعر أنه يتصرف كما يحلو له، وهذا النوع من التفكير المُحفَّز هو عنصر أساسي في دعم نظريات المؤامرة.

الرغبة في الانتماء

لا يستطيع الإنسان أن يعيش بمعزل عن أي جماعة أو فكرة يعتنقها، والاقتناع بفكرة غريبة، سيجعل صاحبها يشعر كأنه ينتمي لمجموعة خاصة بهذهِ الفكرة، و أظهرت البحوث أن الأشخاص الذين يشعرون بالتهميش الاجتماعي هم أكثر الناس إيمانًا بنظريات المؤامرة، فها ينمّي لديهم الشعور بالرضا تجاه أنفسهم.

لنفرض أن فلانًا يعاني من مشاكل اجتماعية ولا أصدقاء لديه، ويشعر بأنه مُستبعَد اجتماعيًا، لذا فلديه الوقت لتصفح الإنترنت والدردشة مع الآخرين الذين لديهم معتقدات مماثلة، وهكذا، فإن الإيمان بنظريات المؤامرة يمنحه إحساسًا بالانتماء للمجتمع.

نظريات المؤامرة وكورونا

سمات الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة

حسب دراسة قامت بها أ.كارين دوغلاس -أستاذة في علم النفس الاجتماعي في جامعة كنت- وزملاؤها، لدراسة السمات المُشتركة بين المؤمنين بنظريات المؤامرة، وجدوا أن هناك شخصيات معينة تنجذب لنظريات المؤامرة، وهم :

الشخصيات النرجسية

إن الشعور بأن المعلومات التي يؤمن بها الفرد لا تصل لغيره، ستشعره بالتميُّز والتفرُّد، وبالتالي ذوو الشخصيات النرجسية يميلون إلى الإيمان بنظريات المؤامرة.

الشخصيات القلِقة

إن سبب اتِّباع هؤلاء الأشخاص هذا المذهب من التفكير، هو عدم قدرتهم على التمييز بين الأمر الواقعي والخيالي ويمكن اعتبار عقليتهم شبه الدينية سببًا إضافيًا، كل ذلك يدفعهم للابتعاد والانحياز ضمن جماعات تؤمن بأفكار غريبة عن المجتمع.

المتطرفون

تقول دغولاس إن الأشخاص ذوي الآراء المتطرفة سواءً أكانت الأفكار يمينية أم يسارية يميلون إلى الإيمان بنظريات المؤامرة أكثر، وإلى الآن لا يوجد أيّ ربط بين المعتقدات الأيديولوجيّة ونظريات المؤامرة، ولكن يُعزا السبب هنا، هو أن المنتمين لأحزاب سياسية أو دينية أو غيرها، سيدافعون عن أي حجج أو أفكار تدعم موقفهم حتى لو كانت غير منطقية، وسيفسّرون أي حادثة على أنها تستهدف وجودهم، يمكن أخذ نظرية كيو أنون كمثال لنفس الحالة، وهي نظرية مؤامرة يؤمن بها اليمين الأمريكي المتطرِّف.

مدمنو وسائل التواصل الاجتماعي

كما أن من يتابع مواقع تواصل الاجتماعي بشكل متواصل، وبسبب ما تحمله من أخبار غير موثّقة قد يكون أكثر عرضة للتأثر بأفكار هذه النظريات، وخاصة إذا كان الملف الإخباري جُلهُ من المزاعم السياسية و الأدلة المتنوعة التي تدعم هذه النظريات.

آخرون يميلون إلى نظريات المؤامرة

يمكن أن تشمل هذه القائمة أيضًا، الضعيفون في التفكير النقدي والفضول الاستقصائي ومن يعاني من الاكتئاب، وذلك حسب دراسة أجرتها شونا باوز، وهي طالبة دكتوراه في السنة الرابعة في علم النفس السريري.

رغم الدراسات التي بيَّنت السمات آنفة الذكر، إلا أنه لا يزال من غير الواضح إذا كانت هي سببًا أم نتيجة، فمثلًا قد يكون القلق ناتجًة عن نظريات المؤامرة لا سببًا لها، أي السؤال هو، هل القلق هو من يدفع الناس للإيمان بنظريات المؤامرة أم نظريات المؤامرة تجعل الناس قلقين؟

هل يُعقل أن تكون كل نظريات المؤامرة مُجرَّد نظريات؟

بعصرِ الصحافة والتلفاز والإنترنت، فإن الإشاعات والمعلومات المُضلِلة قد تشكل سلاحًا فعّالًا، لذا قد تكون إحدى نظريات المؤامرة التي قد نستغربها أمرًا حقيقيًا، فالمؤامرات الحقيقة الكبيرة منها والصغيرة موجودة، وتكون خاصة بأحداث عالمية مثل الاغتيال أو الانقلاب، وتُكتشف لاحقًا من قِبل وسائل الإعلام، باستخدام حقائق وأدلة يمكن التحقق منها، فمن كان يتوقع أن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون سيكون وراء فضيحة ووتر جيت، أو أن شركات عالمية للسجائر أخفت دلائل تؤكد وجود مواد كيميائية مسببة للسرطان في السجائر! ولذلك  إذا كانت إحدى نظريات المؤامرة صحيحة فإن النظريات الأخرى قد تبدو ممكنة.

ولكن في المقابل، نتيجًة لوجود العديد من هذه القصص التي جرت بالسر وكُشفت لاحقًا، فإن هذه القضايا تحولت إلى انعدام ثقة واسع النطاق في السلطات والخبراء والأفراد، فعندما يحدث إطلاق نار جماعي في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، من الشائع الآن أن تصر أقلية صاخبة على أن المأساة هي "علم زائف" مصمم لانتزاع الأسلحة من أصحابها في نهاية المطاف.

وكما قال ستيفن حسن:

"الهدف هو ... جعل الناس لا يثقون في أي شيء"

 

كيف تحمي نفسك من حرب المعلومات التي نعيشها؟

لا يمكن تغيير تفكير الشخص وميوله السياسية والدينية بين ليلةٍ وضُحاها، ولكن ما يمكننا فعله هو تحسين قدرته في التعامل مع الأخبار، لذا فإن أهم ما يجب أن تتحلى به، هو القدرة على التفكير النقدي، فكل شخص عُرضة لأن ينحاز لفكرةٍ ما عبر أسلوب شد قوي، ولكن بالقدرة على النقد وتقييم الحقائق والبيانات و متابعة الدلائل سيكون من الصعوبة أن تقتنع بأي نظرية كانت، ويمكنك تحديد عدة مصادر تكون معروفة بموثوقيتها العالية ومصادرها الميدانية، سواءً أكانت قناةً على اليوتيوب أم صفحة أو مجموعة فيسبوك، بحيث يمكنك الرجوع إليها في حال قرأت خبر ما، وحاول تجنُب المواقع ذات الأخبار غير الموثَّقة وذات الصيت السيئ.

وإذا ظللت المشكلة رغم محاولاتك، فأبحث عن طرق لكي تحسن مهارات التأقلم الحالية أو تعلم مهارات جديدة، فمثلًا يمكنك تقوية علاقتك مع عائلتك وأصدقائك وكل من حولك وذلك لتنمّي شعور الانتماء بهم وتبتعد عن أي مجموعات أخرى، وستحتاج أيضًا إلى البحث عمّا يفرحك ويبعد عنك القلق والتوتر، وقد تكون فكرة التطوع ضمن منظمة خيرية جيدة جدًا.

فإذا صادفت خلال تصفُحك على الإنترنت، قصة ما تبدو غريبة لدرجة يصعب تصديقها ولكنها مكتوبة بأسلوب جذب مميز، فإن أول أمر عليك فعله هو افتراض أنها خاطئة وتجنَّب مشاركتها قبل أن تتحقق وتدقق المصادر وترى مدى موثوقيتها، فتذهب إلى المواقع التي تثق بها وتتأكد وتستطيع أيضًا مناقشة القصة هذه مع أصدقائك، مبتعدًا بذلك عن الإنترنت ومشاكله.

اقرأ أيضًا: قد تعتقد أنّك تبدي إعجابك لكنك توجّه إهانة… أشهر الإيماءات ومعانيها المختلفة حول العالم