في بداية كل عام يغمرني شعوران؛ الأول إحباط وخجل ويأس لأنني أنتقل لعامٍ آخر جديد ولم أستطع الالتزام بقرارات العام الماضي، والآخر أمل وتفاؤل وعزم أن هذا العام سيكون مختلفًا وأنّني سألتزم بقراراتي هذه المرة، وفي كل مرة لا أفعل، على الأقل حتى الآن.

أعرف يقينًا أنّك مثلي أو على الأقل 80% ممن يقرأون هذا المقال مثلي، فوفقًا لـ US News، ييأس 80% من الأشخاص من قرارات العام الجديد في منتصف شهر فبراير ويتخلون عنها. وعلى الرغم من أن هذه الإحصائية محزنة، إلا أنّها السبب الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال؛ لأن هذا يعني أن معظمنا يرغب في التغيير ويبحث عن حل، فلم لا نجده معًا؟

 لماذا أعتقد أن الأمر مختلف هذه المرة؟ لأنّي وأنت لن نكون وحيدين، بل سنمضي في طريق التغيير معًا، وهذا ما سندعوه تحدي أراجيك لعام 2022، والأمر الآخر أنّنا لن نضع كل القرارات مرة واحدة لعامٍ بأكمله، بل سنضع قرارات لـ 100 يوم وسنلتقي بعدها لنتفقد إنجازنا على طول هذا الطريق؛ أي سيكون أمامنا 3 فرص لنلتزم مجددًا، ونعطي الأمل لأهداف جديدة بدل أن نلقي بها جميعًا على قائمة واحدة في صراع الأقوى لتموت جميعها بأثر الخيبة والنسيان.

وفقًا لجيمس كلير، مؤلف كتاب العادات الذرية، تبنّي سلوك أو عادة جديدة يحتاج من شهرين إلى ثمانية أشهر، سنمنح نحن كل عادة أو عادتين 3 أشهر، إلى أن نصبح خبراء في التغيير ونكتسب ثقةً بقدرتنا على تحقيق أهدافنا، فنمنح أهدافنا الأخيرة 65 يومًا، وسننجزها!

قبل أن نغوص في تفاصيل خطتنا، لنلقِ نظرة على سبب فشلنا حتى اليوم...

أسباب عدم قدرتنا على الالتزام بقرارات العام الجديد… حتى الآن

هناك عبارة سمعتها في فيلمٍ ما، وعلقت لدي وهي "من الحمق أن تقوم بشيءٍ بالطريقة نفسها وتتوقع نتائج مختلفة"، لذا فإن المفتاح للنجاح هذه المرة يبدأ في التعرف على سبب إخفاقنا في الماضي.

أهداف غير واقعية

وفقًا لـ Statista، فإن أكثر قرارات العام الجديد شيوعًا هي إنقاص الوزن وممارسة الرياضة وتناول طعام صحي. هذه أهداف قابلة للتحقيق، لكن لا يستطيع الكثير منا تحقيقها، والسبب الأول هو التوقعات اللامنطقية، كأن ترغب في فقد 20 كغ عاشت معك لـ 10 سنوات في شهرين أو ثلاثة، سأطرح مثال خسارة الوزن كثيرًا لأنه الهدف الأكثر تكرارًا على قوائم قرارات العام الجديد، أدرك تمامًا أن إعلانًا كاذبًا في قناةٍ ما يدّعي أنّ هذا ممكن، لكن لنفكر معًا بالأرقام:

20 كغ من الدهون تساوي 20*7200 سعرة حرارية، أي 144000 سعرة حرارية. حاجتك للحريرات في اليوم وسطيًا -تبعًا لعوامل كثيرة- تساوي 2000 سعرة حرارية لتستطيع أن تؤدي مهامك، يمكنك تخفيضها بمقدار 500 سعرة حرارية في اليوم دون أن تتوقف عن القدرة على ممارسة يومك بشكلٍ طبيعي. كذلك يمكنك القيام بتمارين رياضية لمدة ساعة لتحرق 500 أخرى، أي يمكنك حرق 1000 سعرة في اليوم بشكلٍ صحي، ما يعني أنّك تحتاج 144 يومًا لتخسر 20 كغ دون أن تضر جسمك، وأي ادّعاء آخر كاذب، فالرياضيات لا تكذب.

إن شئت أن تخسر 20 كغ، أعط نفسك مهلة 5 أشهر من الالتزام، لا تخطط لتخسرها في شهر أو اثنين ثم تلعن حظك أو تكره نفسك لأنك لم تستطع، أخطأت بشيءٍ واحد وهو أنك وضعت هدفًا غير قابل للتحقيق.

أسقط هذه المعطيات على أي هدف آخر، تريد أن تمارس الرياضة، لن تتحول من شخص خامل إلى رياضي بين ليلة وضحاها، تدرّج لتحقيق هدف.

تريد أن تقلع عن السكر، ادرس الأمر وخذ أعراض انسحاب السكر في الحسبان. تريد أن تقلع عن التدخين، اقرأ مقالات ودراسات علمية وتعرّف على أنواع المحفّزات التي تدفعك للتدخين في كل مرة. قبل كل مشروعٍ نقوم به ندرس جدواه ونعد العدة له لنتجنب الإخفاق، فلماذا عندما نقرر الاستثمار في أنفسنا نعتمد على حجر النرد!

نترك مكانها فارغًا، فتعود وتشغله

يكثر طفلك أو أخوك من اللعب على الجوال، عادة سيئة يقوم بها معظم أطفالنا، ما الذي سيحصل لو نزعت الجوال من يده فقط؟ سيبكي ويصرخ، تتجاهله فيتذمر، يرفع صوته وينبطح في الأرض صارخًا حتى تيأس فتعيد إليه الجوال، أو يأتي من يفعل. لكن لو نزعت من يده الجوال واستبدلته بمكعب روبيك أو عرضت عليه اللعب معًا في الحديقة، سينسى الجوال.

كذلك الأمر بالنسبة لنا؛ نريد التوقف عن تناول الوجبات السريعة، فنتوقف يومًا، يومين، ثلاثة ثم يغلبنا الجوع فنرضخ. نقلع عن التدخين ونعيش نفس الروتين، نقف مع ذات الأشخاص في الأماكن نفسها جميعهم ينفثون هباب الدُّخَان في وجوهنا، سنقاوم قليلًا ثم نتعب.

اخلع عنك عادة وارتدِ غيرها، لا تتوقف عن شراء أو إحضار الوجبات السريعة إلى عملك فقط، لكن اشترِ وجباتٍ صحية. لا تتوقف عن التدخين فقط ثم تمسك فنجان القهوة وتتركه يبحث عن شريكه المعتاد، لكن استبدله ببعض المكسرات أو حبات التمر. ببساطة لا تترك للعادة التي أقلعت عنها مكانًا ترجع إليه.

نختار حفنة أهداف وكأنّه بوفيه مفتوح

ما قراراتك للعام الجديد؟ أريد أن أقلع عن التدخين وأركض كل يوم وأقرأ كتابين في الأسبوع و.. إلخ، بالله عليك لو كنت تطالب غيرك بالتغيير هل كنت لتطلب كل هذا مرة واحدة؟ لا ضير أن تغيّر أمرين معًا شرط ألّا يتقاطعا، كأن تقلع عن المأكولات السريعة وتقرأ، لكن لا أن تقلع عن المأكولات السريعة أو التدخين معًا وتقرر الركض كل صباح، كن لطيفًا مع نفسك وخذها بحلمك، يكفيها ألمًا أنّها لن تستيقظ لتدخن أو تفطر قطعة كيك، وتريدها أن تغادر فراشًا دافئًا لتركض في العراء البارد!

اختيار أهداف أو قرارات واقعية وتحقيقها، مهما كانت تبدو بسيطةً، يحسّن شعورنا ويزيد من ثقتنا بقدرتنا على التغيير، فالانتصارات الصغيرة انتصارات، مثل 30 يومًا دون سكر، سيتبعها 30 يومًا بلا نشويات، يتبعها 30 يومًا من ممارسة الرياضة وهكذا..

حجر النرد مجددًا

لا مصباح سحري إلا في روايات علاء الدين، لا تستطيع أن تكتب هدفًا، ثم تستيقظ بعد 10 أشهر لتجده محقّقًا. ابدأ بالإجابة على الأسئلة التالية وبالتدريج:

ماذا أريد؟ أن أخسر 20 كغ، ما الذي علي فعله؟ أقوم بحمية غذائية وأمارس الرياضة. لماذا لم تنجح هذه الخطة سابقًا؟ لأني لم ألتزم. ما الذي سيعينني على الالتزام هذه المرة؟ سأتابع وزني مع أخصائي أو سأبحث عن شريك يريد خسارة وزن ونشجع بعضنا. كم مرة سأمارس الرياضة؟ كيف؟ متى؟... إلخ. خطط لكل خطوة ولا تترك الأمر للفرصة، بل حولها لروتين مع مواعيد وتنبيهات تذكير وابحث عن مكان يقدم أطعمة صحية أو اطبخ أو اطلب من أهلك أن يتّبعوا وصفات مخصصة لك، جد طريقة لتنجح واجعل خطتك محددة قدر الإمكان ثم اتبعها، لا تنس كتابتها، ولا تترك الأمر للصدف.

لا نتتبع التقدم ولا نراجع الخطة

"if you can't measure it, you can't manage it" هذه هي القاعدة ببساطة، وتعني ما لا تستطيع قياسه لا تستطيع إدارته، تتبع تقدمك؛ انتقلت من استهلاك عبوة سجائر في اليوم إلى 3 سجائر في اليوم، إلى اثنتين في الأسبوع.. إلخ، لا تكتب خطة وتنساها.

أنت بحاجة لهذه الخطة لتذكرك بهدفك، ولتقيس انتصاراتك الصغيرة، ولتراجع إن كان هناك خطأ فتعدله. تتبع أشياء مثل طعامك اليومي والقياسات الشهرية ووزنك الأسبوعي. اكتب كل شيء في دفتر ملاحظات أو استخدم تطبيقًا أو جدول بيانات، أيًّا كان ما تجده مناسبًا.

لأننا في الواقع لا نريد هذه الأهداف فعلًا

قد تستغرب هذا السبب، فكيف لك ألّا تريد أن تبدو بمنظرٍ جميل وبصحةٍ أفضل! كيف لك ألّا تريد أن تكسب المزيد من المال في وظيفتك؟

السؤال الفعلي هو هل تريد أن تتوقف عن تناول النشويات والمشروبات الغازية؟ هل تريد أن تنفذ بتمارين المعدة 100 مرة؟ هل أنت على استعداد لتتحمل الصداع ونوبات التوتر كلّما حان موعد سيجارتك المعتادة؟ هل تريد أن تعود من عملك بعد دوامٍ كامل لتحضر دوراتٍ تدريبية وأنت متعب؟

نحن نختار الهدف ونفكر في النتيجة دون أن نأخذ بعين الاعتبار الثمن المطلوب، وتحين لحظة الحقيقة عندما يطلب منا دفع الثمن، ما السعر الذي تستطيع دفعه لقاء هدفك؟ هل يستحق الهدف عندك دفع هذا الثمن؟ إن أجبت بـ "لا" امسح الهدف من قائمتك ولا تعذب نفسك عليه في دائرة الألم، لا يحتاج جميعنا معدة مشدودة.

لتحدد أهدافك بطريقة ذكية، استعن بهذا المقال: عشر خطوات لوضع الأهداف الناجحة

لماذا 100 يوم؟

لأنها المدة الكافية لتصبح العادة روتينًا يوميًا تقوم به بلا جهد أو تفكير، فوفقًا لدراسة أجريت عام 2009، يحتاج الشخص من 18 إلى 254 يومًا لتكوين عادة جديدة. ووسطيًا يحتاج الناس 66 يومًا حتى يصبح السلوك الجديد تلقائيًا. لذا 100 يوم تبدو فترة كافية لتحقق هدفًا أو اثنين وتعتاد نمط حياتك الجديد وتخطط للـ 100 يوم القادمة وأهدافها.

كيف تلتزم لـ 100 يوم؟

1. حدد الأشياء التي عليك القيام بها على مدى الـ 100 يوم لتصل إلى هدفك في نهايتها، فلو كان هدفك تحدث لغة ما يعني ذلك أن عليك تعلم من 6000 إلى 10000 كلمة، لو شئت تحدثها بطلاقة، تحتاج لتعلم من 10000 إلى 15000.

2. جهز قائمة بالإجراءات الأسبوعية في بداية كل أسبوع. يعني لو تابعنا في المثال السابق سيكون نصيب الأسبوع حوالي 700 كلمة، يعني 100 كلمة في اليوم.

3. خطط لما ستقوم به كل يوم في مساء الليلة السابقة، كأن تحدد قائمة الكلمات التي ستتعلمها في اليوم التالي.

4. احتفظ بيوميات لـ 100 يوم. اذكر فيها الإجراءات التي اتخذتها تجاه هدفك اليوم، التقدم الذي أحرزته وشعورك تجاه إنجازك.

قرارات العام الجديد هي طريقتنا في الإقبال على الحياة، التطور ضروري وحتمي وهو من المسلمات التي تقوم بها الشركات لأنها إن لم تفعل لن تنمو، لن تتطور ولن تواكب تقدم الحياة، استثمر في نفسك كما تستثمر في شركة ليست لك. اختر هدفًا أو هدفين بسيطين وابدأ بهما، وعد إلينا بعد 100 يوم وأخبرنا بإنجازك وأنت تشعر بالفخر، ويحق لك ذلك.