"أنا على قناعة تامة بأنّ الله لا يلعب النرد"

هذه العبارة الشهيرة، قالها "ألبرت آينشتاين" ردًا على "ماكس بورن" عام 1926، أثناء نقاشِهما حول نظرية الكم. ما شغل آينشتاين عن اكتشاف الثقوب السوداء، لقد كان غير مقتنع بوجودها، بالرغم من أنّ الفضل لاكتشافها يرجع إلى نظريته النسبية العامة. حيث بدأ الصراع بين اثنين من أكبر النظريات الفيزيائية خلال القرن الماضي، كان لكل واحدة منهما تفسيراتها المقنعة، لكنهما لا تجتمعان أبدًا. هاتان النظريتان هما: ميكانيكا الكم والنسبية العامة لآينشتاين.

تساؤلات كثيرة ومثيرة حولهما، أولهما، ما هما النظريتان من الأساس؟ كيف تعملان؟ ما سر كل هذا الجدل حولهما؟ هل تستحقان هذا الاهتمام؟ لماذا أمضى آينشتاين آخر 30 سنة من حياته مهتمًا بهما؟  لحظة! ما علاقة كل هذا بعبارة "الله لا يلعب النرد"؟

بداية القصة.. 

بينما كان السيد "إسحاق نيوتن" يجلس تحت شجرة بالقرب من منزله في إنجلترا، سقطت تفاحة. في مثل هذه الحالات، عادةً ما يكون مصير هذه التفاحة الاستقرار في معدة الشخص الذي وجدها، لكن من حظها أنها سقطت أمام واحد من أهم فلاسفة الطبيعة وقتها، وأحد أهم عباقرة التاريخ الذي تأملها وطرح عدة أسئلة، منها: لماذا سقطت التفاحة للأسفل ولم ترتفع للأعلى؟ وكان الرد على هذا السؤال هو قانون الجاذبية لنيوتن الذي أحدث ضجةً علمية وقتها، ونزع العلم من حظيرة الفلسفة دون قصد! وهذه قصة أخرى كنت قد تناولتها في تقرير سابق. 

(قبل استكمال الشرح، أود التنويه إلى أنّ قصة نيوتن والتفاحة ليست حقيقية، إنها خيالية، ولكنها شائعة.) 

تفاحة نيوتن

حسنًا، لنُكمل القصة، في ذلك الوقت، وضع نيوتن قوانين غاية في الدقة، وما زلنا نستخدمها حتى اليوم، والمذهل هو أنه أوجد قوانين توّحد الأرض وما حولها في الكون الفسيح، لكن مع ذلك، فهو لم يوضّح كيف تعمل الجاذبية بدقة. مثلًا، وفقًا لقوانين نيوتن، فالأرض تدور حول الشمس، لأنّ جاذبية الشمس أقوى، أي أنّ هناك قوة جاذبية تصدر من الشمس. ما ترك العديد من الأسئلة في الساحة، حتى جاء شاب يُدعى "ألبرت"، يعمل أمين مكتبة في سويسرا وفجرّ فكرة جديدة فريدة… 

ميلاد النسبية العامة 

لم يقتنع آينشتاين بفكرة خروج جاذبية من الشمس تشد الأرض وغيرها من الأجسام الفضائية نحوها دونًا عن سواها. وشكك في نظرية نيوتن، بالرغم من أنّ قوانين نيوتن ما زالت تعمل جيدًا حتى يومنا هذا، لكن كان هناك شيءٌ ناقص، وهذا ما توّصل إليه آينشتاين، فقد افترض أنّ سرعة الضوء هي أقصى سرعة في الكون، وتُقدر بنحو 300 ألف كيلومتر / ثانية، لذلك يصلنا ضوء الشمس بعد مرور 8 دقائق، بسبب المسافة بين الأرض والشمس. لكن كيف يمكن إثبات ذلك؟ 

هل سمعت من قبل عن الزمكان؟ إنه مصطلح علمي منتشر، لتبسيط فكرته، أحضر نسيجًا أو قطعة قماش وكرة، ضع الكرة فوق النسيج، ماذا ستُلاحظ؟ نعم، بالضبط، أقصد هذه الانحناءات التي ستظهر حول الكرة عندما تحتل مركز قطعة القماش أو النسيج. بعد ذلك، أحضر مجموعة من الكرات الصغيرة وضعها على حافة النسيج واتركها ثم لاحظ. ستجد الكرات الصغيرة تتحرك حول الكرة الكبيرة حتى تقترب منها. توقف هنا. والآن، أطلب منك إزالة الكرة الكبيرة في المنتصف، ماذا سيحدث؟ 

بالطبع ستتحرك هذه الكرات بصورة عشوائية، وقد تصطدم ببعضها، لكن أريد منك تركيزًا أكبر، قبل تحرك هذه الكرات عشوائيًا، هل تلاحظ أنّ هناك زمنًا فاصلًا بين إزالة الكرة الكبيرة وبدء الكرات الصغيرة في الحركة العشوائية؟ حتى إذا كان هذا الزمن قصيرًا جدًا في حالتنا هذه، إننا نتحدث عن نطاق ضيق، قد يكون (مترًا × متر)، ما يفسر لماذا الزمن الفاصل بين إزالة الكرة الكبيرة واصطدام الكرات الصغيرة قصير لدرجة قد لا تُلاحظ. 

أتفهم اندماجك مع المثال السابق، لكن لنعد إلى موضوعنا، لا بد وأنك قد فهمت أنني أعني بالكرة الكبيرة الشمس، والكرات الصغيرة، تشير إلى الكواكب والأجسام الفضائية الأخرى، أما عن النسيج، إنه النسيج الكوني. ما فعله آينشتاين، هو إضافة بُعد رابع (لكن مهلًا، ما المقصود بالبُعد الرابع؟) بينما انتشر مفهوم الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والارتفاع، وضع آينشتاين البُعد الرابع وهو الزمن، ومن هنا جاء مصطلح الزمكان. وأطلق على نظريته النسبية العامة. وعندما حاول تبسيطها قال:

"عندما تجلس إلى فتاة جميلة، فالساعة تمر مثل ثانية، وعندما تجلس على سطح ملتهب، فالثانية تمر مثل ساعة، هذه هي النسبية"

لذلك، تسمى بالنسبية، فالزمن فيها نسبي، ما يفسر تباطؤ الزمن الذي فسرته نظريته عند الثقب الأسود، فإذا افترضنا اقتراب سفينة من ثقب أسود، ونراقبها من بعيد، ستظهر لنا وكأنها واقفة، لكنها في الحقيقة تفتت إلى جسيمات متناهية الصغر في نفس الوقت! وبذلك، استطاعت النسبية العامة تفسير حركة الأجسام الفضائية على الزمكان ومجالات الجاذبية، كما أعطت مفهومًا واضحًا عن تباطؤ الزمن والسفر عبر الزمن وأشياء أخرى يطول شرحها. 

وجاءت ميكانيكا الكم لتخطف الأضواء 

لم تكن ميكانيكا الكم معروفة حتى بدايات القرن العشرين، حيث كان تركيز العلماء على النطاقات الكبيرة مثل الكون، وقد طغت نظرية نيوتن، ما جعلها في المقدمة لقرنين من الزمان حتى جاءت النسبية العامة التي قدمت الزمكان وانحناءاته. من هذا نستنتج أنّ العلماء لم يركزوا على مستوى الذرة مثلما فعلوا على مستوى الكون، ما جعلهم يغفلون عن ميكانيكا الكم لفترة غير قصيرة. 

في عام 1921، حصل آينشتاين على جائزة نوبل في الفيزياء، ما وجه أنظار العالم نحوه، لكن سرعان ما جاء علماء مثل "نيلز بور" و"هايزنبرج" و"شرودنجر" بفكرة ميكانيكا الكم، والتي تقول أنّ الذرة ليست أصغر جسيم كما يعتقد العلماء، بل هناك جسيمات دون ذرية مثل النيوترونات والإلكترونات والبروتونات والكوركات وغيرهم. وافترضوا أنّ هذه الجسيمات لها سلوك مختلف، وتعتمد على الاحتمالات. عندما أدرك آينشتاين هذه النظرية، دخل في نقاش حاد مع العلماء، وفي إحدى نقاشاته مع ماكس بورن قال: 

"أنا على قناعة تامة بأنّ الله لا يلعب النرد"

وهنا يستبعد آينشتاين فكرة الاحتمالات التي يتحدث عنها هؤلاء العلماء، فحسب نظريتهم، إذا افترضنا أنّ هناك جسيمًا دون ذري "أ" وآخر "ب"، كلاهما داخل ذرة ما. وبافتراض أنّ هذه الذرة مقسمة إلى منطقتين بألوان: أحمر وأزرق. فإنه قد يكون الجسيم "أ" في المنطقة الحمراء أو الزرقاء بنسب متساوية، أي 50%، نفس الأمر بالنسبة للجسيم "ب"، والأدهى، أنّ احتمال عدم وجود أي جسم منهما أصلًا متاح أيضًا! وهذا مبدأ الشك أو عدم اليقين لهايزنبرج، الذي يدعو للاحتمالية أكثر من الحتمية. ويقول نفس المبدأ أنه لا يمكن تحديد سرعة وموقع الجسيم معًا! فقط واحد منهما. وكل هذا لم يُقنع آينشتاين، وقال عبارته الشهيرة، ما جعل "نيلز بور" يرد ضاحكًا، وقال: 

"آينشتاين..توقف عن إخبار الله، بما يجب عليه فعله"

وفيما بعد، استطاع مؤيدو ميكانيكا الكم أن يأكدوا صحة نظريتهم، وأثبتوا أنّ آينشتاين كان على خطأ، وبدأ الجميع - بمن فيهم آينشتاين - التفكير في طريقة لتوحيد هذه النظريات، للوصول إلى نظرية توّحد الكون. 

اصطدام أطلق شرارة معركة الكون 

ميكانيكا الكم ونظرية النسبية

مستويات مختلفة..بين الذرة والكون

تفسر النسبية العامة ما يحدث على مستوى النطاقات الكبيرة بدءًا من النجوم والأجرام السماوية والمجرات المختلفة وصولًا للكون بأكمله. من ناحية أخرى، تستطيع ميكانيكا الكم وصف ما يحدث على مستوى الذرة، مثال على ذلك ما يحدث عندما تتحلل ذرة عنصر اليورانيوم (وهو مشع) أو اصطدام فوتونات الضوء بالخلية الشمسية. 

الكون.. بين العشوائية والنظام الصارم 

عندما كنا صغارًا وندرس كواكب المجموعة الشمسية، كنا نُذهل من دقة النظام الذي يسير به الكون، وهذا ما تؤيده نظرية النسبية العامة، التي ترى كل شيء منظمًا، على عكس ميكانيكا الكم التي تضع مجموعة من الاحتمالات لكل شيء، ما يجعل الكون عشوائيًا، بلا نظام. وكأن كل نظرية منهما تفسر كونًا مختلفًا! 

لا يمكن تطبيق قوانين كل نظرية منهما على الأخرى

تخاطب نظرية النسبية الكون الكبير، وعند محاولة تطبيق قوانينها على المستوى الكمي، تصبح النتائج لا نهائية وتعجز عن وصف الجاذبية على هذا المستوى الصغير للغاية. (لاحظ أننا نتحدث على مستوى الذرة التي لا تُرى بالعين المجردة) 

في نفس الوقت، تُركز ميكانيكا الكم على الحقول الكمية الضئيلة للغاية، لكن عند تطبيقها على أبعاد كونية مجنونة الحجم، يختلف الأمر تمامًا. 

وفقًا لقانون آينشتاين E=mc^2 (حيث E، تُمثل الطاقة. M، وهي الكتلة. C، سرعة الضوء في الفراغ) وهناك علاقة طردية بين الكتلة والطاقة، أي أنه، كلما زادت الكتلة، ازدادت الطاقة والعكس صحيح. حسنًا، ركز معي في الآتي.. 

بافتراض أنّ حجم الحقل الكمومي كبير إلى حد ما، وازدادت كمية الطاقة فيه، كذلك الكتلة. إذا زادت الطاقة عن حد معين، ينحني الزمكان على نفسه مشكلًا ثقبًا أسودًا، ويمتلئ الكون بالثقوب السوداء. (يا للهول!)

إحداهما سلسة والأخرى مشاكسة 

تتمتع نظرية النسبية العامة باعتمادها على الأسباب المنطقية، ما يجعلها سلسلة وأكثر اقناعًا، فالأحداث مستمرة وحتمية. مثلًا، ينحني الزمكان نتيجة سبب منطقي وهو وجود طاقة أو كتلة تسببت في هذا الانحناء. 

أما في حالة ميكانيكا الكم، فهي تفسح المجال أمام تناظر الجسيمات دون الذرية مثل الفوتونات، حتى وإن كانت على مسافات متباعدة. على سبيل المثال، لنفترض أنّ لدينا كرتين، إحداهما في الصين والأخرى في ألمانيا. إذا طرأ تغيّر ما على الكرة الموجودة في الصين، يحدث نفس التغيّر على نظيرتها في ألمانيا، قد يكون التغير في السرعة أو الاتجاه.. إلخ. 

هذا تمامًا ما يحدث على مستوى الجسيمات دون الذرية، قد يتأثر جسيم نتيجة تغير طارئ على نظيره، حتى وإن كان على حافة الكون. وهذه ظاهرة أطلق عليها آينشتاين "Spooky action at a distance"، حيث يشبه هذه الظاهرة بالأشباح، بسبب عدم منطقيتها. ما يجعل أحداث نظرية ميكانيكا الكم احتمالية وليست حتمية مثل النسبية العامة. 

بالمناسبة، هذا السلوك الذي تتيحه ميكانيكا الكم الجسيمات دون الذرية، لا يمكن تطبيقه على الأجسام المادية الكبيرة. تستطيع معرفة المزيد حول الانتقال الآني من خلال هذا الفيديو الذي أعده فريق أراجيك: 👇

جدال حول التفرد 

لأعرفك على نقطة التفرد، هل تسمع عن مصطلح الثقوب السوداء؟ نعم، إنه بقايا النجم الميت الذي يتحول إلى وحش مخيف، جاذبيته غير متناهية، يبتلع أي شيء أمامه. ربما يكون من المضحك حقيقة أنه عبارة عن كثافة كبيرة جدًا، متركزة في مساحة متناهية الصغر. فينشأ هذا الوحش. في مركز الثقب الأسود، هناك نقطة تسمى "التفرد". تخلق هذه النقطة جدلًا بين النسبية العامة وميكانيكا الكم. 

تفترض النسبية العامة أنّ نصف قطر الثقب الأسود صفر، أي لا قيمة له، أما ميكانيكا الكم، التي تعتمد على مبدأ الشك أو عدم يقين، التي ترى أنه لا يمكن تحديد موقع أو حركة الجسم في وقت واحد، كما تحدثنا منذ قليل. تُرى أي النظريتين نستخدم في حالة الثقب الأسود، هل النسبية العامة التي تشرح الجاذبية والكون وانحناءات الزمكان؟ أم ميكانيكا الكم التي تفسر بدقة ما يحدث على المستوى الذري؟ حسنًا، ركز معي في التالي… 

في محاولة للتوفيق بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة..عن الجاذبية الكمية

نقف الآن أمام نظريتين، إحداهما نظرية ميكانيكا الكم، التي تقدم النموذج القياسي وتتعامل بمنتهى الدقة مع الجسيمات دون الذرية، ويمكنها الانسجام مع ثلاثة من القوى الأساسية وهي: القوة الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والنووية القوية. ولكنها تعجز عن تفسير القوة الرابعة والأهم، وهي "الجاذبية". (بالمناسبة، إنها قوة أساسية، ولكنها أضعفها! ويتضح ذلك من خلال النسبية العامة، التي أبطلت الدعوة المؤيدة لفكرة أنّ الشمس تخرج منها قوة جاذبية تجذب الكواكب والأجسام الأخرى، وكانت فكرة الزمكان أكثر إقناعًا.

وهنا تمدنا النسبية العامة لآينشتاين بمعلومات منطقية حول الثقوب السوداء والجاذبية والسفر عبر الزمن، أي أنّ ميكانيكا الكم تتعامل على مستوى الذرات والجزيئات، لكن الجاذبية تستطيع التعامل على المستوى الكوني. هذا دفع العلماء لمحاولة التوفيق بين الاثنتين في نظرية أخرى تحت مسمى "الجاذبية الكمية". واجتهد العلماء في تحقيق هذه النظرية عند الثقوب السوداء، والتي تُعد مختبرًا فلكيًا مناسبًا لهذه الفرضية، لكن كيف ذلك؟ 

ميكانيكا الكم ونظرية النسبية

هل سمعت من قبل بإشعاع هوكينغ؟ 

عام 1927، وضع العالم الألماني "فيرنر هايزنبرج" مبدأ الشك أو عدم اليقين، والذي صار واحدًا من أهم مبادئ نظرية ميكانيكا الكم، بل اعتمد عليه العلماء في كثير من حقول الفيزياء الحديثة وفي العلوم التجريبية عمومًا. وهو ينص على أنه لا يمكن تحديد سرعة ودقة الجسيمات في نطاق كمي بدقة متناهية، لذلك يجب الشك دائمًا في النتائج. استخدمت ميكانيكا الكم هذا المبدأ داخل الثقوب السوداء، حيث تتكون جسيمات افتراضية ومُضادها، فيلغيان بعضهما ويختفيان. (مثال جسيم (+) وجسيم (-) مجرد أن يظهرا أمام بعضهما، يختفيان معًا) 

ولأنّ جاذبية الثقب الأسود قوية جدًا، قد ينفصل الجسيم عن مُضاده قبل أن يلغي كل منهما الآخر عند أفق الحدث، ويتحول إلى جُسيم حقيقي ويهرب للفضاء بجانب جسيمات أخرى استطاعت الانفصال قبل الفناء، تتجمع هذه الجسيمات معًا مُكونة ما يُعرف بـ"إشعاع هوكينغ" الذي يتبخر خلال 4 مليار سنة، يفنى الثقب الأسود تمامًا، وهذا هو الموت الحراري للثقب الأسود. ويُسمى بهذا الاسم نسبة لعالم الفيزياء العبقري "ستفين هوكينغ" الذي اكتشف وجوده عام 1974. 

ولكن..

ترى النسبية العامة لآينشتاين أنّ الجاذبية تبتلع أي شيء، ولا يمكنها التدقيق في أمر إشعاع هوكينغ مثل ميكانيكا الكم، التي تعتمد على مبدأ الشك، ولكنها استطاعت الخوض في هذه التفاصيل الدقيقة على مستوى العالم الكمي، وجاءت بإشعاع هوكينغ، الذي استطاع العلماء التأكد من وجوده من خلال دراسة نُشرت عام 2019 في "Journal of Cosmology and Astroparticle Physics". ما أثبت صحة نظرية هوكينغ. 

هل تُدرك الجدل بين الاثنتين؟ واحدة منهما تأتي بإشعاع هوكينغ "أقصد ميكانيكا الكم" والأخرى تؤيد فكرة الجاذبية الشديدة التي تمنع الضوء (باعتباره يمتلك أقصى سرعة في الكون) من الإفلات منها! 

ماذا بعد؟ إنّ اللغز يتفاقم! 

رقصة على أوتار الكون..عن نظرية الأوتار الفائقة

رغم الطابع الرومانسي لهذه النظرية، إلا أنها ظلت موضع جدل!

حاول صديقنا ألبرت آينشتاين توحيد النسبية العامة وميكانيكا الكم، لكنه فشل. الأمر مثير للجنون، لقد خضعت القوى الأساسية لميكانيكا الكم، لكن تمردت النسبية العامة، ورفضت تمامًا فكرة الرضوخ للكم. وكانت إحدى المحاولات لجمع هاتين النظريتين، نظرية الأوتار الفائقة. 

ميكانيكا الكم ونظرية النسبية

كأوتار الجيتار أو آلة الكمان، كذلك الكون. محمول على أوتار غير مرئية، ويتضح ذلك من طريقة اهتزاز كل جسيم دون ذري. وتفترض الأوتار الفائقة أنّ للكون 7 أبعاد إضافة للأبعاد الأربعة التي حددها آينشتاين في النسبية العامة. أي 11 بعدًا، وهي تلتف حول بعضها، ولا يمكننا ملاحظة هذا العدد من الأبعاد، لكن يمكن تشبيهها بسلك كهرباء، يبدو لنا من الخارج كجسم له بعد واحد، لكن بالنسبة لكائن دقيق يستطيع الدخول فيه، سيراه أسطوانة ثلاثية الأبعاد! 

وهذه الأوتار متناهية الدقة، يُقدر حجمها بأقل من مائة مليار من حجم الذرة! وتتراكم فوق بعضها مكونةً المكان والزمان، وبالتالي الكون بأكمله الذي يتراقص فوقها، والحقيقة أنه ليس كونًا واحدًا! (وهذه قصة أخرى.)  

توضح الأوتار الفائقة فكرة لماذا نسيج الكون لا يتمزق نتيجة فوضى الجزيئات والثقوب السوداء التي تسبب انحناءه باستمرار، وذلك بسبب حالة الاهتزاز الدائمة للأوتار. ما تفعله هذا أشبه بالترميم للنسيج الكوني الدقيق. 

وأخيرًا.. كان وما زال الكون لغزًا كبيرًا، بينما بزغت نظرية النسبية العامة لتكشف أسراره، جاءت ميكانيكا الكم لتكشف أسرار الذرة متناهية الدقة. لكن ظلت هناك حلقات مفقودة بشأن هاتين النظريتين، بالرغم من اجتهادات العلماء للتوفيق بينهما، إلا أنّ الجدل يحوم في الوسط.