لم نفق من حادثة انتحار بسنت خالد في مصر ومن مقتل آيات الرفاعي على يدي زوجها حتى لفحتنا جريمة قتل أب لابنته في العراق بعد أن رآها واقفة حذو ولد. موت تلو آخر وجريمة تتلو الجريمة ودماء نساء بريئات يسفك كأنه الماء. هذا ما نعيش على وقعه منذ أيام في عالم عربي اقترن وجوده بالتراجيديا وبالمعاناة وهذا ما نحاول نسيانه أو حتى تناسيه قبل أن يدّق أبوابنا فيديو لمؤثر فخور بقتل ابنته. ما الذي حدث؟ وما علاقة المؤثرين بهذه الجرائم؟ من هم مؤثرو التواصل الاجتماعي أصلًا؟ ولِمَ سميناهم مؤثرين؟

صورة امرأة محطمة

بسنت وآيات ثم شهد العيساوي، فهل أنا الضحية القادمة؟

لم تشبع أجساد آيات وبسنت ومريام ووئام وأرواحهنّ جوع الإنسان المتوحّش بل اشتدّ به هذا الشعور حتى افتكّ روح طفلة عراقية تدعى شهد العيساوي لمجرّد وقوفها بجانب ولد تعرفه. ولئن كان هذا الوحش واحدًا في كل هذه الجرائم، إلّا أنه تجسّد في حالة بسنت في ولدين وفي حادثة آيات في زوج، أما في مقتل شهد ذات الأربعة عشر عامًا فقد كان والدها المؤثر الذي تتابعه أجيال من شرق العالم العربي وغربه هو المسؤول.

جدّت أحداث هذه الجريمة البشعة في محافظة البصرة حين عاد اليوتيوبر العراقي محمد العيساوي إلى بيته ليجد ابنته شهد واقفة مع ولد سبق أن رفض خطوبته منها، ليسحب سلاحه فيرديها جثةً هامدة غير آبهٍ بتوسلات أمّها، قبل أن يفرّ هاربًا بعد أن "غسل عاره". فما هذا الشرف الذي يسمح لأب بقتل طفلته ولعائلة بتكذيب ابنتها إثر حادثة ابتزاز؟ ما هذا الشرف الذي يكسر بمجرّد وقوفنا حذو ولد ويهدم بلقاء يشهد عليه نور الشمس وتراقبه العصافير؟

العيساوي وابنته

تخونني الكلمات. أترحم على هذه الأرواح البريئة. أذرف دموعًا تحرق وجنتيّ. أختنق بحبل احتمال أنني قد أكون الضحية القادمة لبطش هذا المجتمع، هذا إن لم أكن جثة ميتة تمشي فوق الأرض ثم تنام تحتها. يحزنني كيف يتابع العيساوي آلاف المشاهدين أطفالًا وكهولًا وكيف يسمح له بالدخول إلى عقولهم وبيوتهم. ويثير غضبي وغضب الجماهير تبرير صديقه حسين الشحماني، يوتيوبر آخر، لهذا الإجرام الذي بات في نظره مسموحًا وشرعيًا وعاديًا في مجتمع عشائري وقبلي لا يجب أن نتدخل فيه، وفي ظلّ درء الشرور عن هذا الشرف الهلامي الذي نسمع عنه ونخافه دون أن نفهم من أين جاء وكيف جاء وأين يختبئ.

خلافًا لهؤلاء الذين يربطون الشرف بالجنس وبالعذرية ما يجعلهم يتحدثون اليوم عن تقرير طب شرعي يقول بأن شهد كانت عذراء ولم يمسها أحد، تقول الدكتورة نوال السعداوي، لروحها السلام، في كتاب الأنثى هي الأصل: "إن شرف الإنسان رجلًا أو امرأة هو الصدق؛ صدق التفكير وصدق الإحساس وصدق الأفعال. إن الإنسان الشريف هو الذي لا يعيش حياةً مزدوجة؛ واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء".

تأثير سلبي وخطر يتجاوز جريمة محمد العيساوي

يغيب هذا الكلام اليوم ويتبخّر وتُرمى كتب هذه السيّدة وأفكارها في خنادق الذم والشتم والتقزيم، وتطفو في الاتجاه المعاكس صور وأفكار مؤثرين اجتاحوا وسائل التواصل الاجتماعي، فحولوها إلى وسائل تعويم لكبرى القضايا وتطبيع مع العنف والقبح وسفك الدماء والتمييز على أساس الجنس أو حتى اللون. كلامنا هذا لا يحيل حصرًا على محمد العيساوي الذي أثار سخط العراقيين وغير العراقيين والذي وُضع اليوم في قفص الاتهام الشعبي، ولكنّه ينطبق على مئات المؤثرين والمؤثرات العرب الذين ظلوا يروجون طيلة سنوات للتفاهة وللخزي والعار الحقيقي ألا وهو الابتذال وتبرير العنف واحتقار الآخر ومواجهة المختلف بالضرب والشتم. رؤى سطحية تصوغها وتدافع عنها مؤثرات تملأ الإنستغرام والتيك توك وحتى البرامج التلفزية في بلدان مثل تونس ومصر، تجعل من البنات مجرّد دمى تركض خلف مساحيق التجميل والموضة وعمليات شفط الشحوم، مقدمةً محتوىً تافهًا بأسلوب فظّ وفجّ.

صور ومقاطع فيديو توجه للقاصرات تحثّهم فيها على عيش حياة أمريكية بامتياز، بلا قيود جنسية ولا مرجعيات فكرية فتدفع بهن إلى براكين المخدرات والشرب الاندفاع نحو المجهول والانبتات. يتكرّر هذا الكلام في اليوم عشرات المرات وإن كنت تظنّ أن ابنك أو ابنتك محصّنين منه فأنت لم تستوعب بعد مدى تأثيرهم وانتشارهم.

ليس الانبتات والغربة الأثر السيئ الوحيد الذي يتركه محتوى تافه ودخيل على الوضعيات الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية التي نعيش فيها، ولكن تهديد الصحّة النفسية التي باتت اليوم أضعف من أي وقتٍ مضى صار جليًا مع ظهور هذا النوع من المحتوى القائم على المقارنات. لِمَ لا أكون جميلة مثلها ولم لا أملك ثيابًا كثيابها؟ لِمَ عليّ أن أعيش هنا في هذا البيت بينما تعيش هي في قصر لم تتعب لاقتنائه؟ ولِمَ أدرس وأتعب في حين يمكنني جني المال بطريقة سهلة كما تفعل؟ لِمَ تخرج أختي مع الأولاد وهذا عار كما وصفه العيساوي ولم لا أقتلها؟

صورة تجريدية تعني توقف

حتى الفن برسالته الإنسانية لم يسلم من التفاهة!

بما أن قانون السوق يعلو ولا يعلى عليه وبما أننا نهرول اليوم باحثين عن الربح، يجرّد الفن من قيمته ومن رسالته وإن كانت رسالة ترفيهية بحتة ويصير بين يدي المؤثرين سلاحًا يصوّب في وجه المشاهد، فيضرب ثقافته وإنسانيته وخصوصيته التي تتصل بخصوصية المجتمعات والفئات العمرية التي يخاطبها.

يبرز هذا في تمكين هؤلاء المؤثرين من التمثيل ثم فتح باب الشهرة لهم من خلال استضافتهم في برامج عديدة ومتنوعة أو في استدعائهم لإشهار العمل. هكذا، تداخلت التفاهة والفن وصارت تلك الفتاة السورية القاصرة التي تتحدث من فيديو إلى آخر على مقالب بشعة ومستفزة وجّهتها لوالدتها وادّعت حملها وهي ابنة الـ 16 عامًا، يتابعها ابنك وابنتك كما يتابعها الآلاف من الأطفال مثالًا يحتذي به الصغار على السوشيال ميديا، ومشهورة سيُعرض عليها أحد الأفلام أو المسلسلات يومًا ما. همجية حديثة تبتلع عوالمنا بدءًا من بيوتنا وانهيار ثقافي دراماتيكي سينتج انهيارًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا. فعوض متابعة قنوات يوتيوب ترتقي بالوعي الجماعي وتفسر ظواهر كثيرة كقناة قعدة تاريخ أو DW الوثائقية أو المخبر الاقتصادي أو See you in history، تنساق الجماهير إلى التفاهة التي ليست ضرورة مرادفة للمتعة، إذ بينما تعتبر الأولى نقصًا في الأصالة أو الإبداع أو القيمة، تظل المتعة حاجة لا يمكننا العيش دونها.

هروب امرأة من المجتمع

أخاف على ابني من العدوى بهذا الفيروس الذي لا لقاح له!

صحيح أن التفاهة والعنف والرذيلة بمعنى غياب القيم المثلى وانعدام الحس الإنساني هي الجائحة الأخطر على الإنسانية، لكنّها عاجزة في وجه الثقافة والمطالعة والحوار البنّاء والنقاش، إذ لا شيء يقدّم هكذا على طبق من ذهب دون تبادل أفكار وآراء وخوض في الأمر. الدين يناقش والفكر يناقش والسياسة تناقش ومعايير الجمال الرأسمالية تناقش ومحتوى المؤثرين يناقش ويحلل. ملكة التحليل والنقد التي على الآباء أن يغرسوها في أطفالها وحبّهم للتثقّف والرقي الفكري وخوض التجارب الحياتية هو الأداة الوحيدة التي من شأنها إنقاذهم من براثن مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي. فلا الرقابة قادرة على وضع حد لهذا الوباء ولا العقاب رادع للانسياق خلف هذا المحتوى الرديء.  

ننهي مقالنا بمقولة لآلان دونو في نفس الكتاب المهم الذي نتحدث عنه كل مرة وهو كتاب نظام التفاهة، يقول فيها: "إذا لم نواجه هجوم التفاهة الخبيثة للعدوان في بيئتنا اليومية، وإذا فقدنا السيطرة تدريجيًا على التلوث السائد من اللامبالاة وعدم الاحترام، فنحن بحاجة إلى إعادة هيكلة تفكيرنا بشكل لا رجعة فيه وتعديل آلية عملنا بأخذ كل شيء كأمر مسلم به وقبول أي شيء غير قابل للنقاش، قد يولد الانفصال، ويثير حسرةً شديدة، وأخيرًا يحول حياتنا إلى بلاء” حتى لو سقط العالم، سوف ينقذني هاتفي المحمول.