"لماذا تنكّد المرأة على الرجل؟"، "وهل تتوقع المرأة حجم النكد الذي سوف يحل بالرجل حين تنكد عليه؟"، "حين تنجح المرأة في التنكيد هل تكون على علمٍ مسبق بنتائج هذا النكد؟"، "وفيما يخص نتائج النكد، أتستطيع المرأة احتواءها واضعة حدًا لها أم أنها "تنكّد في المطلق" والأمر في النهاية يخرج عن سيطرتها؟"، "المرأة النكدية من أين؟ وإلى أين؟".

كل هذه التساؤلات وغيرها لن يجيب عنها المقال، مع الأسف.

نعم لقد قرأت العبارة السابقة بشكلٍ صحيح، "لن يجيب عنها المقال"، فلا هذا المقال ولا غيره ولا حتى أعتى الدراسات تستطيع تفسير تصرفات المرأة، أو تفهم طبيعتها في الأساس، أصلًا أشك أن المرأة نفسها قادرة على فهم نفسها.

فما هو إذًا هدف هذا المقال؟ هدفه إيجاد جانبٍ إيجابي في النكد، بالتركيز على الجانب الإيجابي للنكد، لننتهي معًا إلى أن هناك "نكد سعيد".

قد يدور في عقل أحد القراء الآن –وهو رجل متحذلق في الغالب– سائلًا نفسه "هل وصلنا إلى تلك المرحلة من البؤس التي نرتضي معها بالبحث عن جوانب إيجابية للنكد؟ وأرد عليه بـ "نعم"، واصمت قليلًا وتابع القراءة، وقد تجد في القصة التالية شيئًا من العزاء لك.

فقديمًا، وحتى القرن التاسع عشر كانت القوانين البريطانية والأمريكية تسمح للأزواج بالشكوى للقاضي من نكد زوجاتهم، وإذا ما ثبتت شكواهم، فيكون الحكم بشد الزوجة على "كرسي التغطيس"، حيث تشد الزوجة إلى كرسي يتدلى من طرف ذراع متحرك يغطس في أقرب بحيرة أو نهر لفترة محددة، أو عدد مرات تغطيس، تعتمد على حجم نكدها وعلى عدد الشكاوى السابقة في حقها.

وسجلت إحدى المحاكم البريطانية لعام 1592 الحكم التالي:

"لقد ثبت أن زوجة والتر هيكوكس وبيتر فيلبس امرأتان متسلطتان، ونحكم بأن يتم إخبارهما فى دار العبادة بالتوقف عن نكدهما، وإن شكا منهما زوجاهما مرة أخرى فسوف يتم معاقبتهما باستخدام كرسي التغطيس".

وكانت آخر سيدة شدت إلى كرسي التغطيس بعد إدانتها هى جيني بايبس من ليومنيستر بإنجلترا عام 1809.

جدير بالذكر أن كرسي التغطيس هذا كان آلة تعذيب للنساء المزعجات والسحرة، فيمكن اعتبار أن مصير المرأة النكدية كان فيما مضي كـ مصير الساحرات!

هذا وفيما بعد، أثبتت الخبرات الحياتية والدراسات، وكذلك آراء المتخصصين في علم النفس واستشاريي الصحة النفسية -كما سيأتي عرضها- أن المرأة كانت مظلومة!

نعم هي مظلومة، ولم تكن مفهومة كما ينبغي، ولم تكن لتستحق أن تجلس على كرسي التغطيس، وقد نجد في معظم الحالات أنه كان من العدل أن يحل محلها الرجل ويجلس على هذا الكرسي.

فالسائد الآن هو أن "المرأة بطبيعتها نكدية"، ولكن هذا الانطباع السائد ناتج عن عجز الرجل وبطء فهمه لدوافع المرأة وتصرفاتها في مواقف النكد بشكل خاص، وعن فهم مجمل تصرفاتها بشكلٍ عام، طبعًا بما فيها التي قد يراها "نكدًا".

ومن ملاحظتي ورصدي لهذه الظاهرة ومن بعض القراءات للمتخصصين، خلصت إلى مجموعة من النتائج أعرضها عليك عزيزي الرجل في شكل حكم، لعلها تفيدك في التعامل مع المواقف التي ترى فيها أن شريكتك نكدية، وكل حكمة منها مثلما تحتاج منك إلى قدرٍ من الشجاعة لكي تتقبلها، تحتاج كذلك إلى قدرٍ من التصالح مع نفسك والذكاء لتنفيذها.

الحكمة الأولى.. وراء كل نكدية عظيمة رجل نكدي

الرجل هو المحرك الأول لآلة النكد، وعليك أن تتفهم أن التصرفات التي تلوم المرأة بسببها وتراها نكدية أنت السبب الرئيسي لها، كيف؟

تعتبر الزوجة أو الشريكة "النكد" آلية دفاع تثبت وجودها من خلاله، وأداة تخلق بها تشويقًا تضفي به قدرًا كبيرًا –من وجهة نظرها– من الإثارة على العلاقة، عندما يكون الشريك باردًا عاطفيًا، أو ساعيًا للتملك وللتسلط، فتسعى هي في المقابل في طريق ما تسميه أنت عزيزي الرجل بـ "النكد".

تعلن المرأة بالنكد عن محبتها وحاجتها لأن يهتم بها شريكها عاطفيًا، وتعتبره "نكدًا سعيدًا" بالنظر إلى دوافعه.

ترى المعالِجة النفسية جومانا خوري صليبي "إنّ أسباب "النكد" متشعّبة تتّصل بتصرفات لا شعورية مرتبطة إمّا بالصراع على الأدوار في المنزل وإما بالعلاقة العاطفية الفاشلة".

الحكمة الثانية.. لا تكن كـ "من ضربني وبكى وسبقني واشتكى"

أتوقع بعد عرض رأي "جومانا" قارئًا آخر –رجل متحذلق بخلاف المتحذلق الأول– يحدث نفسه قائلًا: "معالجة نفسية واسمها جومانا فطبيعي أن تكون منحازة للمرأة".. فالفقرة التالية إهداء لك.

فيرى الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية أن "النكد صفة إنسانية مرتبطة بالرجل والمرأة، ولا يوجد رجل نكدي في المطلق أو امرأة نكدية في المطلق، ولهذا السبب لا يمكن تعميم صفة النكد وإعطاؤها صبغة نسائية أو صبغة ذكورية"، إذ يشيع أغلب الرجال عن المرأة أنها الأكثر نكدًا، برغم أنهم في أغلب الأحوال والحالات يشكلون المادة الخام للنكد، ويقدمونه للشريكة على طبق من ذهب، كيف؟

يجيب الدكتور وليد هندي:

  • الرجل الذي لا يتحمل مسؤولية البيت ولا يهتم بشؤون أولاده، فنكد المرأة في هذه الحالة يكون رد فعل وليس فعلًا، فتبدو أن ظاهرة النكد نسائية في الظاهر ولكنها على العكس.
  • المرأة بطبيعتها لديها ذكاء وجداني والعاطفة لديها عالية جدًا، وبالتالي استجابتها للمواقف سريعة ويظهر عليها النكد بسهولة، خاصة إذا كان زوجها يتصف ببرود الأعصاب.
  • بعض ربات البيوت أو النساء المتفرغات لديهن شعور بالفراغ، لذا يحاولن إثبات ذاتهن من خلال بعض المواقف "النكدية" نوعًا ما، وهو ما يسمى (إثبات ذات سلبي أو عكسي).
  • أما الزوجة العاملة فتصاب بـ العصبية إذا لم تجد التقدير الملائم من الرجل.
  • طبيعة المرأة متقلبة المزاج نظرًا للمتغيرات الفسيولوجية المستمرة، على سبيل المثال في فترة الحمل، تصاب المرأة باكتئاب الحمل، كذلك تتعرّض كل شهر لتبدلات هرمونية تلعب دورًا هامًا في تبدل مزاجها لبضعة أيام.

من العرض السابق نرى أن أغلب مسببات "النكد" ترجع في الأساس إلى الرجل، عندما لا يتحمل المسؤولية، أو متصفًا ببرود الأعصاب، أو لو كان لا يتفهم فراغ شريكته لو كانت ربة بيت، أو غياب تقديره لها بالشكل المفترض لو كانت عاملة.

فقبل أن تتهم شريكتك بأنها الأكثر نكدًا راقب نفسك أولًا عزيزي الرجل، وتأكّد من أنك لست سببًا في النكد قبل أن تشيع عن شريكتك أن "النكد" صفة متأصلة فيها كـ "أنثى".

هي تنكد عليك لأنها تحبك، يجب أن تعلم ذلك، بل وعليك أن تقلق ما لو غاب النكد، لماذا؟

من لا تنكد لا تغار عليك، ومن لا تغار عليك لا تحبك ولا تهتم لأمرك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فلا ينبغي عليك عزيزي الرجل أن تهدر مجهودات شريكتك في خطة النكد، فالتصرفات التي تراها أنت -ببساطة وسطحية- مجرد نكد، هي في حقيقتها خطة واعية مسبقة ومخطط لها بإحكام من جانب شريكتك التي خططت لها ونفذتها بدقة وإحكام فقط لأنها تهتم لأمرك.

ولا يقتصر الأمر في كثير من الحالات فقط على "الغيرة" كسبب، بل يصل الأمر في حالات ومواقف كثيرة إلى الحد الذي تتحول معه عاطفة الشريكة إلى تقمص سلوك "الأم" مع شريكها، حيث ترى شريكها يحتاج دائمًا إلى النصح والعناية والاهتمام، وترى من وجهة نظرها أنها الطرف الأقدر في العلاقة على أن يسير بالعلاقة في الطريق الأفضل والأصلح لها.

فبقدر تفهمك لهذا كله ستتقبل نكد شريكتك، بل وستراه أمرًا إيجابيًا يستحق الاحتفاء، وستكون أقدر على التعامل معه بشكلٍ إيجابي، لا يعتمد فقط على مجرد الحكم المسبق بشكلٍ سطحي، فيه قدر كبير من الاستسهال بالارتكان إلى فكرة "طبع المرأة نكدية" والتي شاعت بالخطأ عن المرأة، لذلك فتقبلك لخطة النكد يعبر بقدرٍ كبير عن حبك لشريكتك.

يقال دومًا إن "النوايا الحسنة لا تكفي" وهي مقولة صحيحة، ويمكن اعتبارها قاعدة، ومعروف أن لكل قاعدة استثناء، ويمكن تطبيق هذا الاستثناء على دوافع النكد لدى المرأة، والتي يتضح مما سبق عرضه أن الرجل بدوره ضالعًا في "النكد" ويمثل في أغلب الحالات سببًا أساسيًا له.

أخيرًا، مما لا شك فيه أن قارئة المقال ستسعد به، لأنه يدافع عن تصرفاتها بشكلٍ إيجابي، ولكن لا يجب عليكِ عزيزتي أن تكون سعادتك به مطلقة، فكل ما سبق يأتي في إطار تصرفات النكد المقصودة والعارضة، كسلوكيات مبررة قائمة على دوافع أساسها تصرفات غير محمودة يقوم بها شريكك، ويمكنك اعتبار ما سبق كأن لم يكن ولا ينطبق عليكِ ما لو كان "النكد" طبعًا فيكِ وصفة متأصلة، حينها فقط لا يمكن لوم شريكك على وصفه لك بـ "النكدية"، وينبغي عليك مراجعة نفسك أنت أيضًا، فكما أن الحكم السابقة قد خوطب بها الرجل، فأنت كذلك مخاطبة بها، وتمثل دعوة غير مباشرة إليك لمراجعة المواقف التي كنت فيها "نكدية" سائلةً نفسك.. ما هو دافع النكد؟

لو كان دافع النكد أيًّا من الدوافع السابقة التي تم توضيحها فنكدك في هذه الحالة مشروع، أما لو كان غير ذلك فـ "اتقي الله".

اقرأ أيضًا: المشاهير والسوشيال ميديا: كفاكم عبثًا بواقع معجبيكم (¬_¬ )