إنّ الخجل سمةٌ طبيعيّة تزيّن تصرفات الأطفال الصغار من حولنا، وغالبًا ما يعتبره البعض سمةً محبّبة باتت في طريقها إلى الانقراض. لكن ماذا لو استمرّت حالة الخجل الشديد إلى مرحلة المراهقة والبلوغ؟ مع تجنّب الفرد تقبّل الانفتاح على العالم الخارجي وصعوبة انخراطه وتناغمه مع أقرانه، وتفضيل الانزواء والانسحاب الاجتماعي مع رفع راية الانعزال والرغبة بالبقاء وحيدًا، سنكون أمام مشكلةٍ تستدعي الانتباه والحذر بالتعامل معها.

إنّ انشغالك بالتركيز على ردّ فعل الناس من حولك عند انكشاف نقاط ضعفك وظهورك كشخص عديم الأهلية، ولجوءك إلى نسف جهودك المبذولة لتحقيق أداءٍ جيّد في مشاريع المدرسة أو العمل، خوفًا من إكمال المهام دون المستوى وتقييمك بأداءٍ ضعيف، كذلك التقوقع على نفسك والتردّد في متابعة الصداقات والعلاقات مع أنّك تتوق إلى الاختلاط الاجتماعيّ، جميع ما سبق سيأجّج نيران الصراع داخلك مع خلق حساسيّة زائدة اتجاه الرفض والنقد، يعتريها خوف وقلق مفرط من توجيه بنادق أحكامهم نحوك، لتعزى حالتك إلى أحد أهم اضطرابات الشخصيّة ألا وهو اضطراب الشخصية التجنبية.

ما هو اضطراب الشخصية التجنّبية (APD)؟

هو نمط دائم من السلوك المرتبط بحالة من التثبيط الاجتماعيّ، تختلجها مشاعر عدم الانسجام والحساسية المفرطة تجاه الرفض ممّا يترتّب عليها بمشاكل معيقة في المواقف اليوميّة والعلاقات العمليّة.

يتّسم هذا الاضطراب بالخجل الشديد والحساسية اتجاه النقد من الآخرين، كما يعرف باضطراب الشخصية الانعزاليّة أو اضطراب الشخصية القلقة. لا يعني ذلك بالضرورة الدخول في حالة الانعزال التام، بل بإمكان الفرد تكوين علاقات مع أشخاص يقنعونه بتعاطفهم معه، مع الحاجة إلى الكثير من الطمأنينة لبناء الثقة واستقبال مشاعر المودّة والتقبّل دون إصدار أحكام. يصيب هذا الاضطراب حوالي 2.5% من السكان، مع تساوي نسبة الإصابة بين الذكور والإناث.

الأسباب الكامنة وراء اضطراب الشخصية التجنبية

ما زال السبب الدقيق لاضطراب الشخصية التجنبيّة مجهولًا. مع ذلك، يُعتقد أنّ كلًّا من الجينات والبيئة يلعب دورًا أساسيًّا في تشكيل الأرضية الخصبة لتطوير هذا الاضطراب.

فقد لوحظ انتقال الاضطراب وراثيًّا في العائلات من خلال الجينات ولكن لم يتم إثبات ذلك بعد. كما تلعب العوامل البيئيّة -خاصّة في مرحلة الطفولة- دورًا مهمًّا، ففي أغلب الحالات يتحدّث الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب عن مواجهتهم لرفض الوالدين أو الأقران، أو التجاهل والتعرّض لانتقادات لاذعة، وتكرار الاستهزاء والإهانة بدلًا من تقديم التشجيع والدعم، ممّا سيؤثّر على احترام الشخص لذاته ويقلّل من شعوره بقيمته.

يعتقد العديد من الخبراء أنّ اضطرابات الشخصية تتطوّر كاستجابة تكيفيّة للمواقف الصعبة أو المؤلمة. بمعنى آخر، يمكن أن تكون هذه السمات والسلوكيات المحدّدة بمثابة آلياتٍ دفاعيّة مساعدة في التغلّب على التوتّر والحماية من الألم العاطفي.

الأعراض والعلامات

من المحتمل تواجد رغبتين متعارضتين داخلك، أي أنّك في حالة صراعٍ مستمرّ بين رغبتك وحماسك لخوض تجارب حياة منتجة والشعور بالمودة والقبول، وبين وعيك وإدراكك لاحتماليّة وجود تعليقات سلبيّة وأحكام خارجيّة مزعجة، لذلك ستفعل غريزيًّا كلّ ما في وسعك لتجنّب مواقف النقد أو الإحراج. يمكن أن تظهر الأعراض والسمات التالية بطرق مختلفة:

  • تجنّب المناسبات الاجتماعيّة والأنشطة التي تستلزم قضاء الوقت مع الناس.
  • القلق بشأن الانطباع الذي يكوّنه الآخرون عنك.
  • حساسية مفرطة اتجاه النقد أو الملاحظات السلبية.
  • صعوبة في مشاركة المشاعر حتّى مع أحبّائك.
  • عدم الانخراط في تجربة أشياء جديدة تجنّبًا لإحراج نفسك.
  • الشعور بتدنّي تقدير الذات، وأنّك أقلّ شأنًا من الآخرين.
  • تجنب الأماكن والأشخاص والمواقف التي لست على دراية بها.

ترافق APD مع اضطرابات نفسية أخرى

يمكن أن تترافق العديد من اضطرابات الصحة العقلية الأخرى جنبًا إلى جنب مع اضطراب الشخصية التجنبية. نذكر منها ما يلي:

  • الرهاب الاجتماعيّ.
  • اضطراب الشخصية الاعتماديّة.
  • اضطراب الشخصية الحدّية.

تشترك العديد من أعراض اضطراب الشخصية التجنبية مع أعراض الحالات الأخرى، لا سيما في حالة الرهاب الاجتماعي المعمّم، بالتالي من الممكن حدوث خلط بين هذه الاضطرابات بسهولة، فقد يستغرق الأخصائي أو المعالج النفسي بعض الوقت للوصول إلى تشخيص واضح لحالتك ومن ثمّ اختيار العلاج المناسب لها.

العلاج

معظم الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطراب لديهم رغبة حقيقية في إقامة وتطوير علاقات مع محيطهم ممّا يجعلهم أكثر استجابة للعلاج النفسيّ. قد يلجأ المعالج أو الطبيب النفسيّ إلى استخدام العلاج النفسي الديناميكي أو العلاج السلوكي المعرفي. يرتكز الهدف من العلاج على مساعدة الشخص في تحديد معتقداته اللاواعية عن نفسه وكيف يراه الآخرون، كما يهدف إلى تمكينه اجتماعيًّا وعمليًّا.

العلاج النفسي الديناميكيّ

هو شكل من أشكال العلاج بالكلام، حيث يساعدك على إدراك أفكارك اللاواعية، مع تدعيم فهمك حول الآليّة التي تؤثّر بها التجارب السابقة على سلوكك الحاليّ. كما يتيح لك دراسة الآلام والصراعات العاطفيّة السابقة وكيفية التعامل معها وحلّها، للمضي قدمًا بنظرة صحيّة وسليمة عن نفسك ومحيطك، سيضمن هذا العلاج نتائج دائمة مع فوائد تستمر حتّى بعد انتهاء العلاج.

العلاج السلوكي المعرفي (CBT)

سيساعدك المعالج الخاصّ بك باستخدام هذا النوع من العلاج في التعرّف على المعتقدات المشوّهة وأنماط التفكير غير السليم التي تسيطر عليك مع العمل على استبدالها من خلال فحص واختبار تلك الأفكار والمعتقدات لمعرفة ما إذا كان لها أساس واقعيّ تستند إليه.

بالنسبة لتناول الأدوية لم توافق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على وصف أيّ أدوية لعلاج اضطرابات الشخصية. لكن قد يلجأ الطبيب إلى وصف مضادات الاكتئاب أو القلق في حال وجود اضطرابات نفسية أخرى كالاكتئاب أو الرهاب الاجتماعيّ.

لا بدّ من التنويه إلى أنّ العلاج لن يغيّر من شخصيتك، فعلى الأرجح سيلازمك الخجل بشكلٍ دائم وستواجه بعض الصعوبات في التفاعلات الاجتماعيّة وأماكن العمل. لكن بالطبع يمكن للعلاج أن يحسّن الأعراض ويطوّر قدرتك ومهاراتك في التواصل مع الآخرين.

كما هو الحال مع اضطرابات الشخصيّة الأخرى، ستكون الرحلة العلاجيّة لاضطراب الشخصية التجنبية طويلة المسار، لكنّ استعداد الفرد لطلب الاستشارة والالتزام بالخطّة العلاجيّة سينعكس بتأثير كبير على تحسّن حالته، وبالتالي على التوقعات والآفاق المرتقبة بإعادة دمج الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية التجنبية مع محيطهم وتعلّم كيفية الارتباط بالآخرين بشكل أكثر ملاءمةٍ.

اقرأ أيضًا: تبدد الشخصية والاغتراب عن الواقع: أن ينفصل عقلك عن جسدك وتقع ضحية الاضطرابات التفارقية