الإيمان بوجود الأشباح أو الأرواح أمر شائع في العالم كله، فهو لا يقتصر على الشعوب العربية أو الدول النامية فقط، ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، يؤمن 45% من الأمريكيين بوجود الأشباح، كما أن الإيمان بها لا ينحصر في طبقة اجتماعية معينة، ففي لقاء سابق مع الفنانة المصرية الراحلة مها أبو عوف، صرّحت أنها عاشت فى فيلا مسكونة بالأرواح، حيث كانوا يسمعون أصواتًا غريبة داخلها، بل إن تلك الأرواح قامت بتكملة إحدى النوتات الموسيقية وعزفها! وبالبحث في تاريخ الفيلا اكتشفت أسرتها مقتل أحد التجار داخل تلك الفيلا، وبالرغم من محاولة الأسرة طرد تلك الأرواح بالاستعانة بشيخ، وقسيس، وحاخام، إلا أن الأمر لم ينجح وتعايشت الفنانة وأسرتها مع ما يحدث في الفيلا.

ومن منا لم يسمع مثل تلك القصص ربما أكثر من مرة خلال حياته، أو حتى مررنا بها بأنفسنا! مثل رؤية خيال شيء ما، أو سماع صوت غريب، خاصة عندما نكون بمفردنا، وغيرها من المواقف التي نرجعها للأشباح والماورائيات، ربما لعدم وجود تفسير نعرفه غير ذلك، وهنا يأتي دور العلم ليكشف لنا حقيقة وجود الأشباح، ويفسر كل تلك القصص التي نسمعها أو نمر بها.

ليست كائنات شيطانية بل شلل النوم

هل كنت نائمًا ذات مرة ثم استيقظت فجأة فإذا بك غير قادر على الحركة أو الكلام ورأيت شيئًا أو مخلوقًا غريبًا؟ إذا كنت مررت بتلك الحالة أو حكى لك أحدهم مروره بها، وتم إسناد الموقف للأشباح، فعليك أن تعرف أكثر عن شلل النوم.

شلل النوم حالة تحدث عندما يفشل الدماغ في النوم أو الاستيقاظ كليًا. عادة تحلم بعد أن تنام تمامًا، وتتوقف عن الحلم قبل أن تستيقظ، لكن شلل النوم يشبه الحلم وعيناك مفتوحتان، حيث يشعر الشخص في هذه الحالة باليقظة، وقد يصاب بالهلوسة، كما لا يستطيع الحركة أو الكلام أو التنفس جيدًا.

يفسر بالاند جالال، عالم أعصاب يدرس شلل النوم في جامعة كامبريدج في إنجلترا. سبب حدوث ذلك قائلًا: تحدث أحلامنا الأكثر وضوحًا وحيوية خلال مرحلة معينة من النوم، يطلق عليه نوم حركة العين السريعة، في هذه المرحلة، تتحرك العيون تحت الجفون المغلقة. على الرغم من تحريك عينيك، لا يستطيع باقي جسمك ذلك، حيث يكون كالمشلول، وتلك الحالة تمنع الناس من تحقيق أحلامهم، فوجود شلل النوم يحافظ على الإنسان من الخطر، تخيل أن تخبط رأسك في الحائط لأنك تلعب كرة طائرة في الحلم!

وقال الدكتور بالاند: "يمكن أن يكون شلل النوم تجربة مخيفة للغاية بالنسبة للبعض، لكن الفهم الواضح للأسباب التي تؤدي إليه ستنعكس بشكلٍ كبير على الذين يعانون منه".

تركيزك يتلاعب بك

قد تكون جالسًا تشاهد التلفاز وفجأة تشعر بنسمات هواء فتلتفت فإذا بالنافذة التي قد سبق وأغلقتها مفتوحة، فتتعجب قائلًا: لم أتحرك ولم أر أحد يفتح النافذة، ربما الأرواح فعلتها! لكن في الواقع قد فتحها أحد أفراد عائلتك، متى؟ بينما أنت مصاب بالعمى غير المقصود. لتعرف كيف؟ شاهد الفيديو واحسب عدد المرات التي يمرر فيها الأشخاص الذين يرتدون القمصان البيضاء الكرة، ثم واصل القراءة.

في منتصف الفيديو، يسير شخص يرتدي بدلة غوريلا هل رأيته؟ ما يقرب من نصف المشاهدين لا يرون الغوريلا تمامًا. إذا كنت من هؤلاء، فقد عانيت من العمى غير المقصود. وربما كنت في حالة تسمى الامتصاص، وتعني أنه عندما تكون شديد التركيز على شيء يفقدك الانتباه لغيره. يقول كريستوفر فرينش، عالم نفس بجامعة Goldsmiths في لندن: "الذاكرة لا تعمل مثل كاميرا الفيديو، أنت تتذكر فقط الأشياء التي تهتم بها".

في دراسة أجريت عام 2014، وجد فرينش وزملاؤه أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من المعتقدات الخوارق وميول أعلى للامتصاص، أكثر عرضة للإصابة بالعمى غير المقصود.

الباريدوليا وسماع ورؤية الأشباح

هل سبق لك أن رأيت وجهًا أو ظلًا غامقًا، أو خيالًا لجماد أو لأي شيء غير متوقع فجأة فزعمت رؤية شبح؟ ليس شبحًا بل ظاهرة الباريدوليا "pareidolia"، وتعني الصور الخاطئة أو العشوائية، حيث يرى الناس شكلًا غير موجود في الواقع، كأن ترى وجهًا في السحب أو أرنبًا عندما تنظر إلى القمر، وفي الظلام حيث قد يكون من الصعب الرؤية بشكلٍ صحيح، فإن دماغنا يصنع أفضل استدلال ممكن، ويفرض إبداعاته على الواقع.

إذ أن الدماغ لديه وظيفة صعبة، حين تقصفك المعلومات الواردة من العالم على أنها مزيج مختلط من الإشارات، فتأخذ العيون اللون، والآذان تستقبل الأصوات، ويشعر الجلد بالضغط، يعمل الدماغ على فهم هذه الفوضى وهذا ما يسمى المعالجة من أسفل إلى أعلى، لكن أحيانًا يقوم الدماغ بوضع معنى في أشياء لا معنى لها، وهنا تحدث الباريدوليا.

يقول ديفيد سمايلز، عالم نفس بجامعة نورثمبريا في إنجلترا: إنه يعتقد أن كل شخص لديه مثل هذه التجارب، ولأن حواسنا تعودنا على تزويدنا بمعلومات دقيقة عن العالم، لذلك عند تجربة الهلوسة أو الباريدوليا، عادة ما تكون غريزتنا الأولى هي تصديقها.

تنطبق الباريدوليا أيضًا على حواسك الأخرى كالسمع، الأمر الذي جعل صائدي الأشباح يفسّرون الظاهرة الصوتية الإلكترونية -المقاطع الصوتية الموجودة على يوتيوب لأصوات غريبة وكأنها لغة غير مفهومة- أنها أشباح تتحدث، في حين يقوم الدماغ أيضًا بالمعالجة من أعلى إلى أسفل، وفي معظم الأوقات هناك الكثير من الأشياء التي تدخل من خلال الحواس، ولأن الانتباه إلى كل ذلك سوف يربكك، لذلك فإن عقلك يختار أهم الأجزاء، وبعد ذلك يملأ الفجوات. فمثلًا عندما تخطئ في كلمات أغنية ما، فإن عقلك يملأ معنى لم يكن موجودًا.

غريزة البقاء

عندما ندخل مكانًا مهجورًا، وعندما نسير في مكان غير مأهول بالسكان، تلك مواقف تجعلنا نشعر بالتهديد، وبوجود أشياء غريبة حولنا، يقول ميشيل فان إلك، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة ليدن: إذا كنت تمشي في الغابة ورأيت حركة، فإما أن تعتقد أنها حركة طبيعية لا تمثل أي تهديدٍ، أو تتخيلها حركة لمفترسٍ محتمل.

ويعتقد علماء النفس أن البشر قد طوروا تحيزًا معرفيًا تجاه المعتقد الثاني؛ لأن أسلافنا كان عليهم مراقبة محيطهم باستمرار خوفًا من التهديد المحتمل الذي تحمله الحيوانات المفترسة مثلًا، تلك النزعة يمكن أن تدفعنا للشعور بوجود شخصٍ آخر حتى عندما نكون لوحدنا. ويظهر هذا الارتياب الموروث جليًا في تجربة جولات الأشباح، حيث يتحفّز عقلنا لمواجهة التهديد المُتصور مُسبقًا. في الواقع، لا يدفعنا التجول في قصرٍ مهجورٍ إلى رؤية الأرواح أو الأشباح مباشرة، ولكنه يحفّز عقولنا على تخيل شبحٍ ما في إحدى زواياه، وعدم اليقين هذا بحد ذاته يزيد من عامل الخوف.

قوة الإيحاء

منذ فترة ليست ببعيدة كنت وحدي في المنزل وعندما شعرت بالعطش أخذت كوبًا بلاستيكيًا وملأته بالماء الذي شربت منه القليل، ثم وضعته على الحوض، وبعد ساعة أردت أن أشرب مرة أخرى فذهبت لآخذ نفس الكوب الذي كنت متأكدة من وجود بعض الماء داخله، لكن المفاجأة أنني وجدته فارغًا، حينها شعرت بالخوف واستحضر عقلي فكرة الأشباح، لأكتشف بعد ذلك أن الكوب مثقوب 😂.

تشير الدراسات إلى أنه من المرجح أن إيمان البشر بالأشباح وغيرها من الظواهر الخارقة للطبيعة يرجع إلى أن هناك دائمًا ما يدعم اعتقادنا، مثل الكم الهائل من أفلام الرعب وقصص الأشباح التي يحكيها الناس، ووجود ما يدعم شكوكنا يؤدي بنا إلى الإيمان بهذه المعتقدات، ويهيئ أذهاننا للخوف والاندفاع هربًا عندما نسمع صوتًا خارج غرفتنا أو عندما نشعر بقشعريرة مفاجئة.

يقول كريس فرينش، رئيس وحدة أبحاث علوم النفس الشاذة في جولد سميث في جامعة لندن: إن العقل البشري عرضة للتأثر بالإيحاء بشدة، وأن المؤمنون بهذه الظواهر هم أكثر عرضة للإبلاغ عن الأحاسيس الغريبة، وغالبًا ما يرجعونها إلى وجودٍ شبحي.

الاستمتاع بالخوف

لماذا يوجد في بعض الملاهي ما يسمى ببيت الرعب! حيث تختار أن تدفع نقودك مقابل الدخول والشعور بالخوف والرعب، ولماذا تعد أفلام الرعب هي النوع المفضل من الأفلام لدى فئة كبيرة من الناس؟ ببساطة لأننا نستمتع بالخوف. ووفقًا لطب الأعصاب تفرز أدمغتنا مادة الدوبامين، وهي مادة كيميائية مرتبطة بالمتعة عندما نشعر بالخوف. يمكن أن يؤثر مقدار الدوبامين على أدمغتنا مما يسمح لخيالنا بالتعايش مع وجود الأشباح فعلى الرغم من أنها فكرة مخيفة. إلا أنها تزيد من إفراز مادة الدوبامين المرتبطة بالمتعة.

العفن وأول أكسيد الكربون والأماكن المهجورة

أكثر الأماكن التي ترتبط بها فكرة وجود الأشباح هي الأماكن المهجورة، فبالإضافة إلى قوة الإيحاء، والاستمتاع بالخوف، وافتقاد المكان للأمان، هناك أيضًا عوامل أخرى تؤدي إلى الربط بين تلك الأماكن والأشباح، فتلك الأماكن من المحتمل أن يكون فيها تسريب لغاز أول أكسيد الكربون، أو أن تكون مليئة بالعفن السام، الذي يضر استنشاقه بجهازك التنفسي، وبعقلك أيضًا.

فالتعرض للعفن يسبب أعراضًا عصبية مثل الهذيان أو الخرف أو المخاوف غير المنطقية. أما في حال وجود أي أجهزة تالفة تقوم بتسريب غاز، فإن ذلك قد يكون أحد العوامل أيضًا، لأن استنشاق الكثير من أول أكسيد الكربون يسبب هلوسة سمعية، وشعورًا بالضغط على صدرك، وشعورًا غير مبرر بالفزع، الأمر الذي يفسر إيمان البشر بوجود أشباح في تلك الأماكن.

الوحدة وفقدان من نحب

أحيانًا يكون الأمر لدى البعض بعيدًا عن سماع صوت شيء ما، أو رؤية شكل غريب، إذ أنهم يرون أشخاصًا يحبونهم وتوفوا، ويفسرون ذلك بأنها روح المتوفى. إنها الصدمة والحنين لمن افتقدناهم.

لقد أشارت العديد من الأبحاث إلى أن الدماغ قد يلجأ لاستحضار الأرواح كوسيلةٍ للتعامل مع الصدمات، وللتكيف مع ألم فقدان الأحبة، وقد وجدت دراسة استقصائية في هذا الصدد منشورة عام 1971 في المجلة الطبية البريطانية، أن حوالي نصف الأرامل في ويلز وإنجلترا قد رأوا شركاءهم بعد وفاتهم.

وهناك أيضًا دليل على أن لهذه الخيالات فوائد عقلية أخرى. ففي استطلاعٍ أُجري عام 1995 ونُشرت نتائجه في دورية «الجمعية الأميركية للبحوث النفسية»، فقد أبلغ 91% من المشاركين أن لقاءهم بمن يحبون بعد مماتهم كان له جانبٌ إيجابي واحد على الأقل، كالإحساس بالاتصال والقرب مع الآخرين.

كما يعتقد الخبراء أن مثل هذه الأشباح تساعدنا في التعامل مع الأحداث المؤلمة أو المربكة، ففي عام 2011، نظر تحليل نُشر في دورية "Death studies" في مئات الأحداث التي أُبلغ فيها عن تفاعلاتٍ مفترضة مع الأموات. وقد توصل التحليل إلى أن بعض تلك الأحداث كانت توفر راحة فورية من أعراض الحزن المؤلمة.

الموجات تحت الصوتية وتردد الخوف

في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، كان المهندس البريطاني "فيك تاندي" يعمل في معمل أبحاث عندما انتابه شعور غريب. شعر فجأة بنوبةٍ من البرد والارتباك، فتجول في الغرفة محاولًا تهدئة نفسه، وفجأة شعر بوجود جسد شفاف. بعد لحظات، تأكد من أنه رأى شبحًا رماديًا يحوم حوله، وعندما استدار لرؤيته، اختفى كليًا.

فأخذ يبحث عن تفسير لما جرى، اتضح أن السبب يعود لمروحةٍ تصدر صوتًا يبلغ تردده 18.9 هيرتز. بالرغم من أننا لا نشعر بتردد مقل أعيننا، إلا أنها تهتز بالفعل بترددٍ قريب جدًا من تردد صوت المروحة. وفي حالة تاندي، دفع تردد صوت المروحة بعين تاندي لرؤيةٍ متكررة أدت لرؤيته ذلك الشبح الغامض الذي تخيله، لذلك بعدما نشر تاندي النتائج التي توصل إليها عام 1998 في دورية جمعية البحث النفسي، أصبح تردد 18.9 هيرتز يُعرف بأنه «تردد الخوف».

فمثلما يمكن للعين البشرية أن ترى الضوء ذا نطاق محدد من الترددات، الأذن أيضًا يمكنها سماع الأصوات فقط في نطاق معين من الترددات، فالموجات فوق السمعية التي تكون أعلى من 20000 هرتز يتعذر على آذاننا تحليلها، لذا إذا تعرضنا لها لا نستطيع الشعور سوى ببعض الاهتزازات. كما تواجه آذاننا صعوبة في سماع الأصوات منخفضة التردد التي تقل عن 20 هرتز، ففي دراسة أجريت عام 2003، أفاد 22% من رواد الحفلات الموسيقية الذين تعرضوا لأصوات عند 17 هرتز أنهم شعروا بعدم الارتياح أو الحزن، أو قشعريرة، أو مشاعر عصبية من الاشمئزاز والخوف.

لا يحمل معظمنا مقاييس الصوت عادةً، لذلك من الصعب معرفة عدد حالات الذعر التي يمكن أن نرجع سببها إلى صوت مروحة أو محرك ثلاجة صاخب، لكن بعد معرفة كل تلك الأسباب علينا أن نكون مثل تاندي ونفكر بعقل ناقد قبل أن نرجع أي شعور أو رؤية غريبة إلى الأرواح والأشباح، لأنه بالتأكيد ما زال هناك المزيد من التفسيرات.

اقرأ أيضًا: ديجا فو deja vu.. تفسير العلم لإحساسنا الغريب تجاه المواقف المألوفة