شاهدت أعزائي القراء حلقةً مميزة للإعلامي، والصحفي، والكاتب، والسيناريست، وأشياء أخرى، "إبراهيم عيسى"، الحلقة أذيعت على القناة التي تقدم حلقات برنامجه حاليًا، بعد أن سبقت هذه الحلقة دعاية مكثفة ومشوقة استمرت لما يقرب من أسبوع قبل إذاعاتها، وذلك نظرًا لموضوعها المهم، والمتعلق بمسألةٍ دينيةٍ عقائدية ثابتة لدى غالبية معتقديها، ومحل شك لدى بعضهم، وتحقيقًا لدور الإعلام الهادف في توعية المجتمع وتنويره، وبطرحٍ يليق بمكانة ومكان عالم ومفكر كإبراهيم عيسى، فقد قرر تصحيح ما يحقق لبسًا يشوب معتقدًا دينيًا لدى الغالبية، خاصةً، وأن هناك مراجع فقهية وبحوث تخالف آراءهم.

وجاء اليوم الموعود، واستضاف في الحلقة المنتظرة ضيفين متخصصين في الشؤون الدينية، مثّل كل واحد منهما وجهة نظرٍ مختلفة عن الآخر، لحظة! للتوضيح، هي لم تكن مناظرة بقدر ما كانت طرحًا لكلا النوعين من الآراء بشكلٍ يخدم المسألة الخلافية المطروحة، بتفنيد كلا الاتجاهين، كما روعي خلال هذا الطرح حساسية المسألة واعتقاد الغالبية الأعم فيها، والتزم إبراهيم عيسى بحياده كـ "إعلامي" وأدار الحوار باقتدار، وقدّم حلقةً أفادتني كمشاهد، وأفادت كذلك كل من شاهد الحلقة.

الفقرة السابقة فقرة خيالية تخيلية، هزلية وغير موضوعية ولا تمت لما حدث في الواقع بصلة، فما حدث هو العكس.. فجأة، وبغير سابق إنذار، طرح الإعلامي والصحفي مسألةً عقائدية، وفي سياقٍ يتبنى الرأي المخالف لها، مستندًا إلى آراء فقهاء لم يذكر من هم، ومراجع لم يعرّف بها أو أحال إليها بشكلٍ محدد، بل ذكرها بشكلٍ عام ومرسل باستخدام تعبير "كتب التراث"، تم ذلك بشكلٍ أحادي، في حلقة برنامجه دون أن يكون هناك أحد المتخصصين في الحلقة -التي تحتاج إلى اثنين منهما على الأقل- يعبر كل منهما عن وجهة نظره بشكلٍ يفيد المشاهد، في الوقت الذي يقرر فيه مقدم البرنامج ضمنيًا أن الغالبية تبني عقيدتها على مراجع غير أمينة، وعلى آراء مشايخ تجتزئ علمها المعلن للعامة -من وجهة نظره- بما يجعل العامة في مقام "الضحايا" لهذا الاجتزاء، إلا أنه آثر أن تكون معرفتهم وعلاجهم عن طريق "الصدمة".

فما حدث بدا كالتالي: "أهلًا مساء الخير مشاهديّ الأعزاء… يسعدني أن أبلغكم أن عقيدتكم منذ قرون على خطأ".

وبعيدًا عن مضمون هذه التصريحات، وعن المسألة العقائدية ذاتها، فالمقال لن يتعرض لها تاركًا الحكم فيها لأهل الاختصاص.
ما لفت نظري هو ما عاب طريقة الطرح والأسباب التي جعلتها منفّرة لدى الغالبية، بما يجعل ما حدث مثالًا تطبيقيًا ممكن الاستفادة منه في تعليم وتعلم "إتيكت التعبير عن الرأي"، وذلك بتجنب مثيلتها.

عند التعبير عن رأيك عزيزي القارئ/عزيزتي القارئة، لا سيما عندما يكون مخالفًا أو مختلفًا عما هو سائد بالفعل، بحيث يصبح رأيك مقبولًا دون إثارة أو استثارة تؤدي لحالة عقيمة من الجدل دون داعٍ أو دون مناسبة، يمكن ذلك باتباع الخطوات -أو بالأحرى النصائح- التالية:

إبداء التعاطف والاحترام لآراء الآخرين

بالابتعاد عن أن نظهر بمظهر العدواني أو المسيطر، فـ "الآخر" لن يقتنع بكلامٍ موجه له إذا شعر في هذا الكلام بهجوم، فنحن من الممكن أن نعبر عن آرائنا ونظهر في نفس الوقت أننا نستمع للرأي الآخر، وأن نبدي الاحترام له.

فطريقة عرض آراء "الكاتب والمثقف" إبراهيم عيسى كانت هجومية لا تحترم أو تتعاطف مع الرأي المقابل، بشكلٍ يقضي على أي فرصة -إن وجدت- لدى "الآخر" لسماع آرائه نتيجة هذه اللهجة الهجومية، وكان من الأفضل لو راعى أن تصريحاته بشأن معتقدٍ ديني قديمٍ منذ قرون، وأن من يعتقد فيه قد يكون غمي عليه بسبب آراء فقهاء ومصادر منسوبة لآخرين، ويذكر هذه المصادر -بداهةً- واضعًا إياها في إطارها الصحيح الذي يراد به "الإعلام" والإفهام، حتى لا يبدو وكأن البرنامج منصة للرأي المخالف فقط، لا للرأي والرأي الآخر.

الاستعانة بذوي الاختصاص

عندما تعرض رأيك عزيز القارئ/عزيزتي القارئة في مسألة تحتاج لمتخصصين فيجب أن ترجع لهم ولآرائهم بشكلٍ دقيق، وأن تنقلها بشكلٍ أمين.

وفي حالة تصريحات إبراهيم عيسى "الإعلامي والصحفي" كان من الأولى به أن يطرح المسألة لنقاشٍ ولحوارٍ يديره هو كمقدم للبرنامج، في حلقة فيها ضيفين -على الأقل- من المتخصصين، ولا مشكلة لو كان حتى أبدى تحيزًا لأحد الجانبين، فالحياد الإعلامي هو مجرد أسطورة -إن لم يكن أكذوبة- ولا يمكن تحقيقه بنسبة 100%، شرط أن يكون هذا التحيز مبنيًا على أساسٍ موضوعي، وبشكل واضح يراعي ثقافات وعقليات من يشاهد الحلقة أو المناقشة.

الابتعاد عن المبالغة

بالتأكيد لن يكون مقبولًا لو قلت لك معلومة "أن كتابًا أو فيلمًا ما قد شاهده 90% من تعداد سكان العالم، وأعجب به 99% منهم"
وبالرغم من أن تعبيري هو تعبير مجازي، إلا أنه احتوى على مبالغة غير مقبولة من ناحية، وعلى نسب غير دقيقة من ناحية أخرى.
وهذا ما لم يراعه "التنويري والسيناريست" إبراهيم عيسى، حيث أوضح أن الشيوخ حاليًا يخبئون 90% من الدين في كل شيء، وأن 99% من القصص التي يروونها كاذبة!

فعلى أي أساس؟ ومن هم هؤلاء الشيوخ؟ وما المقصود بـ "كل شيء في الدين"؟ وما هي الأمثلة العديدة التي تجعلنا نجعل من ذلك -لو صحّ- ظاهرة وقضية تطرح بهذا الشكل غير المتناسب مع أهميتها؟

لذلك، فتعلّم عزيزي القارئ/عزيزتي القارئة أن يكون كلامك دقيقًا وغير مرسل، مع الابتعاد عن المبالغات قدر الإمكان.

تقبّل الرأي الآخر

لأن هذا يزيد لديك القدرة على تصحيح مفاهيمك أنت، فقد يكون هناك ما هو غائب عنك ويوضحه لك "الآخر"، ومن الوارد والجائز أن تكون جهة نظرك خاطئة، أو مبنية على أساس غير دقيق، ولا يوجد طريقة لكي تمرّن نفسك على هذا غير أن تضع نفسك مكان الآخر، وتعرض عليه الرأي بالطريقة التي تحب أن يعرض بها عليك رأيه، ولن أربط بين هذه النصيحة وبين تصريحات "إبراهيم عيسى، فهو للآن لم يبد أي رد فعل للآراء التي رفضت تصريحاته المتطرفة –من وجهة نظرهم.

مرة أخرى، المجال هنا ليس لتفنيد التصريحات أو لمناقشتها، ولكن يتعرض فقط لطريقة طرحها، للخروج منها بنصائح قد تفيدنا في طريقة التعبير عن رأينا في أي مسألة عمومًا، تتقاطع هذه النصائح مع قواعد "إتكيت التعبير عن الرأي"، وهي قواعد بالتأكيد لا ولن تقع تحت حصر، وبابها مفتوح كفاية لوضع ما نشاء تحتها كعنوانٍ عريض قواعد أخرى إضافية تلتقي مع الذوق واللياقة واللباقة والاحترام، بما يجعل طريقة تعبيرنا عن آرائنا أفضل، ولا تكون سببًا في جعلنا نبدو متطرفين فيها، أو متعصبين لها.

لأهمية ذلك، يمكن متابعة هذه التصريحات الآن طبعًا ومراقبة توابعها وآثارها والجدل العقيم الذي سببته بغير طائلٍ منه، وكان من الممكن ومن السهل ألا تحدث ما لو وجد أمر واحد بسيط وسهل ومستطاع، وهذا الأمر موجود في أول فقرة من فقرات المقال،
تلك الفقرة الخيالية التخيلية الهزلية وغير الموضوعية ولم تمت لما حدث في الواقع بصلة.

اقرأ أيضًا: تصريحات رجل شجاع: هل تعرف أن المرأة النكدية نعمة وأنّ هناك ما يعرف بالنكد السعيد؟